عندما يصاب الضمير بالعطب
بقلم : د. لاهاي عبد الحسين
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

غالباً ما نفكر بالضمير كما لو أنّه "الصندوق الأسود"، ذلك الوعاء الصلب محكم الإغلاق والمحمي بعناية من إحتمالات التصدع الخارجي وذلك بهدف المحافظة على ما في داخله من مضامين نقية وخالصة عما يراه المجتمع صحيحاً ومؤهلاً للتطلع إليه على مستوى القيم والمعايير الثقافية والحضارية المقبولة والمطلوبة ذات الأهمية للصالح العام. يعرّف "الضمير" في الأدبيات الاجتماعية بأنّه حالة من الإحاطة والمعرفة والإطلاع على التجربة الذاتية والمتناغمة مع ما يسعى المجتمع أو الجماعة للوصول إليه وتحقيقه خدمة للصالح العام.

إنّه عامل الضبط الداخلي الذي يتمثل في المنظومة الأخلاقية التي سرعان ما تتحول إلى قواعد ملموسة ومتبعة للسلوك المقبول اجتماعياً في ضوء ما تم الإجماع عليه من قبل أعضاء الجماعة. وهو يتطور ويجمّع المطلوب من  قيم ومعايير وإعتبارات وفق المقاييس المحددة اجتماعياً من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي يمر بها الأفراد إبتداءً من العائلة التي تمثل الحاضنة الأكثر أهمية ومروراً بالمدرسة والجامعة ومكان العمل والمؤسسة الدينية والثقافية الأخرى وما إليها. إنّه صنيعة اجتماعية يتأثر بما تتأثر به الجماعة ولكنّه يتسامى عن الصغائر ليضع سقوفاً تعطي للمجتمع مبرراً لتشجيع أفراده على التطلع إليها. يلعب الضمير في الظروف الاعتيادية دوراً مهماً في حياة الناس لمنعهم من الشطط أو الزلل من خلال شدّهم إلى المشتركات المتوافق عليها صراحة أو ضمناً كما في قيم المحبة والجمال والشجاعة والشرف والتسامح والتعاون والإصرة الاجتماعية.

لم يظهر الضمير الطبقي في مجتمعنا بعد بسبب ظروف إنعدام الإستقرار السياسي والاضطرابات المتلاحقة التي لم تعطِ مجالاً لنمو ضمير عام شامل يمثل طبقة من الناس دون غيرها سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو حتى اقتصادية. كما لم تطور الجماعات المتنوعة الأخرى كل منها على إنفراد ضميراً يتكلم عنها ويعبّر عن مقاييسها كما في النساء والرجال أو الأدباء والكتّاب والفنانين والأكاديميين والصحفيين وأي جماعة مهنية أو ثقافية أخرى نستطيع أنْ نستقرئ من خلالها مواقف الجماعة ككل مما يؤدي بنا دائماً للبحث عن الموقف الفردي والإنتاج الشخصي لتبين هذا من ذاك. فالخلافات والإختلافات والتقاطعات بين أولئك الذوات لا تعد ولا تحصى.

كان من الطبيعي والحالة هذه أنْ ينكفئ عموم الناس على إنتماءاتهم المكتسبة بالولادة كالطائفة والجماعة العرقية والمنطقة والمحافظة والمحلة بسبب قدرة هذه البنى المجتمعية لتقديم المشترك والمتوافق عليه الذي ترشح عبر قرون من الزمن الضارب في القدم. إلا أنّ هذه البنى الاجتماعية الراسخة لم تنجح في مواجهة المستجد والغريب من الظروف والمواقف مما أظهر أزمة الضمير الاجتماعي والحاجة إليه وبخاصة في لجة الصدامات والنزاعات والحروب والخصومات المتواصلة بين الجماعات المتنوعة المشار إليها. كان ذلك من نوع الإمتحانات الصعبة التي لا سبيل إلى حلّ ألغازها بالعودة إلى الكتاب وإنّما من خلال البحث عن معين آخر من المعرفة والعلم الذي يأتي بطرق غير تقليدية وغير مألوفة وبخاصة بعد فترات طويلة من التغييب والإغلاق والعزل والإقصاء السياسي والاجتماعي التي عانى من ويلاتها المجتمع العراقي سواء كانت النوايا حسنة أو سيئة. الخلاصة أنّه عانى كثيراً. عندها يظهر جوهر الضمير ليشهد على ما حصل من عمليات تعبئة وتعليم وتدريب.

عندما يكون الضمير قوياً راسخاً ومحصناً فإنّه يتكفل بحماية الجماعة ولكنّه عندما يكون هشاً وسائباً عانى هو ذاته من الويلات بسبب سياسات التفرقة والتمييز على إختلافها يحصل المحظور. هنا يفشل الضمير في مواجهة واقع الحال وبخاصة عندما تختل الموازين ويستشري الخوف وتسود حالة من إنعدام الثقة والأمان والإعتماد على ما تم التسليم به نتيجة إنهيار السلطة وإنتشار الفساد الإداري والمالي حيث تظهر مؤسسات المجتمع كما لو أنّها "كانتونات" تحتضن لاجئين مؤقتين من مختلف الجنسيات لا يهمهم المحافظة على علاقاتهم الإنسانية والاجتماعية مع بعضهم البعض بغية تطويرها وتعزيزها لأنّهم مسكونون بالقلق والخوف على مستقبلهم ولا يهمهم بالتالي الا التعرف على مصائرهم في مواجهة المجهول. قد تساهم ظروف شاذة وإستثنائية من هذا النوع إلى ظهور ما يمكن أنْ يسمى بظاهرة "الضمائر المعطوبة". وهذه من نوع الضمائر التي لا تحمل الصحيح وتحتضن الخطأ وتشرعن الفساد وتبرر الخلل وتمنطق الإنحراف. الضمائر المعطوبة من نوع "الضمائر المتسخة" التي تصبح الطائفية والعنصرية وكل أنواع التمييز ضد الآخر بما في ذلك المواقف السلبية ضد النساء والبنات الصغيرات والأطفال والأجانب والفقراء وعموم المستضعفين لديها مقبولة ولا غبار عليها أو على الأقل غير معني بها. إنّها من نوع الضمائر التي تسمح بالتهديد والوعيد والشماتة والتشفي بما نزل على الآخرين من مصائب بما في ذلك الحريق أو الموت. وقد يمتد هذا إلى الجوانب الأخرى الشيئية في الحياة كالفن والموسيقى والفرح والغناء وما إليه لتناصبها العداء. إنّها من نوع الضمائر التي تتحرك وهي ميتة. إنّها تلك التي ترتدي ثوباً يستر عيوبها لتظهر بصورة حسنة ولكنها لا تكلف نفسها محاولة وضع علاج ناجع لهذه العيوب كما في المثقف الطائفي أو العشائري الذي يألف إستخدام تقنيات الدراسة والكتابة والحديث والبحث وينجح بوضع إطار نظري يبدو مقبولاً للمختص وغير المختص ولكنّه يقود العمل بإتجاه أغراض أخرى تنطوي على الكثير من التلاعب بالحقيقة والخبث في تقديمها. ضمائر تتكلم بما يتفق عليه الناس ولكنها في الحقيقة تضمر شيئاً آخر تطبخه على نار هادئة.

تتسم الضمائر المعطوبة في استبداد مشاعر الحقد والكراهية والمطالبة بالثأر والإنتقام وفي الأقل إنعدام حالة الإكتراث الاجتماعي لما يحصل "ما دام بعيداً عني، لم ينل مني". يحصل هذا عندما لا نراجع أنفسنا ولا نتقبل النقد وننكفئ على الجماعات المعجبة بنا والمحبة وربّما الخانعة لنا. تنقل الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والمحطات التلفزيونية الأخبارية قصصاً وحكايات لا تحمل الدعة والأمل بقدر ما تحمل أخبار الموت والدمار ليس على الصعيد العام لتحرير الأرض والمال والعرض وإنّما على مستوى حالات فردية يرى فريق فيها أنْ يعاقب فرداً أو جماعة مستضعفة أخرى بسبب العطب الذي أصاب الضمير المجتمعي فكان أنْ برر لهذه الجريمة أو تلك. وهذا ما يستدعي دور الطبقة الحاكمة المسؤولة التي يفترض تساميها عما يحصل في قاع المجتمع لترفعه إليها بغية تجاوز أزماته واختناقاته. وعندما تفشل هذه يصبح الدور الإستثنائي والإضافي للجماعات المثقفة ومؤسساتها المسؤولة مهماً، بل وضرورياً لإزاحة الغمامة بالجهد والعمل والإنتاج المعرفي والتثقيفي المثمر والمستمر.

الضمائر المعطوبة بحاجة إلى مصلّح ماهر أو مجموعة مصلّحين يتعاونون لتقديم خبراتهم ومهاراتهم وإمكاناتهم لمعالجتها. هذا يعني الحاجة لتنظيمات تضم كفاءات متنوعة تعمل بصورة طوعية لكي لا تسمح للتمويل ومصادر التمويل لتنال منها لتساهم بإعادة تطوير الضمير والوعي الاجتماعي من خلال العودة إلى مواجهة الحقيقة واحترامها ومواجهة الذات ليس على الصعيد الفردي فحسب بل وعلى الصعيد الجماعي والمجتمعي ليكون الضامن والكفيل والضاغط على السلوكيات الفردية. تتطلب المسؤولية الاجتماعية أكثر من شكل وصيغة لوقف ما تسببه الضمائر المعطوبة من ويلات ومعاناة لشرائح من السكان كانت منسية فإذا بها تتصدر المشهد بسبب نمط حياتها أو سلوكها الشخصي كما في الطريقة التي إستأنس بعض الشباب والمراهقين الظهور فيها فكان أنْ صاروا هدفاً للسخرية والتشهير مما أدى إلى الإعتداء عليهم بصورة عنيفة بلغت في بعض الحالات مستوى إرتكاب جرائم قتل بحقهم علماً بأنّ هؤلاء من أكثر الناس ميلاً إلى المسالمة والبعد عن ممارسة العنف والتشجيع عليه أو قبوله. نحن بحاجة إلى تمشيط ضمائرنا وإعادة موضعتها لنعود ويعود المجتمع واحة محبة وتسامح وسلام.

المدى

  كتب بتأريخ :  السبت 04-03-2017     عدد القراء :  360       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced