المثقف لا يُرضي أحداً
بقلم : د. لاهاي عبد الحسين
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

تتردد بين فترة وأخرى عبارة "مثقفون باعوا أنفسهم للأحزاب والكتل والجماعات". ونقول ليسوا مثقفين أولئك الذين باعوا أنفسهم لهذا الطرف أو ذاك. ليسوا مثقفين أولئك الباحثين عن رضا هذا الطرف أو ذاك، بل دُخلاء على الثقافة التي تمر اليوم بأزمة واقعية ملموسة نتيجة توفر ظروف تطورها لتكون فاعلة ومؤثرة بسبب دفق الحرية المتاحة للتعبير عن الرأي مقابل حالات التشرذم والتقوقع والإنغلاق التي إختارها بعض من إدعى وصلاً بالثقافة والمثقفين. فالمثقف لا يُرضي أحداً بإستثناء القلة القليلة من خاصته وأصدقائه ومعارفه والمعجبين به ودائرة نظرائه، لأنّه بطبيعته صوت سابح ضد التيار وإلا فإنّه ليس بمثقف. والمثقف اجتماعي إنساني يحمل رسالة عامة بطبيعته لذلك فهو لا يتجزأ إلى مثقف ديني وآخر سياسي  أو جامعي وما إليه لأنّه واحد ومستقل ومهتم بالشأن العام، بالضرورة. المثقف هو ذلك العضو في مجتمع ممن يكرس جهده لتطوير أفكار جديدة أو مقاربات غير مطروقة ويؤدي أدواراً مبتكرة ضمن الطبقة المثقفة ليكون قائداً فيها يساهم بصناعة الرأي وصياغته ويدفع بإتجاه التمعن في محاولة إيجاد حلول لأزمات مجتمعية قائمة. الا إنّه ليس "نبياً" كما عبر عن ذلك ماكس فيبر مخاطباً طلبته قبل أقل من عام على وفاته المبكرة (1919). فالمثقف لا يملك عصا سحرية لحل المشاكل والأزمات ولكنّه يرصد ويتأمل ويفكر ويشجع على التفكير الجماعي الذي ينزع بطبيعته إلى أنْ يكون مسؤولاً وملتزماً بالشأن العام. ينطوي الجهد الثقافي في جانب منه على المعرفة وسعة الإطلاع ولكنّه يبقى قاصراً ومنقوصاً إنْ لم يعزز بالقدرة على التحليل والتجرد والتسامي ليكون بإستطاعته تقديم الجديد على مستوى الوعي والمعرفة المجردة. فالمثقف لا يخترع أو يكتشف ولكنّه يبلور ويجرد. وقد يتبنى المثقف موقفاً ويعبّر عنه إنّما هو موقف أخلاقي لدعم قضايا تحظى بالمقبولية والمسؤولية الاجتماعية. أما أنْ يأخذ المثقف موقف طرفٍ بعينه ويتبنى أفكاراً ذات مرجعيات فكرية معروفة سلفاً محاولاً أنْ يضفي عليها مهابة التمنطق فهو أمر لا يخرج عن دائرة التظاهر والحذلقة وهو على وجه التعيين إما أنْ يكون مدفوع الأجر أو أنّه من نوع الذي يعرض بضاعته للبيع بأسعار تنافسية وإنْ إدعى وأزبد وأرعد بغير ذلك. لعل في هذا أحد أهم أسباب تضاؤل دور المثقف في المجتمع العراقي، اليوم. وهذا أيضاً أحد أهم أسباب تخلف مجتمعنا عن اللحاق بركب المصالحة الوطنية الحقيقية والواسعة وغير المشروطة والتأسيس لقواعد السلم الأهلي بين الجماعات المتنوعة دينياً ومذهبياً وعرقياً وطبقياً والتضامن لتوفير جبهة شعبية عريضة مضادة للفساد والتواصل لإنعاش التصور السليم للمواطنة والوطن وغيرها من القضايا ذات الإهتمام المشترك.

لا يخلو مجتمع من وجود قامات مؤثرة وعقليات متميزة إنّما الإشكال يكمن في الكيفية التي توظف فيها مثل هذه القامات والعقليات جهدها أو الطريقة التي تستخدم فيها من قبل الآخرين إذا ما غيّبها الموت أو الحياة في المنافي التي لا تزال حاضنة لكثير منهم. ويبدو أنّ البعض إختار أنْ يسير في ركب موجة من الموجات بدل أنْ يبقى متنائياً ليحافظ على إستقلاليته وحياديته اللازمة لضمان قوة تأثيره مما أدى به إلى أنْ ينحني للعاصفة بدل تحديها فكان أنْ غلبتهم وقادتهم وإشترت إمكاناتهم بإسم العمل بصفة "خبير" أو "مستشار" ومن خلال الإغداق عليهم بإيفادات ومخصصات مغرية وما إلى ذلك وبظروف عمل مريحة. فات هؤلاء أنّ الراحة في العمل والتخلي عن مفهوم الكدح الفكري إنّما فيه مقتلهم.  فهؤلاء وأمثالهم يحرفون الناس ويربكون تصوراتهم ويشغلونهم بما لا يعنيهم حقيقة. لا يهتم المواطن الإعتيادي بوقائع أخذت من بطون التاريخ وإنْ تأمل فيها لكنّه يهتم حتى الوجع الفيسيولوجي بمصالحه وقوت يومه والقلق الذي ينتابه إذا ما كان عليه مراجعة دائرة رسمية لإنجاز معاملة أو تصديق شهادة ما. من هنا تنبعث كل إحتمالات الخطر على الحظيرة المجتمعية وسلامتها الأمنية. فالتطرف والتشدد وتصاعد النزعة العدوانية بدلاً من النزعة الودية التشاركية سببها الرئيس والعملي الفشل في تأمين مصالح المواطنين وتطمين مشاعرهم لتخليصهم من عبء الإعتقاد بالقمع والمظلومية لأسباب موضوعية وليست متخيلة أو مطلع عليها. يبدو أنّ هناك بوناً شاسعاً بين من ينكفئون في مكاتبهم ودوائرهم المغلقة ممن يكتفون بإستشارة زوجاتهم وقد لا يجدون وقتاً يتحاورون فيه مع إخوانهم وأخواتهم من جانب، وبين الطريقة التي يفكر فيها عموم الناس. وهذا ما يؤدي بهؤلاء إلى إطلاق الأحكام وتضخيم التصورات التي لا تبتعد في الغالب عن أرنبة أنوفهم الأمر الذي سيؤدي بهم لا محالة إلى نهاية محتومة وهي أنْ يهملوا ويضيعوا في زحمة المتقاتلين على تنمية السمعة والصيت الزائفين لأنّ الناس بالنهاية أذكى من أنْ يُضللوا طويلاً وسيكتشفون بمحض وعيهم وحسهم العملي مكانة أمثال هؤلاء.

إنّ ما جعل من الجواهري مثقفاً أنّه لم يكتفِ بنجوميته الشعريه وموهبته الفذة في هذا المجال، بل في إلتزامه بقضايا المجتمع والناس ووقوفه الصريح والمعلن إلى جانبهم حتى صارت دواوينه سجلاً لتاريخ النضال الوطني المعاصر في العراق وشاهداً عليه. وهذا ما فعله السيّاب الذي عبر عن قضايا  وطنية في قصائد إلتقى فيها المعنى والصورة الناطقة والجمال. وكذا فعل علي الوردي الذي لم يكتفِ بأنْ يكون تدريسياً لامعاً يستقطب الطلبة من الأقسام والكليات الأخرى ليتوسع فيما بعد بإستقطاب جمهور واسع من المستمعين والمجادلين على مستوى المجتمع وبكل جماعاته وشرائحة المتعددة. كما لم يكتف الوردي بتقديم العلم الجديد "علم الاجتماع" إلى المجتمع العراقي ليسلط الضوء على جوانب مهملة من الحقيقة ولكنّه خاض في قضاياه وحمل همومه وتميز على من سواه بأكثر من عمل سواء في تحليله لثورة العشرين ونقض كل من كتب عنها قبله أو بدراسة المجتمع العراقي ليصبح كتابه المأثور "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" وثيقة وذاكرة وخرقاً في مجال التحليل السوسيولوجي الحديث أو في تقديمه لكتاب اللمحات بإعتباره فتحاً في مجال علم الاجتماع التاريخي. ومع أنّ الوردي تلقى ما تلقى من النقد والتهجم بل وحتى محاولات الإعتداء على حياته الشخصية في وقت كان يفترض أنْ يحظى فيه المجتمع بوضع أمني أفضل بكثير من أيامنا هذه الا أنّه لم يحدث أنْ رد على الإساءة بالإساءة. ولم يحدث أنْ سخر الوردي من أكثر نقاده صلفاً وخشونة، بل كان فارساً بردوده وتعقيباته وسيداً في تبادلاته الفكرية وتعبيراته عن أفكاره وقناعاته بكرامة واحترام ومع الجميع بكل مراتبهم ومستوياتهم. كان الوردي صوتاً للقضايا العادلة تماما كما الجواهري والسيّاب والبياتي وجواد علي وعناد غزوان وكثير غيرهم. كان أولئك الرجال من النوع العصيّ على الإنحياز لجماعة أو طرف وبخاصة على مستوى التعامل مع النظام أو الحكومة. لم تبهرهم المناصب أو العناوين الوظيفية ولم تغرهم المكافآت المجزية التي كان يلوّح بها هنا أو هناك مما أدى بقناعاتهم وآرائهم بالنهاية إلى أنْ توزن بميزان الذهب حتى يومنا هذا. تطالعنا بين فترة وأخرى مقتطفات من قصائدهم ومقولاتهم وآرائهم أو مناقشات ومحاضرات قاموا بتقديمها في وسائل التواصل الاجتماعي التي تتصاعد بقوة تأثيرها لتكون تعبيراً عن جانب مهم من الذائقة الاجتماعية والضمير الاجتماعي الذي لم تنل منه عوامل الفساد والعطب بعد. هنيئاَ لأولئك المثقفين الذين تعلموا وعلموا بدرجة عالية من الحيادية والإستقلالية والنزعة الخالصة بقدر إجتهادهم للبحث عن الحقيقة وتقديمها مجردة منزهة من أي ميل ديني أو مذهبي أو قومي أو قبلي أو عرقي مما أهلهم ليكونوا دعاة الوطنية العراقية بإجماع الكــــل.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 11-04-2017     عدد القراء :  162       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced