أزمة أستفتاء كردستان والدور المعوّل على اليسار
بقلم : رضي السمّاك
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مع بدء العد التنازلي للساعات الأخيرة المتبقية عن موعد الاستفتاء الشعبي المقرر أجرائه في إقليم كردستان تزداد المخاوف الجدية بنشوء بؤرة توتر جديدة بالغة الخطورة بما لا يُحمد عقباها ، ليس على أمن وسلامة واستقرار كلا الشعبين الشقيقين العراقي والكردي فحسب ، بل وعلى المنطقة برمتها والتي هي زاخرة أصلاً ببؤر توتر سياسية وعسكرية عديدة غير مسبوقة تاريخياً في عصرها الحديث ، لا سيما مع ما تشهده منذ سنوات من حروب أهلية وأقليمية مُتعددة ليست بمنأى عن التدخلات السياسية والعسكرية المُباشرة للقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة ، وحيثُ مازال العراق يخوض معركة تطهير الجيوب المتبقية من الوحش الداعشي مُعتمداً بالدرجة الأولى على قواه الذاتية العسكرية والشعبية ( الجيش والحشد الشعبي ) ، ناهيك عما يعانيه الابرياء المدنيون العُزّل من أبنائه ، وعلى الأخص في العاصمة والمحافظات الجنوبية من دفع ضريبة باهظة من ارواحهم ودمائهم لثأر الوحش الداعشي الجبان منهم بعملياته التفخيخية المتوالية .

بهذا المعنى يمكن القول ان ثمة جملة من الأبعاد والمحاذير تثير الشكوك حول نجاح الاستفتاء فيما يروم إليه في المستقبل القريب لتحقيق استقلال الأقليم ، وحتى في نجاحه فيما يهدف من ورائه كورقة ضغط تكتيكية على الحكومة الاتحادية ، فغني عن القول إن الاستفتاء يأتي في ظل ظروف بالغة الدقة والتعقيد إن على الصعيد الداخلي العراقي وإن على صعيد الظروف الإقليمية والدولية الشديدة التوتر ، ومن ثم فلا أحد بمقدوره أن يتنبأ بمستقبل هذه القضية إذا ما أستمر التصعيد المتبادل بين حكومة كردستان من جهة والحكومة والقوى الإقليمية والدولية من جهة اُخرى بعد الاستفتاء ، وليس مستبعدا أن يصبح الكُرد وسط ظروف كهذه وقد أضاعوا ماتحت أيديهم اليوم من مكاسب وحقوق على نحو يُذّكرنا تماماً بالمآل الذي آلت إليه القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948 حيث غدت أكثر تعقيداً بسبب تحكيم لغة العواطف وما فتئ الفلسطينيون والعرب يجترون عض الأنامل مراراً وتكراراً لما ضيّعوه من فرص غداة النكبة .

ويمكننا تلخيص أبرز المحاذير والابعاد المحيطة بالاستفتاء فيما يلي :

أولاً : يأتي الاستفتاء وتركيا في مقدمة المتربصين ليس به وما يترتب عليه من نتائج فحسب ، بل وبتجربة الحكم الذاتي في الاقليم المتقدمة والتي تثير أزعاجها منذ نشوئها ، وثمة مخاوف بانعكاس الاستفتاء على أوضاع نضالات الاكراد في المنطقة وتعقيد نضالاتهم وعلى الأخص داخل تركيا نفسها حيثُ يشكل الأكراد فيها أكبر نسبة بين أعدادهم ، ناهيك عن الموقف الإيراني التقليدي المعروف والمعارض لأي تطلعات للشعب الكردي من هذا القبيل المعارض بالدرجة الثانية .

ثانياً : إن الاستفتاء يأتي أيضاً في الوقت الذي لم تكترث فيه قيادة الإقليم بحاجته مُقدماً بتهيئة الأرضية السياسية والمناخ الملائمين لاجرائه وتحيّن أفضل الظروف المناسبة لأجرائه بالتوافق مع المركز ، بما في ذلك تلمس أفضل السُبل التمهيدية الممكنة لإقامة علاقات مستقبلية مع دول الجوار المحيطة بالإقليم قائمة على حسن الجوار والتعاون وعلى رأس هذه الدول دولة المركز نفسه ( العراق ) ، فلا توجد دولة تقلل مبدئياً من هذه الحاجة الموضوعية ليس لضمان أمنها واستقرارها وسلامتها فحسب ، بل لتحقيق مختلف أوجه العلاقات الاخرى الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي هي في أمس الحاجة إليها كدولة فتية نامية طرية العود تتلمس أول خطواتها على الساحة الدولية وسط عالم لا يرحم .

ثالثاً : إن إصرار القيادة السياسية للاقليم المتشدد غير المفهوم باجراء الاستفتاء في موعده المضروب ، ( دون تأخير ولو دقيقة واحدة على حد تعبير رئيس الاقليم مسعود برزاني ) ، ومن ثم تحديها الحكومة المركزية في بغداد فضلاً عن تحدي كُل أو معظم القوى والأحزاب السياسية والشعبية داخل العراق ، ناهيك عن تحفظ بعض الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية داخل الأقليم نفسه على توقيت الاستفتاء ، إلى جانب تحديها المجتمع الدولي والقوى الكبري الرافضة له أو على المطالبة بتأجيله ، كُل ذلك ليلقي ظلالاً من الشكوك الكثيفة بوجود غايات سياسية كامنة لديها لإشعال أزمة من هذا القبيل بغية صرف أنظار شعبها الكردي عن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها داخل الإقليم فضلاً عن مظاهر الفساد والاستئثار بالسلطة وتهميش القوى السياسية الكُردية الحية ، وبخاصة قوي اليسار عن المشاركة السياسية وتضييق هوامش الحريات العامة في الأقليم ، وفي المقابل فضلاً فأنها توفر -موضوعياً- غطاءً مشابهاً للحكومة الفيدرالية فيما يتعلق في بتعاطيها المأزوم مع الاوضاع المتأزمة لشعبها .

رابعاً : إن التصعيد الإعلامي من كلا الجانبين - المركز والأقليم - في موقفه لا يفيد شعبيهما بل يلحق بهما أبلغ الضرر ويخدم مصالح أعدائهم الاقليميين والدوليين ، ناهيك عما قد ينجم عنه اجراء الاستفتاء في موعده المضروب من انعكاسات سلبية على أوضاع أشقائهم الكُرد خارج الأقليم ، سواء الأقلية الكردية خارج الاقليم في الداخل العراقي أم في بلدان المنطقة التي يتواجدون فيها .

والحال إن وضع إقليم كردستان في إطار النظام الفيدرالي الحالي الجديد للعراق يظل على كُل مثالبه وعيوبه التي يعاني منها العراقيون وأكراد الأقليم معاً أفضل بكثير ولا يُقارن البتة بأوضاعهم في ظل الانظمة الدكتاتورية السابقة التي حاربت الكُرد وخذلتهم بوعودها التسويفية الكاذبة دون أن تحقق لهم شيئاً منها حتى بسقفها الراهن بما ناله كُرد الأقليم من ضمانات واستحقاقات دستورية والتي هي بلا شك تحققت بفضل تضحياتهم في المقام الأول فضلاً عن تضحيات حلفائهم من القوى السياسية الديمقراطية العراقية الاخرى وبخاصة اليسارية .

وبطبيعة الحال فإنه لا مناص لكلا الطرفين من تغليب لغة العقل والحكمة وتوخي المصلحة الوطنية العليا لكرستان والعراق من خلال الجلوس إلى طاولة الحوار واجراء مفاوضات جدية وجادة بدون أملاءات وشروطٍ مسبقة وبقلب وعقل مفتوحين من قِبل كليهما - حكومة الاقليم والحكومة الفيدرالية - كطرفين نديين لا كطرف كبير يملي شروطه على طرف صغير ، وبالتوازي مع تناولها في مؤسسات الدولة وفي مقدمتها البرلمان . ولئن كان من المأمول تبني هذا النهج لانهاء الأزمة منذ بداياتها ، فإن الأوان لعله لم يفت بعد للإسراع في أقرب وقت بأن يبادر كلا الطرفين نحو خطوات من حسن النوايا لتعزيز الثقة بينهما وبما يسمح بتبني النهج المذكور لحل الازمة أي عن طريق الحوار والمفاوضات واحترام المرجعية الدستورية ، ومن ثم تطويق الأزمة بالسُبل الممكنة قبل أن تستفحل مساراتها على نحو ما ذكرنا .

وفي تقديرنا إذا كانت ثمة قوى دولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الفاقدة المصداقية لدى شعوب المنطقة تطرح نفسها كوسيط موثوق للوساطة والمفاوضات المرجوة بين الطرفين فالأولىٰ أن يضطلع بهذه المهمة جهة وطنية سياسية نزيهة مُحايدة وتتمتع مصداقية معقولة لكليهما وتتمثل تحديداً في في القوى الديمقراطية والوطنية والليبرالية ، وعلى وجه الخصوص اليسارية منها وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي ، وأحسبُ إن هذا الفصيل الوطني بما يزخر به من تراث وتاريخ مجيد منذ نشأته في الدفاع عن حقوق الشعب العراقي وحقوق الكُرد الوطنية معاً ، بما في ذلك الحق في الحُكم الذاتي أو تقرير المصير ، هو في طليعة القوى السياسية للعب هذا الدور في الوساطة والتهدئة ، لا سيما وأنه يكاد يكون الفصيل السياسي الوحيد الذي يمثل كل مُكونات النسيج الاجتماعي العراقي بمختلف تلاوينه وفي عدادها الكُرد على وجه الخصوص ، وهو الحزب الوحيد أيضاً الذي أمتزجت دماء مناضليه من شتى الانتماءات القومية والدينية مع دماء المناضلين الكُرد في قضيةٍ مشتركة واحدة من أجل نيل حقوقهم القومية المشروعة الكاملة ، وكذلك من أجل خلاص الشعب العراقي من الدكتاتوريات المتعاقبة وعلى الاخص دكتاتورية الرئيس الأخير المقبور صدّام حسين ، ولعل تجربة كفاح هذا الحزب من خلال حركة الأنصار في جبال ووديان التي أرتويت بدماء الكُرد والعرب معاً في الفترة بين أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الفائت خير برهان على ذلك . أضف إلى ذلك فإن الحزب الشيوعي اتصفت مواقفه منذ نشوء الأزمة بتبني لغة هادئة تتوخى أقصى درجات الحذر من صب الزيت على النار بين الطرفين الوطنيين وذلك على نحو ما تابعناه في مواقف وتصريحات قيادته وكتابات أعضائه وأنصاره ، ولعل آخرها الحوار المطوّل الذي أجرته صحيفة الميدان السودانية مع سكرتير اللجنة المركزية للحزب رائد فهمي ، وإلى جانب هذه الاعتبارت التي تؤهل الحزب للقيام بدور الاسعاف أو الحيلولة دون وقوع حريق لا يقي ولا يزر يُضاف إلى الحرائق المشتعلة في العراق والمنطقة وما أكثرها ، فإن الحزب يتمتع أيضاً بعلاقات صداقة أخوية ورفاقية نضالية متعددة الاشكال مع عدد من القوى والرموز والشخصيات السياسية النافذة في السلطة السياسية على كلا الجانبين ، وقد رفع مؤخراً مذكرة إلى خمسة من تلك الشخصيات من بينهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس الأقليم وإثنان من هؤلاء الخمسة ينتميان إلى كردستان ، وإن كان الحزب - في رأينا - قد تأخر طويلاً في هذه الخطوة ، لا سيما وقد تم صوغها بلغة موضوعية هادئة ودقيقة التشخيص للأوضاع التي تحيط بالأزمة ومسباباتها واستشراف آفاق حلها . ونرى إن قيام الحزب بهذا الدور المعوّل عليه في هذه اللحظات التاريخية الخطيرة الفاصلة هو من صلب مهامه النضالية الوطنية المقدسة وتندرج ضمن أولوياته التي يتوجب عليه أن يبادر إليها سريعاً ويناضل بقوة وبمختلف السُبل الممكنة لفرضها وبخاصة وأنه يتفرد بميزة ربما افتقرت إليها معظم او كل القوى السياسية ألا هي وجود رديف له على الجانب الكردي يتمثل في منظمته الاقليمية السابقة في اقليم كردستان ( الحزب الشيوعي الكُردي حالياً ) بما يمكنه من التعاون والتنسيق المشترك لتحقيق تكامل هذه المهمة على الوجه الأتم .

  كتب بتأريخ :  الأحد 24-09-2017     عدد القراء :  78       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced