العيّابون...
بقلم : د. لاهاي عبد الحسين
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

العيّابون من "العيب"، وهو كل ما لا يستحسن ويعاب عليه. الا أنّ للعيّابين معنىً سوسيولوجياً اجتماعياً يتعدى المعنى اللغوي المجرّد الملحق بالمفردة. إنهم أولئك الذين يعيبون على الآخرين شيئاً ما من سلوك أو مظهر أو خطاب أو منطق، سلاحهم النظر والمراقبة والرصد المستند إلى توقعات سلبية وتصورات معتلة مسبقاً. إنّهم رهط من الأشخاص الذين يمكن أنْ تتعثـر بهم في أي زمان ومكان ممن يستكثـرون في الغالب على غيرهم ما يبيحونه لأنفسهم. وهم يعيبون على غيرهم ما لا يعيبونه على أنفسهم وبخاصة اذا لم يكن هذا الـ "غير"، قريباً منهم على المستوى العائلي أو القرابي أو على مستوى المعارف.

العيّابون واسعو التخصّص والاهتمام فهم يتكلمون في الدين والسياسة والعلم والاقتصاد والمجتمع وقضايا الجندر ولكنّك لا تكاد تلتقط منهم سوى أنّهم لا يعرفون شيئاً والأنكى أنّهم لا يدركون ذلك. وهم يأتون من مختلف المستويات التعليمية، إذ يحمل بعضهم شهادات على مستوى البكالوريوس والماجستير بل وحتى الدكتوراه. يمثل العيّابون ظاهرة اجتماعية عراقية بامتياز، وهي امتداد لظاهرة جلوس النساء من ربات البيوت أو كبيرات السن على عتبات المنازل التي تضيق بهن أو الرجال الذين يؤمون المقاهي الشعبية على مستوى المحلة أو المنطقة فترات العصر بعد الظهيرة والتي تستضيف أشخاصاً يعرفون بعضهم البعض عن قرب مما يجعل الجديد والمختلف هدفاً للتندر والتصيد بغرض التعليق أو التقريع أو المناكدة. وهم من وجهة النظر العلمية أفراد يتسمون بمركزية ذاتية قوية تجعلهم يمارسون فعل إطلاق الأحكام على الآخرين برحابة صدر ودون تريث، لا يفرقون في ذلك بين ظرف أو زمان أو مكان إلا ظرفهم وزمانهم ومكانهم كونه مرجعيتهم الاجتماعية والثقافية العليا والنهائية.

وبسبب الطبيعة العشوائية والمتهورة عادةً لأمثال هؤلاء، فإنّهم ينزلقون بسهولة إلى الموازين الأخلاقية ليحكموا على موقف ما أو قضية على أنّها صحيحة أو جيدة أو على الضدّ سيئة وغير أخلاقية بحسب مقاييسهم الذاتية المحدودة دون تمحيص أو تأمل أو نظر. والعيّابون لا يعرفون الفرق بين أنْ تعبر عن وجهة نظرك وتحترم وسطك وتصون إسمك وبين أنْ تقول ما يخطر على بالك دون تفكر أو لحظة أناة. يظهر أمثال هؤلاء في كل مكان وزمان ولكنّهم يتكاثرون في بلدان تشيع فيها مشكلات البطالة المقنّعة وقلة الإنتاج وتنشغل بسبب من ذلك بالقيل والقال والتسكع الذي يعبر عن نفسه بصيغة إنتاجية متدنية جداً جداً كما يحصل لدينا في العراق. يغذّي نمط الحياة التقليدية التي تسير وفق روتين ثقيل ومرهق هذه الظاهرة. فالمشتغلون والمنتجون والمبدعون أينما كانوا وكيفما ظهروا ليس لديهم وقت ليكونوا عيّابين لأحد ولكنّ الفارغين والعاطلين عن العمل وإنْ كانوا يشغلون وظيفة ما لا يجدون ما يستخدمون به وقتهم سوى أنْ يحرقوا الفائض منه بسلوك من هذا النوع. لا يكتفي العيّابون بتضييع الوقت وقلة الإنتاج وإنّما ينهمكون كذلك في إشغال أقرانهم ونظرائهم ليصبحوا مثلهم لا ينتجون شيئاً بغية أنْ يبقوا في مصافهم.

يمتد أثر العيّابين إلى دوائر الدولة ومؤسساتها التي يكتظ بعضها بالمشتغلين الفائضين عن الحاجة ممن لا يفلحون أحياناً بالحصول على موطئ قدم بسبب نظام التعيينات العشوائية الرضائية لهذا الطرف أو ذاك ليظهر صدى حضورهم من خلال إعادة تدريب نظرائهم على التصرف بمثل ما يفعلون. وهنا فإنّهم يمثلون جمعاً واسعاً ومتنوعاً من البشر يعملون من حيث يدركون أو لايدركون على إعاقة الآخرين أو تعطيلهم أو شلّهم في أحسن الأحوال ليكونوا مثلهم أو أقل منهم. وغالباً ما يتباهى العيّابون بأنفسهم وأفكارهم ومعالجاتهم ليضعوها بصيغة "أنا مثلاً ... لو كان الأمر بيدي لفعلت كذا وكذا ... في عائلتي أو طائفتي أو منطقتي فإننّا نفعل هذا ونتصرف بحسب ذاك ... هذا ما يجب أنْ يكون ... ويتساءلون أحياناً بطريقة يستجدون فيها الموافقة والاتفاق، أليس كذلك! ...".

في الماضي لعب النظام الدكتاتوري الشمولي الصارم دوراً في كبح جماح العيّابين بالقوة أو التهديد والوعيد فكان أنْ تلافى هؤلاء الظهور المعلن والصادح أو أنّهم اختاروا التركيز على جوانب أخرى شخصية واجتماعية لا تهم النظام كثيراً ولا تقلقه. ولكنّ العيّابين يظهرون اليوم بقوة أكبر مستفيدين من المجال الواسع الذي تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي وزخم الحرية النسبية في المجتمع ليغردوا كما يشاءون وبلا ضابط وأحياناً كثيرة بلا رادع أخلاقي ليتلفظوا بما لا يليق أو ينبروا بما لا ينسجم والآداب العامة مسجلين الإساءة بحق فلان أو علان. ولا يفهم أمثال هؤلاء النقد الا باعتباره تهجماً وسيلاً من الشتائم والسباب غير المنضبطة أو أنّهم يستخدمون تعابير فجّة لا مكان للذوق أو الاحترام فيها.

يظن العيّابون أنّهم يمارسون النقد ويعبرون عن وجهات نظرهم دون إدراك أنّ مفهومهم للنقد يختلف عما هو متعارف عليه من حيث أنّ النقد يقوم أولاً وأساساً على الفهم والإحاطة بالموضوع محل الاهتمام. ويبدو أنّ جزءاً مهماً من الإشكالية في هذا المجال يرتبط بحقيقة أنّ كثيراً من هؤلاء لا يدركون أنّ وسائل التواصل الاجتماعي لا تختلف نوعياً عن وسائل التواصل والتفاعل على مستوى الحياة اليومية الواقعية باستثناء أنّها سميت افتراضية، افتراضاً. والافتراض هنا لا يعني أنّ الوجوه لا تتلاقى وبخاصة على مستوى البلد الواحد والزمن المنظور، حيث تصبح احتمالية اللقاء الواقعي وجهاً لوجه قائمة، وفي أيّ لحظة. من السهل أنْ تكون عيّاباً لتصف هذا بالسيئ وذاك بالمتخلف أو المتحامل وما إلى ذلك من أوصاف مجحفة لا تنّم عن التحسب وفق المقاييس الاجتماعية والأدبية العامة المقبولة. ولكن من الصعب أنْ تكون متكلماً أو كاتباً بصورة نقدية على نحو مسؤول وبالتالي متأملاً غير متسرع محافظاً على قدر من الكرامة الذاتية لنفسك أولاً ولمن تخاطب أو تتفاعل معه/ معها ثانياً.

لقد أرهق العيّابون وسائل التواصل الاجتماعي وتسبّبوا في قطيعة البعض لهم ووقفوا خلف إشاعة أجواء من التوتر والقلق وغياب الأمل للعديد من المتواصلين ممن تعبر مشاركاتهم عن روح المجتمع. ولا يكتفي العيّابون بشدّ الأوضاع ودفعها نحو مزيد من التوتر على المستوى الفردي فحسب بل قد ينتقلون بخفة إلى المستويين المجتمعي والجماعي. فقد زاد الطين بلّة أنْ تسابق العيّابون في ظروف استثنائية سياسية مهمة كما في الأزمة مع أقليم كردستان أو بشأن الموقف من القرار الأمريكي الجائر باتخاذ القدس عاصمة لدولة إسرائيل ليطلقوا العنان لمنشورات تلتقط من الحقيقة أقبح جوانبها وتترك القضايا الأساسية والروابط الأخلاقية والتاريخية والثقافية التي تربط الجماعات بعضها ببعض بلا تقليب أو إعادة نظر ليسهموا من حيث يدرون أو لا يدرون بإنعاش مشاعر الحقد والتعصب والكراهية التي تمثل بعضاً من الأمراض المزمنة في بنية الأمة والمجتمع. فلمصلحة من يساء إلى الكرد كجزء حيوي ومهم من بنية المجتمع العراقي على خلفية نزاع سياسي وكذلك الحال فيما يتعلق بالإساءة إلى الفلسطينيين كشعب.

لا شك أنّ الواقع مشبع بمبررات غير مشجعة بسبب انتشار الفساد حتى الشعيرات الدقيقة في البنية الاجتماعية وشيوع حالات الترهل السياسي وانعدام الحسم وتقوقع المتنفذين في مكاتبهم المغلقة والعزلة المتزايدة التي يستسلمون إليها يوماً بعد آخر، إلا أنّ معالجة الأوضاع الشاذة والناتئة تتطلب تحركاً بأدوات ونظرة واعية مختلفة. وهذه قضية يتحمل مسؤوليتها المثقفون من كل الصنوف كتّاباً كانوا أو صحافيين أو أكاديميين وفنانين وأدباء وناشطين في مختلف المجالات. فالتجرد والحيادية وإعطاء النموذج الذي يحتذى به فيما ينتج ويقدم وبخاصة على مستوى الحياة العامة، يعطي مثلاً طيباً ومهماً لممارسة التعليم بطريقة غير مباشرة للمساهمة في نشر قواعد وآداب السلوك الإنساني والاجتماعي القويم والمسؤول. يحصل العكس عندما يخلط المثقف من أي فئة جاء بين الجد والهزل ولا يرسم حدوداً بين الخاص والعام ويسهم بذلك بتغذية وتنامي سلوكيات من هذا النوع تخلق أعباءً إضافية وهموماً مستدامة لعلها المسؤولة عن انتشار نزعات التشاؤم والنزوع إلى الوحدة والتقوقع بعيداً عما صنعت الحياة الاجتماعية من أجله.

  كتب بتأريخ :  الأحد 10-12-2017     عدد القراء :  159       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced