حوارٌ في أروقة معرض "كل الأشياء جميلة"..ساطع هاشم: دائماً ما الجأ إلى الشعر لاختيار عناوين لوحاتي
نشر بواسطة: mod1
الأحد 07-05-2017
 
   
سناء الطالقاني - المدى

أقام الفنان التشكيلي العراقي ساطع هاشم، معرضاً في لندن بتاريخ (٢٧- شباط وحتى ٨ آذار – ٢٠١٧) وتم تمديده نظراً لإقبال الزائرين عليه، وأطلق على معرضه، عنواناً (كل الأشياء جميلة أو لا شيء غير جميل)، والفنان من مدينة ديالى/ بهرز غادر العراق وهو في سن التاسعة عشرة، وعاش في الجزائر، درس فيها الفن وسافر الى لينينغراد لدراسة فن الجداريات  في الثمانينات. أقام معارض شخصية عديدة، وشارك في معارض جماعية في العديد من دول العالم، وتقتني أعماله عدداً من المتاحف والمجموعات الدائمة والعامة.

* وحينما استوضحت منه مغزى هذه التسمية، وهل هي مستوحاة من فلسفة الفنان للجمال كون المتخيل أجمل أم أنه خيال واقعي مقنّن؟، أجاب:

- الجمال فلسفة الروح والعقل وقديماً، كان الفن احساساً فطرياً وسبق الحرف بفترة طويلة. هو المتخيل لاختيار فكرة تستقبل الجديد. بالنسبة للفنان هاشم ساطع، اللون يعني له كل شيء بدرجات متفاوتة مقرونة بتاريخه الممتد عبر الحضارات والموروث الشعبي، تكتسب معظم الأعمال الفنية البصرية سمة خاصة وهي عدم القدرة على وصفها بالكلمات، وانا أميل الى التفسير العلمي لهذه الظاهرة والتي تقول بأن جهار النطق لدى الانسان والموجود في الصدغ الأيسر لا يزيد عمره عن سبعين الف سنة، بينما جهاز البصر فعمره يمتد الى تلك الكائنات الحيّة التي ينحدر الانسان منها مع بقية اللبائن الأخرى والتي يزيد عمرها عن ٤٠٠ مليون سنة، معنى هذا أن جهار البصر معقد اكثر من جهاز النطق.

* أفهم من كلامك أن الفن في بدايته كان فطرياً منذ القدم، على سبيل المثال رسوم الكهوف في العصور السحيقة، وإن الرسم سبق الحرف بفترة طويلة جداً. فردَّ قائلاً:

- الكلمات شفرة أو دليل على الصورة الكبيرة. ولأكون اكثر وضوحاً، اقول أنَّ الكلمة تشبه بصمة الإبهام تدل على بصمة شخص معين، لكن هذه البصمة لا تقول عنه كيف يبدو هذا الشخص، أهو طويل أم قصير، جميل أم دمل وما شابه. لذا فعنوان المعرض مهما كانت شاعريته أو معناه الظاهري، فهو شفرة الى عالم أوسع اسمه الصورة الفنية لعالم الرسام وليس وصفاً دقيقاً لما ينتظر المشاهد / المتلقي هنا أحاول أن اشحذ خياله وليس تشتيت فكره.

* رؤيتك في الخطاب التشكيلي، فقد تراءى لي، أنك ملتزم كلياً لقيمة الفن الذي يحمل رسالة في الكشف عما يحيطنا سلباً وإيجاباً والملتزم برؤى وأفكار تحررية؟.

- نحن من عالم ومجتمعات تكره الصورة أصلاً، وهذه هي ثقافتنا التي ورثناها منذ دخول الاسلام قبل قرون، إذا ذهبنا الى أي جامع لا نرى صورة للرب، ولن نجد سيرة النبي والصحابة مصوّرة كما في العقيدة المسيحية، لكن نرى في جوامعنا الخط والزخارف وهذه الأشكال الفنية والهندسية والمجردة، هي التي تحكم سلوكنا البصري وتجربتنا مع الفنون البصرية، هذا الواقع بعد دخول الاستعمار وادخال بلداننا في العصر الصناعي والتكنولوجي ونظام التعليم الغربي في مجتمعاتنا، صارت عندنا فنوناً تشكيلية وعقائد ايدلوجية تعتمد على الصورة لنشر أفكارها وتخاطب جمهور المتعلمين، وبدأت الصور تدخل في منازلنا، ولم تترسخ بشكل عميق في الوعي واللاوعي، نظراً لحداثتها في تفكيرنا ومقاومة الأجيال القديمة والمحافظين لها، وزاد الطين بلة، سيطرة القوى الدينية منذ أربعة عشر عاماً، افقد الكثير من مقومات تقدم هذه الفنون، بل أن قسماً منها انهار أو تعثر، وفقد الفنان القدرة على المقاومة وتدفعه للانهيار السريع. نعود الى السؤال المطروح، إن المشهد التشكيلي اليوم في العراق بائس ولا يحمل الفنان اليوم هموماً وصلابة الجماعات الفنية العالمية الجادة.

* في هذا المعرض تنوّعت الألوان وازدهرت على قاعدة تنوع القضايا المطروحة وبشكل خاص عالم المرأة، هناك لوحة شمعة تحترق ولوحة عن عالم الطفولة.

أرى في لوحاتك / رسوماً لونية بلغة تعطي اللون وتركيباته وتدرجاته.. أردت فيها تسليط الضوء على خلفية فلسفتك للون لذا سألته:  تتميز في تناول اللون، تاريخ اللون وتدرجاته وانكساراته المتعددة هل تقصدت في ذلك اي تركيز مكثف للون وانحسار الخطوط باعتبار أن اللون لغة إدراكية بصرية؟

- اللون احساس يصلنا عن طريق اقدم الحواس وأكثرها فاعلية وهي البصر، وهو ليس شيئاً مادياً يمكن لمسه أو حفظه وتغيره وقت ما نشاء، وهذا ما جعل منه لغزاً محيراً للبشر وما زالوا يصيغون منه افكارهم المجرّدة ويحاولون دوماً تحميله أو شحنه بمفاهيمهم الدينية أو العقائدية المليئة بالألغاز أيضاً. لذا نقول أن اللون شيء غير محايد.لأنه ارتبط منذ طفولتنا بمفاهيم المجتمع وأحياناً، يحمل النقيضين في تفسيرين مختلفين تبعاً لتاريخ المجتمعات وسير تطورها وعمق الموروث الشعبي. على سبيل المثال كما توصلت في دراستي عن تاريخ الألوان عبر تاريخ الأديان، لماذا إننا دائماً نربط اللون الأسود بجميع الأشياء السيئة؟ ونحن نعرف مثلاً، أن الأديان الإبراهيمية الثلاث، تحتقر هذا اللون وقد جعلت منه لون الشياطين والابالسة وأهل جهنم، اذا لماذا تغطّى الكعبة بالأسود ؟ ولماذا يلبس رجال الدين السواد؟ هذا نموذج لبعض ما أحاول التوصل اليه نظرياً وعكسها لاحقاً بصرياً. حيث تبدو مشكلة العذاب البشري واضحة تماماً من خلال الأصباغ التي استعملها البشر في تلوين رفعتهم وانحطاطهم فاللون ادراك أو إعلان بارز في كل مجتمع وبيئة ثقافية واجتماعية وهذا شغلي الشاغل منذ اكثر من ثلاثين سنة.

* الرابط المشترك والموضوع الرئيس من زوايا مختلفة / الذي طغى على اغلب لوحاتك الموضوعة الشاخصة/ المرأة وعالمها، هناك لوحات تناولت المرأة مثلاً،  الطفلة الصغيرة ولوحة الارتجاف من خلال الأوراق، لوحة عبر الظل، اغنية ياسمين، فكر بي فكر بالضوء، إيفا، هل لأنها أسطورة الجمال والخصب الأسطورة الخالدة والآلهة  كما اعتقد اليونانيون أن الإله يجمع بين جماليات البشرية جمعاء، ماذا تعتقد في مفهوم الجمال وصيرورة المفاهيم عنها / الأنثى ؟

- المرأة كانت وما زالت وفي جميع فنون الشعوب تقريباً رمزاً إيجابياً، وفي حالات ليست قليلة رمزاً سلبياً، كما نعلم وهذا بسبب النظرة الدونية التي عوملت بها المرأة من خلال أدوات السلطات على مر الازمنة وسيطرة الذكورية. لكن هذا يختلف في الفن ففي الأزمنة القديمة صوّرت الأساطير وفيها المرأة الآلهة المعطاء كرمز أنثوي مثل آلهة الحب والخصب والضياء وجعلتها في حالة حرب مع الأشرار مثل آلهة العالم السفلي والشياطين، وعلى أساس هذه الثنائية صيغت بقية الأساطير التي تصور الصراع بين الشر والخير بدرجة أدنى أو اكثر تنوعاً وكل هذا توارثته الأجيال من صانعي الصور التي نقول عنهم في زماننا فنانين. لذا اعتقد طرح قضية المرأة وبأية صيغة أو صورة حديثة قد نستمد مصدرها الفكري من عالمنا الحالي واستنتاجاته العلمية يجعلنا نأمل بأننا ما زلنا بخير وهذا الأمل ما يدفعني الى تصوير المرأة بغزارة.

* كنّا قد تبادلنا علاقة الفن والشعر وكونهما يشتركان في قضيتين، الخيال ورسم الحرف وسحر الاكتشاف، ذكرت لي أنك غالباً بعد أن الانتهاء من قراءة قصيدة تحس بحاجة لنقلها نقل شحنات عاطفتك على الورق بهيئة لوحة وهناك لوحة اسمها / أرضي، تضمنت قصيدة للشاعر الراحل رشدي العامل، هل لأن الفن في كل تنوعاته قادر على إعادة الخلق بالتمازج؟

- أود التنبيه الى أنه ليست كل قصيدة يمكننا رسمها، مثلما لا يمكن تلحين كل قصيدة حتى لو كانت من الشعر الغنائي أو كتبت للغناء، انا مولع بالشعر وقراءته وغالباً ما أرسم لوحات أفهم ما أريد قوله وبألوانها وشخوصها، لكن أعجز عن إيجاد اسم أو عنوان مناسب لها. المواضيع تفرض مسمياتها كالحرب، ولكن غالباً ما ألجأ الى القصيدة لإنقاذي. الأشكال عملي والكلمات ليست عملي، وهذا ما ساعدني غالباً في فهم الصورة والتصور، ايّ الرؤيا الفنية للعالم المجازية التخيلية، وهذا ما يدفعني احياناً الى تضمين بعض اللوحات أبياتاً من القصيدة نفسها التي شحذت خيالي البصري فهو تأويلي الشخصي لما يطرحه النص الشعري بغض النظر عن قائله.

*تبقى هناك موضوعة واحدة وأخيرة، أحب التعرج إليها،  أنك تتميز بالتركيز على البورتريهات ذات عوالم متنوعة في الكشف عن عالمها الداخلي في مونولوج داخلي حاد. بتشكيل لوني مميز وأغلبها لوجوه أو ملمح لوجه هل دلائلها الذاكرة كشيء مقصود / الذاكرة كبعد رابع وكما نعرف أن الزمن هو البعد الرابع، هذه الفلسفة التي آمنت بها كون العالم له ابعاد اربع /العالم العلوي والعالم السفلي والذات بينهما ثم البعد الرابع الزمن وكأنك اختصرته إلى فلسفة الذات والزمن، هل تتفق معي؟

-البورتريه ليس من ثقافتنا المحلية فكما أشرت منذ دخول الاسلام الى مجتمعاتنا ولغاية الآن، هناك كراهية للبورتريهات. ما أرسمه من بورتريهات هو جزء من تيار الحداثة الذي هز العالم ومنذ قرنين من الزمان. هذا التركيز من قبلي له دلالة نفسية لديّ تعكس شحنات ومشاعر سايكلوجية لا استطيع التعبير عنها بالكلمات فعلى سبيل المثال، علاقة الوجه بمشكلة الوجود البشري كشخصية متغيرة في عالم لا يمكن التنبؤ بِه على الإطلاق، أو كيفية الموازنة بين الصورة المرسومة وعلاقتها ودرجة تأثرها بالمحيط أو الذكريات. غالباً ما نشعر بأن الذكريات هي فعلاً تابوت الأحياء كما يصفها الفرويديون. فهل وجوهنا هي توابيتنا التي نرفعها كل يوم مع ما ترفعه بلادنا يومياً من توابيت؟.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced