الإصلاح الثقافي... مفهوم إشكالي!*
نشر بواسطة: mod1
الثلاثاء 16-05-2017
 
   
فارس كمال نظمي

قبل أي حديث عن استراتيجية وطنية لإصلاح المؤسسات الثقافية في الدولة والمجتمع، يجدر التمييز أولاً بين المفهوم النمطي للثقافة وبين مفهومها الجدلي. فالثقافة نمطياً هي منتجات أدبية وفنية وعلمية وفلسفية، يمكن تحديدها بعناوين ونصوص وأسماء مؤلفين. أما الثقافة جدلياً فهي أنساق للتفكير الاجتماعي وتيارات فكرية رسالية تعيد إنتاج الحراك المجتمعي اليومي بصيغ أشد تجريداً وجمالية.

المشهد العراقي الثقافي اليوم لا يخرج عن الإطار النمطي التقليدي، أي إنه منتج للنصوص والكتب والمهرجانات السطحية فحسب، دون أي ملمح جدلي لجوهر الثقافة بوصفها أعلى مراحل الوجود البشري الإيجابي. وبتعبير أكثر تحديداً، العراق اليوم مليء بالمثقفين، لكنه خال إلى حد كبير من تيارات ثقافية-اجتماعية. العراق اليوم لا يزال يلد شعراء وروائيين ونقادا وفنانين وكتّابا وأكاديميين، لكنه عاجز عن ولادة حركات ثقافية واضحة الهوية تمارس فاعليتها في توجيه السياسة وإصلاح المجتمع.

هذه الإشكالية جوهرها سيكوسياسي، إذ ينجح المثقف العراقي في أن يمارس إنتاجه الفكري فردانياً، لكنه يفشل في أن يمدّ ذاته خارجه لينتج ثقافة جمعانية بالتوحد مع الآخرين. ويعزى هذا الفشل إلى جملة من الأسباب الذاتية والموضوعية المتفاعلة فيما بينها، منها إن الطابع النرجسي الانعزالي لشخصية المثقف العراقي قد تلاقح بعجزه الجمعي المُتَعَلَّم جراء استبداد السلطة وتغريبها له، ما أنتج مثقفاً "لفظياً" أكثر منه مثقفاً "سلوكياً". هذا الفشل في إنتاج ثقافة اجتماعوية ليس قديماً جداً إذ ابتدأ تحديداً مع حقبة صعود الاستبداد البعثي إلى السلطة أوائل سبعينات القرن الماضي، واستمر حتى اليوم بالتزامن مع انبثاق عصر الفساد الإسلاموي السياسي.

ولأجل كل ذلك اسمحوا لي أن أختلفَ مع الرؤية الواردة في ورقة الإصلاح الثقافي، إذ أعتقد أن مفهوم "الإصلاح الثقافي" في بلد ريعي الاقتصاد ومأزوم الهوية كالعراق، يجدر أن لا يُقصد به بذلَ جهود تعبوية وتخصيصات مالية ذات طابع كتلي ضمن سياق دولتي هش ينهشه الفساد والتصارع السياسي الإثني. فلا يوجد ضمان بأن دخول الدولة إلى فضاء المشاريع الثقافية الكبرى في هذه المرحلة عبر تمويلها وإعادة بناها التحتية، لن يجري تجييره لصالح هيمنة ثقافية ذات غايات ايديولوجية زائفة لإسعاف دعائم السلطة المنخورة. وهذا ما حدث بالضبط إبان الحقبة السابقة حينما جرى استثمار البنى الثقافية دولتياً لصالح شرعنة الاستبداد ومحاولة إعطائه بُعداً "جمالياً" و"أخلاقياً".

هذا لا يعني بالضرورة دعوة إلى مقاطعة المؤسسة الرسمية المعنية بالثقافة "أي وزارة الثقافة"، كما لا يعني العزوف عن محاولة دعمها بالموازنات المالية المناسبة، إذ يقع ذلك كله في إطار المساعي الضرورية والمشروعة لإعادة بناء مؤسسات الدولة المتضررة، لكنه لا يندرج ضمن مفهوم "الإصلاح الثقافي" بمعناه الجدلي الجذري، بل ضمن معناه النمطي الشكلي فحسب.

فالإصلاح الثقافي يُفترض أن ينصب أولاً على إعادة دمج المثقف - بوصفه منتجاً لوعي أرقى- في الفضاء العمومي للبلاد، ليستعيد دوره المنتظر في التأثير المباشر في المخيال الاجتماعي، فيصبح عندها قوة فاعلة للتغيير باتجاه التقدم الاجتماعي، حتى ضمن تجمعات محدودة العدد لكنها تمارس دوراً تيارياً في إعادة إنتاج الوعي الاجتماعي الذي طال تزييفه.

وهذا الدمج المرتقب هو مهمة سياسية بالدرجة الأولى - إذا منحنا مفهوم السياسة أفقاً تاريخانياً- يُنتظر أن تضطلع بها التيارات اليسارية - بالمعنى الواسع لمفهوم اليسار- عبر ثقفنة ممارساتها الاحتجاجية من جهة، وعبر إعادة هيكلة تنظيماتها على أساس استقطاب المثقفين ليمارسوا تخصصاتهم بوصفها عملاً سياسياً إصلاحياً لأيديولوجيا الدولة وثقافة المجتمع من جهة أخرى. فلو عدنا إلى العقود الأربعة التي أعقبت تأسيس الدولة العراقية 1921، لوجدنا أن المشهد الثقافي كان واضحاً في رسالته التحويلية للحياة الاجتماعية عبر إنتاجه أنماطا متنوعة من الخطاب الفكري الجمعاني، كان أبرزها الخطاب اليساري الذي نجح مرحلياً ونسبياً بمزج فكرتي الجمال والتغيير في معادلةٍ واحدة ألهمت جيلاً كاملاً من المثقفين والمتعلمين والكادحين دون دعم اقتصادي مؤثر من الدولة.

في كل عصور الظلام والرثاثة والاستئساد على العقل البشري، كان الإصلاح الثقافي عملية سوسيوثقافية تأسيسية، أنجزتها فئات تنويرية ظلت مكافحة لإعادة إنتاج التراتبات الاجتماعية وفق مخرجات أكثر عدالوية، عبر تقطير النتاج الثقافي إلى وعي مُعارض، أي إلى أداة للتغيير.

ـــــــــــــــــــ

* ألقيت في الجلسة الحوارية لمناقشة "ورقة الاصلاح الثقافي" التي اقامتها لجنة العمل الثقافي في الحزب الشيوعي العراقي على قاعة جمعية الثقافة للجميع بتاريخ 4 ايار الجاري.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced