المسرح وطن .. يوميات البروفة عند جواد الأسدي
نشر بواسطة: mod1
السبت 24-06-2017
 
   
أحمد شرجي - المدى

تبقى يوميات البروفة المسرحية وفية لسحرها الخاص، تلفها الكثير من السرية والخصوصية، لا نعرف تفاصيلها إلا من قبل صناعها. يكمن سحرها في سرانية بنائها. ولادة قيصرية لمشروع عمل مسرحي بعد مخاضات عديدة.

انشغل الكثير من المخرجين العالميين في مشروع تدوين يوميات البروفة، قرأنا يومياتهم، سيرهم الذاتية، مشاريع نظرياتهم الإخراجية. وشكلت كتابات المخرج والمنظر الروسي ( قسطنطين ستاتسلافسكي) مصدراً مهماً للأجيال المسرحية بأغلب دول العالم ، حتى أصبحت تنظيراته لفن الممثل، من خلال كتبه (حياتي في الفن بجزأيه الأول والثاني) درساً مهماً لفن التمثيل والممثل.

وهذا ما سار عليه المخرج الانكليزي (بيتر بروك) بكتابه (النقطة المتحولة: أربعون عاماً في اكتشاف المسرح). وهناك من تغزل بالبروفة مثل (انتاولي ايفروس) في كتابه المهم (البروفة حُبي)، حتى أصبحت يوميات اخراجاته منبعاً مهماً لقراءة العمل المسرحي خارج نطاق العرض، وإنما قراءة تفاصيل تشكل العمل المسرحي. دَون يوميات اشتغال الممثل داخل البروفة، همومه، ضعفه، قوته، حواراته مع الجمهور بعد العرض. بعدها كتب (المهنة مخرج) وكان بنفس اتجاه كتابه الأول .كتب البولندي (زيجموند هبنر) ( جماليات فن الإخراج)، وكيفية تأثيث فضاء العرض إخراجياً، تفكيك وتركيب المشهد بعد أن يمر بمراحل عديدة من الهدم والبناء، دوّن لنا سفر عروضه المسرحية وكل ما مايتعلق بتركيبها جمالياً.

لم تسعَ تلك الكتابات لتقديم سيرة شخصية حياتية كما هي في السير الذاتية ، بل سير أعمال مسرحية، مشاكل العمل الإخراجي والتمثيلي، اقتراحات التمثيل، الإخراج  والسينغرافيا، الهموم اليومية وتداعياتها على البروفة.  يتلهف القارئ لمعرفة  تفاصيل اللقاءات الأولى للبدء بالمشروع المسرحي،لأنها تتشكل داخل جدران البروفة وتظل حبيسة هناك. معرفة كل ذلك كفيل بإماطة اللثام عن دروس مهمة تكشفها عملية التدوين، وكأنك احد المشاركين بعمل مسرحي لبيتر بروك او هبنر، أو ايفروس وغيرهم من المبدعين الكبار. تدوين البروفة، تدوين عملية حفر الأساليب المسرحية للمخرجين والممثلين، فهي دروس بغاية الأهمية لك مختص للتعرف على آلية اشتغال المخرج والممثل في بناء العرض المسرحي؟

ينتمي  المخرج جواد الاسدي لهؤلاء الكبار في عملية تدوينه ليوميات البروفة، بدأت تجربته الكتابية في (المسرح والفلسطيني الذي فينا 1992 ، جماليات البروفة 2003 ،المسرح جنتي 2008)، تنفتح على تفاصيل تجربته المسرحية، يتداخل فيها الشخصي والمسرحي؛ شرع أبوابها أمام القارئ والمختص، وسار مشروعه التنظيري بجانب مشروعه الإخراجي، دون كسل أو ملل، ظل وفياً لانتماءاته المسرحية، بل الذوبان الكلي فيها. وهذا ديدن المخرجين الكبار ، لا يتنفس بعيداً عن الخشبة، ولا يفكر إلا بها ومن خلالها، كأيّ عاشق متيم بحبيبته.

كشف لنا سرانية البروفة في اشتغالاته الإخراجية (العائلة توت، ثورة الزنج، خيوط من فضة، رقصة العلم، الاغتصاب، تقاسيم على العنبر، الخادمتان، حديقة المنفى، انسوا هاملت، نساء في الحرب، مغامرة راس المملوك جابر، المجنزرة الأمريكية ماكبث، حمام بغدادي، وغيرها )، ففي كتابه ( المسرح والفلسطيني الذي فينا 1992) هي أولى تدويناته ليوميات البروفة؛ نتعرف على هموم المخرج، مرجعيته الفكرية، المواقف السياسية والاجتماعية التي يتبناها، والتي تفرض عملية اختيار النص، الممثلين، الإنتاج، غربة الأماكن وحميميتها.

التصاق الاسدي بالبروفة وروحانيتها وطهرانيتها، هو انتماء لقدسية المكان وكأنه محراب صلاة والبروفة ماء وضوءها.الانتماء للأشياء التي تدفئ المكان وتشحذ جذوة الإبداع.

ما قبل البروفة

يسرد لنا الاسدي يوميات الخطوة الاولى في مشروعه المسرحي، من خلال الاعمال التي قدمها للمسرح الفلسطيني. ينقل لنا فرحه الذي نقله للكاتب (سعد الله ونوس)، عندما عثر على نص (العائلة توت) للهنكاري (شتيفان اوركيني)، ومدى ملائمة وتقاطع النص مع القضية الفلسطينية، لأنه سيقدم لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية  كجهة انتاجية. لم يطلع المشاهد على هذه التفاصيل أثناء العرض، لأنها ما قبل البروفة كما يسميها الأسدي، ولا عملية اختيار الممثلين ، ولا المشاكل التي يعانيها الممثل (تيسير أدريس) مع شخصية ساعي البريد في (عائلة توت)، وجلوسه الدائم في الحمام، لأنه المكان الوحيد الذي يستطيع فيه التدريب على الشخصية. فكيف نتعرف على مشكلة  نطقية خطيرة تعانيها الممثلة (ندى حمصي)، لأنها تنطق (الصاد) (ثاء)؟ والمسرحية (خيوط من فضة) مليئة بمفردة (صبرا)، وكم يستغرق المخرج من الزمن لمعالجة هكذا معضلة؟ ولا نتعرف على لقاءاته الطويلة مع غسان مسعود و نضال سيجري، من اجل إنشاء علاقة انسانية وصداقة حياتية متينة قبل بدء البروفات.

ما قبل البروفة، السر الأول الذي يبحث عنه القارئ، تفاصيل يخطئ من يظن بأنها لا تخص أحداً، بل هي دروس معرفية مهمة لصناع الفعل المسرحي .الفنان ذاكرة تلتقط الجميل والجليل وتخزنه، وتخرجه عندما تحين لحظته، ذاكرة الاسدي تلتقط الممثلة (رندة اسمر) عام 1985 في بيروت وهي تتألق بمسرحية (صانع الاحلام) لـ (ريمون جبارة)، تخزنها الذاكرة بلهفة العشاق لتكون (سولانج) عام 1996 بجانب (كلير- جوليا نصار) و (رينيه ديك - السيدة)، ويقدمون معاً رائعة (جان جينيه) (الخادمتان). ولا تلتقط ذاكرته الممثلين فحسب، بل حتى الاغراض المهملة والاكسسوارات لتطويعها في عروضه المسرحية.

فقر الانتاج يدعو المبدع للابتكار ، كيف تصنع من اللاشيء ، شيئاً مهماً وخلاقاً، فالملابس المستعملة ستكون علامات دلالية مهمة في مسرحية المجنزرة ماكبث، وحقيقة الأمر جُمعت أغلبها من سوق (الملابس المستعملة)، شفرات وكودات حملتها اجساد الممثلين، من أجل أن يصرخ ماكبث:

يجب أن ندك المدينة دكاً

علينا أن نحرق تقاويمها وتقاسيمها.......

طاولة فندق الشام، طاولة ماكبث

يفصح لنا كتابه (جماليات البروفة) عن العلاقة بين الاشياء والاماكن، علاقة روحية، صداقة ، انتماء، وفاء، قدسيتها بإدامة العلاقة بها، طالما اصبحت جزءاً من المشروع برمته. عندما رفض (هشام حمادة) التمثيل بدون طاولة ماكبث التي ظلت غريبة في مطار تونس، ولم تغادر مع اصحابها الى المغرب، شعور بعدم الوفاء للعلاقة مع تلك الطاولة، هي طاولة تشبه الاخريات، لكنها جزء من تاريخ خبز البروفة، جزء من الاحتراق اللذيذ على الخشبة، جزء من شخوص العمل، بدون الطاولة ارتبك العرض في المغرب، فشاخت الطاولة من الانتظار بمطار تونس، وعند عودتهم  الى عمان حضروا احتضارها الأخير.

العلاقة نفسها نسجها الاسدي مع احدى طاولات فندق الشام، فلا يستطيع الكتابة إلا عليها، واذا كانت مشغولة من زائر آخر يعاتبها بخجل، فتحني رأسها، أصبحت مصدراً لتحليق خياله، فهي لا تشبه بقية الطاولات، فهناك علاقة انتماء روحاني للمكان، يفتح مغاليق الخيال ، يطلقه لعنان السماء ليحلق بعيداً عن الأماكن البليدة.

بروفات الطاولة

تمثل  هذه المرحلة عملية حفر لجوا نيات النص، علاماته اللغوية والبصرية، خطابه المعرفي والفكري، سلوك الشخصيات، ملابسها، حتى ألوانها ، فلابد من تناغمها بهارمونية مع الوان السينغرافيا. يضع الممثل أمام تصور كامل للشخصية/ الشخصيات ، يستفز مخيلته للتحليق عالياً ليستنجد بالإله للخلاص من كوابيس الشخصية وأجوائها. الممثل عند الاسدي ممثل مجنون؛ داخل وخارج البروفة، مفكر، خلاق، لا يعرف عقله وقلبه طريق للسكينة، يتوحد مع الشخصية يسحبها الى اليومي والمعاش من اجل محاكاتها، قبولها، رفضها، الدخول معها بجدلية حياتية معقدة. لهذا يتلألأ الممثل عند جواد الاسدي، لأنه يحترق يومياً بالتحضير للشخصية.

تركيب الشخصيات وانطلاقها في فضاء العرض، تشكلها وتوحدها الجنوني في شفرات وكودات مخيلة الاسدي، رافضاً اختراق الحدود التي رسمها، عندها  يصبح الممثل خائناً لرؤيته.

نتلمس طرائق اشتغالاته وحرفيته العالية لكل عناصر عرضه المسرحي. لا يعبأ بميزانسينات جاهزة، الميزانسين يشكله جسد الممثل وتوحده مع الشخصية والعرض.

في كتابه الثالث ( المسرح جنتي)، يشعل الاسدي حرائق الروح بشاعرية وشعرية عالية، يحول اليومي الآسن إلى شفرات جمالية تُحفر بالذاكرة، كما في مسرحية (نساء في الحرب). طريقه من عمان الى بغداد بعد السقوط المدوي للصنم في  نيسان 2003، يشهد حرائق وخراب البلد، فولدت نساء في الحرب وسط ضجيج الأصولية والانتهازية، حتى تحول البلد الى ساحة حرب مستمرة، هي اكبر من العرض، فالمجانين يحتمون بالأرصفة من الرصاص ، إذن ما فائدة عرض مسرحي وسط هذا الخراب؟ يتساءل الأسدي.

العاشق الذي كانت أمامه خيارات من الممثلين حتى قبل انتشار الفضائيات، لكنه يختار منهم الأكثر احتراقاً ولهفةً لساعات البروفات الطويلة، ها هو يشعر بالمرارة لعدم قدرته تأمين ممثلين لعرضه الجديد (حمام بغداد)، شوهتهم الشهرة ، رفضوا حميمية البروفة أم رفضتهم؟ ، تنكروا لعلاقة الوجد مع الطاولات التي تبكيهم. الممثلون كثر، لكن ممثل الاسدي، مجنون ، متوهج ولهذا كان فايز قزق (مجيد) ونضال سيجري (حميد) في حمامه البغدادي، انتماءهما مشترك ، وخاصة الهائل قزق، الذي تقاسم مع الاسدي معظم احتراقاته على الخشبة.

تبوح لنا اليوميات المسكوت عنها، من داخل البروفة، لتفاصيل نتوق لسماعها من مصادرها الحقيقية . فكيف نتعرف على تلك الأسرار دون تدوينها؟ وما يحسب للأسدي، استمراريته وجرأته بكتابة  كل تفاصيل العمل المسرحي، حتى علاقاته الشخصية دون محاباة لشخص أو مجاملات للآخر. طغى شعور جواد الشخصي، الانسان على يوميات (البروفة جنتي)، عندما أطلَّ على شوارع بغداد بعد غربة ثلاثين عاماً، لكنه حتى مع الشخصي ظل وفياً لاحتراق المسرحي فيه، لأنه كان المادة الأساس لـ (حمام بغدادي).

ما يعاب على يوميات الاسدي، عدم تدوينها زمنياً، لم تذيل زمنياً، بمعنى لم يكن هناك تسلسل زمني لليوميات، ولا تواريخ تقديم الأعمال، والمدة الزمنية التي استغرقتها البروفات، حتى يكتمل الدرس جيداً.  مثلاً تجربته مع المسرح الفلسطيني والتي تمتد من 1982 إلى 1992، لم يشر إليها الكتاب، لكن سيرته الذاتية. وفي (جماليات البروفة) و (البروفة جنتي) تداخلت اليوميات مع بعضها، حتى أصبح الحديث عن التجربة ، حديثاً عن تجارب عديدة.

لم يعق هذا فرادة وفردانية تجربة الأسدي المهمة في المسرح العربي، والتي تشكل استثناءً كبيراً، ومعلماً مسرحياً لتتبع تجربة مسرحية، لواحد من أهم المخرجين الطليعيين في الوطن العربي. تجربة عاشق يصرخ منذ أكثر من ثلاثين عاماً المسرح وطن.

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced