حــمَّى الأدب.. والعـــلاج المزيـــد منــــه!
نشر بواسطة: iwladmins
السبت 11-11-2017
 
   
ترجمة: عادل العامل - المدى

قريباً من نهاية (قصة موتٍ معلَن) للروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، يقول الكاتب الأميركي ستيفن آكَي في مقاله هذا، يُرسَل قاضٍ متخرج حديثاً إلى بلدة كولومبية صغيرة ليحقق في ظروف اغتيال بطل الرواية، سانتياغو نصّار. وبعد 25 سنة من الاغتيال، يسافر الراوي إلى قصر العدل في رايوهتشا ليفحص تقرير القاضي. ومع أنه لم يستطع أن يجد اسم القاضي على الأوراق المتبقية، " فمن الواضح أنه كان رجلاً مشتعلاً بحمى الأدب. فقد قرأ أعمالاً كلاسيكية أسبانية ولاتينية، وكان عارفاً بنيتشه، المؤلف الحديث الطراز بين قضاة عصره ... وكان متحيراً من اللغز الذي أصابه به القدر، بحيث أنه ظل يتهاوى في التسليات الغنائية التي جرت نقيضاً لصرامة مهنته."

وفي العقود التي أعقبت قراءتي لرواية (قصة موت معلن)، غالباً ما تذكرت القاضي المجهول الاسم، لسبب بسيط وشديد الوطأة: أنه يذكّرني بنفسي. فقد كانت مسؤولياتي المهنية كأمين مكتبة لوقتٍ طويل تميل لأمورٍ مثل الإجابة على أسئلة مرجعية وتعريف الزبائن بالطريق إلى الحمّام. وما كنت أشاطر القاضي به هو "حمّى الأدب"، واختيار مهنة على اختلاف مع أية أحلام أدبية قد تخطر لنا.

ولو اكتشفتَ وأنت صغير السن أنك مبارك، أو ملعون، بحمّى الأدب، فيمكنك أن تقرر أن تُصبح كاتباً عظيماً وتؤلّف كتباً عظيمة، مثل غابرييل غارسيا ماركيز، أو أن تكون، في واقعية أكثر، أمين مكتبة، مثلي. وكنتُ سأفضّل كثيراً الخيار الأول، لكني لافتقاري إلى موهبة أن أصبح الرد الأميركي الشمالي على الفائز الكولومبي بجائزة نوبل أو حتى شاعراً متوسط الحال ( وقد حاولتُ)، فإني اخترتُ أن أكون أمين مكتبة لعدم وجود أحد يرغب في ذلك. ومع أن من الواجب علي، واحسرتاه، العمل لتأمين متطلبات عيشي، يمكنني أيضاً أن أقرأ وأعيد قراءة المؤلفين المفضلين لديّ من دون الاهتمام أكثر من اللازم بما إذا كانوا: بيضاً، ذكوراً، أسوياء جنسياً، أو موتى!

وهكذا، فما الذي تفعله حين تُصاب بالحمّى وتعمل في مجال لا علاقة له بحبك لفريدريك نيتشه وأيميلي ديكينسون؟ بطبيعة الحال، تقضي ساعات فراغك في قراءة الكتب والتحدث عنها مع آخرين يشاطرونك الحمّى، وأنا منهم. وكنت في الكلية أتصور مستقبلي مكرساً نفسي للكتب، أو " حياة العقل" كما كنت أتخيل بأسلوب جزِل. غير أن الأمور مضت بي في طريق آخر. وخلال دراستي في نيويورك، أدركت أنني لا يمكن أن أغادر ذلك المجال. فالأفلام، المسرحيات، المتاحف، الحفلات الموسيقية، حياة الشوارع، الناس الأكثر أهميةً مني ــ كل هذا، لدهشتي، بدا لي وكأنه البيت الذي لم أدرك أني كنت أفتقده. كانت مشكلتي أنه كان لدي وقت للقراءة أقل مما افترضت أن يكون نصيبي منه.

ومن الناحية الأخرى، لم أقترب كثيراُ من قراءة مؤلفين بارزين عديدين كنت أتخيل فيما مضى بإعجاب أن أعمالهم الكاملة ستكون عند متناول أصابعي. كانت في ذهني قصة حول المكتبي الخرافي الأرجنتيني خورخ لويس بورخيس، الذي طُلب منه يوماً في مقابلة أن يغامر برأيٍ حول غوستاف موهلر Mahler (الموسيقار النمساوي الشهير). فكان رده لاذعاً: "مَن موهلر؟" .. يا للإلهام! لقد كان ميدان بورخيس الكلمة المكتوبة، وقد وافقت لامبالاته المرحة نحو الفنون الأخرى هوَسي الأحادي الأدبي. وعلى كل حال، فإني قرأتُ تلك المقابلة مع بورخيس وأنا طالب في الجامعة ولم يكن هناك الكثير مما أفعل عدا أن أقرأ ــ غير التجول في فترات معينة في الغابات.

لقد تحدثتُ عن الهوى نحو الأدب مقابل الهوى نحو الفنون وكأنهما في معزل عن بعض، وهما ليسا كذلك، كما هو واضح. فأنتَ يمكنك الانغمار في الاهتمام بكل الفنون وأنت تقرأ بعمق وتقصٍّ في آداب ثقافات وأزمان متباينة ــ إن كنتَ بحالة فوق طبيعية من الطاقة، والذكاء، وقوى الاستبقاء -. بتعبير آخر: ليس أنا. فأنا مجرد رجل اعتيادي لديه من الحماسات الكثيرة ما لا يمكنه أن يفيها حقها. لهذا كان عليّ إتخاذ بعض الخيارات. وسيكون الأدب دائماً حبي الأعمق، ليس فقط لأنه أول ما حدث لي بل لأن وسيلته ــ اللغة ــ هي الوحيدة من بين جميع الفنون التي كان لي نصيب فيها على الإطلاق. وكذلك لإن فعل الكلام ذاته فعل أدبي. وقد تعتقد عندئذٍ بأن معرفتي في الأدب تعادل هواي نحوه. بينما هي لا تقاربه حتى ــ لأني لو كنت قد ألزمت نفسي بفهم شامل بالتقاليد الأدبية المتعددة، لكنتُ قد ضحيتُ بانصرافي للفنون الأخرى التي لا تقل أولويةً وتعبيريةً عن الفكر والتجربة الإنسانية كلها.

هكذا: لم أعد أقرأ خمس ساعاتٍ يومياً. وتخليت عن بذل الجهد لتقييم موسيقى الجاز الطليعية. وأتجنب الصالات التي يصد فيها الفن السياسي المفاهيمي أي التزام يمكن أن أحشده. وما يزال عالم هذه الفنون يؤثر بي، ويُمتعني. لكني اليوم أمضي إلى الفنون من أجل الشعور، الإحساس بأن الحياة تجري هناك أو في الأقل تنكسر، (كما ينكسر الضوء)، بطريقة توسِّع بها إدراكاتي، وتركّز وعيي، تصلني بالآخرين المتأثرين على النحو ذاته. فإن كانت لديك، بطبيعة الحال، أفكار في المكان الأول أو كانت في حيازة "عقل معقد"، فإن أحاسيسك ستكون تلك الأحاسيس الأغنى كثيراً، ويقوم قدر معين من التحليل والتدقيق بتكثيف أي خبرة ثقافية جديرة بالامتلاك.

وفي رواية أخرى لغارسيا ماركيز، (حب في زمن الكوليرا)، يعلّق الراوي على "الواقعية المعبّأة بالتأثير" لصورة شخصية لبطل الرواية، الطبيب البارز الدكتور جوفينال أوربينو. فقد احتشدت المدينة كلها لترى إزاحة الستار عن الصورة، لكنها "أُنزلت بعد سنوات كثيرة من قِبل طلاب الفن الذين أحرقوها في ساحة الجامعة باعتبارها رمزاً لجماليات ولعصرٍ يحتقرونهما." ولو عشتَ طويلاً، فإنك قد تجد أن الجماليات التي بلغتَ سن الرشد فيها صارت تُزدرى أيضاً. وأفكاري بشأن الفن والمسؤولية الاجتماعية عتيقة الموضة على نحوٍ مضحك تقريباً. والموضات تأتي وتروح. وما يبقى هو التجربة الأولية للثقافة ــ جمالها، غناها، غرابتها، قدرتها على تحويل الحياة العادية كحياتي، على سبيل المثال.

 عن: TSS

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الخميس 10-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة "سلام عليكم "
الثلاثاء 25-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced