السؤال: "من نحن؟" ليس سؤالًا طوباويا، بل هو سؤال موجه للدولة: من يملك قرارها؟ من يشترك في مشروعها؟ ومن تُعبّر عنه هويتها الوطنية؟
هذا السؤال يُطرح كل يوم في العراق، ليس فقط عبر الخطابات، بل في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس غياب "نحن" وطنية جامعة، وضعف القدرة على صياغة سردية عراقية تتجاوز المكونات والمناطق والولاءات.
العراق بعد 2003: ذاكرة متنازعة ودولة بلا مشروع، ولم يولد نظام جديد بالمعنى الوطني، بل بُنيت منظومة محاصصة عززت الولاءات الفرعية على حساب المشروع الوطني، وجاء اقتصاد ريعي هش ليزيد من الأزمة، أزمة شعب يعيش على النفط، مقابل طبقة سياسية تتقاسم هذا الريع وفق ميزان الطوائف والمناطق، لا وفق الكفاءات أو المصلحة العامة.
في استطلاع رأي أجراه المعهد الوطني الديمقراطي (NDI) عام 2022، عبّر أكثر من 60٪ من الشباب العراقي عن شعورهم بالانتماء لمجتمعاتهم المحلية أكثر من شعورهم بالانتماء للوطن العراقي، ما يعكس حالة التفكك التي يُترجمها الواقع السياسي والاجتماعي يوميًا.
هناك تجارب عالمية أعادت تعريف "نحن": من رواندا إلى ألمانيا، لكن العراق ليس وحده من مرّ بهذه التجربة، هناك دول خرجت من أزمات أشد قسوة - من إبادة جماعية، إلى إحتلال، إلى عنصرية مؤسسية – لكنها استطاعت أن تبحث عن جواب للسؤال "من نحن؟" وتنتقل به من الانقسام إلى الوحدة، ومن الذاكرة الجريحة إلى مشروع المستقبل، ومن أمثلة ذلك:
رواندا: بعد المجازر المروعة الشهيرة بين قبيلتي الهوتو والتوتسي عام 1994، قررت الدولة أن تلغي التصنيفات العرقية من الخطاب الرسمي، واستثمرت في العدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية لبناء "نحن" جديدة، قوامها المواطنة والمساواة في الفرص.
جنوب أفريقيا: لم تبدأ من نقطة الصفر، بل من قاع السياسات العنصرية التي مزقت بلدا بأكمله طوال 46 عاما، لكنها انتقلت نحو مصالحة وطنية قادها نيلسون مانديلا عبر سردية رمزية جمعت الأغلبية السوداء بالبيض في إطار "أمة قوس قزح"، وكما كتب بنديكت أندرسون في كتابه "الجماعات المتخيّلة": الأمة ليست كيانًا عضويًا، بل رواية متفق عليها، قابلة للتجديد أو التفكك حسب من يحكيها .
ألمانيا الغربية: بعد هزيمتها المدوية في الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار كامل وشامل، ولم يبق فيها حجرا على حجر، أُجبرت على إعادة تعريف نفسها، رافضة النازية وويلاتها، لتندمج في أوروبا شبه موحدة، واعتمدت نموذج الاقتصاد الاجتماعي كأساس لتشكيل هوية وطنية جديدة قائمة على العمل والمواطنة والانفتاح.
إندونيسيا وماليزيا: الأولى واجهت التعددية العرقية بالتوازنات الدستورية وشعار "الوحدة في التنوع"، بينما بنت ماليزيا هويتها من خلال تقاسم الفرص الاقتصادية وشراكة تدريجية بين المكونات الإثنية.
بين علي الوردي ومنقذ داغر: الشخصية العراقية في مرآة التحليل الاجتماعي
أما العراق، فما يزال يراوح مكانه، ليس لأنه يفتقر إلى الذاكرة أو الكفاءات أو الموارد، بل لأنه لا يملك حتى الآن مشروعًا صادقًا لإعادة تعريف الـ "نحن" العراقية، فالمحاصصة لم تُنتج إلا الانقسام، والاقتصاد لم يوزع إلا الريع، والسياسة لم تخترع سوى التبعية، وكما يقول فالح عبد الجبار في تحليله للعراق بعد 2003: لقد وُلد النظام الجديد بذاكرة متنازعة لا ذاكرة وطنية موحدة، ولهذا بَنَى دولة بلا أمة!
ولكن، لا يمكن فهم غياب الـ "نحن" العراقية اليوم دون الرجوع إلى جذور أعمق في تكوين الشخصية الثقافية، وقد تحدث علي الوردي، في كتابه شخصية الفرد العراقي، عن "ازدواجية متغلغلة في أعماق النفس العراقية، ناتجة عن صراع تاريخي بين قيم البداوة والحضارة، الازدواج فينا مركّز ومتغلغل في أعماق نفوسنا" تلك الشخصية المتذبذبة بين التقاليد والحداثة، وبين الجماعة والفرد، وبين القبول والرفض، ظلت عاجزة عن إنتاج "نحن" مستقرة.
أما منقذ داغر، فقد قدّم قراءة مغايرة، معتبرًا أن ما نراه ازدواجية أنما هو في حقيقته "ثقافة التصلب": تمسّك مفرط بالعادات، وانغلاق على الذات، ومقاومة عميقة للتغيير، لا سيما فيما يتعلق بالمساواة، والمشاركة، والانفتاح على الآخر، يرى داغر أن هذا التصلب ليس نتيجةً فقط للصدمات السياسية، بل هو أيضًا أحد الأسباب المُمِهدة للفشل في بناء عقد اجتماعي جديد، من مشروع الدولة إلى مشروع الإنسان.
بين الوردي وداغر، وبين الماضي والمستقبل
يظل سؤال "من نحن؟" ليس فقط مشروع دولة، بل مشروع إنسان، مشروع يتطلب موازنة دقيقة بين الأصالة والتجديد، بين التنوع والانتماء، بين الذاكرة والعمل، وهذا التوازن لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية داخل المدرسة والإعلام والسياسة والاقتصاد "نحن" لا تُفرض بل تُبنى، الحل لا يكمن في فرض هوية قسرية أو إقصاء مكونات، بل في بناء مشروع اقتصادي، سياسي، ثقافي، يجمع الناس في سردية مشتركة، تُبنى على أساس العدالة والمواطنة وتوزيع الكرامة، لا فقط الثروة، فالدولة الوطنية ليست هي التي تتنكر للتعدد، بل التي تنجح في تنظيمه ضمن ولاء أعلى وأشمل، من هنا، فإن إعادة بناء "نحن" العراقية لا يمكن أن تكون مهمة الحكومة وحدها، بل هي مشروعًا مجتمعيًا شاملًا يبدأ بإطلاق ميثاق وطني جديد، قائم على:
- الاعتراف بالتعدد كعنصر ثراء لا تهديد.
- ربط المواطنة بالحقوق والواجبات لا بالانتماء الطائفي أو القومي.
- إطلاق نموذج اقتصادي إنتاجي عادل يُشعر المواطن بأن الدولة تعنيه فعلًا، لا تُديره باسمه فقط، فالدول لا تنهض بالشعارات، بل بالاعتراف بالاختلاف ودمجه في وحدة واقعية، فـ " نحن" لا تُفرض… بل تُبنى، بين الرؤية والتطبيق، تحديات وخطوات على الطريق، وإدراك الهوية المشتركة لا يكفي، فبين الحلم والواقع تقف جملة من التحديات، أبرزها:
- مقاومة النخب المستفيدة من المحاصصة.
- هشاشة الثقة المجتمعية.
- غياب أدوات تنفيذ محايدة وفعّالة.
- دور التدخلات الإقليمية في إعادة إنتاج الانقسام، لكن يمكن كسر الجمود من خلال خطوات عملية أولية، منها:
- إطلاق حوار وطني مستقل يُشرك الفئات غير الممثلة تقليديًا، خاصة الشباب والنساء.
- إصدار قانون مدني شامل للمواطنة المتساوية.
- إصلاح النظام التعليمي والإعلامي لإنتاج سردية وطنية جامعة.
- ربط أداء الحكومة بمعايير العدالة وتكافؤ الفرص، لا مجرد الكفاءة التقنية.
هكذا تنتقل "نحن" من كونها فكرة مؤجلة، إلى ممارسة يومية تصنع مستقبل الدولة والمجتمع معًا.