- يقرع "راي داليو" جرس الإنذار في كتابه الجديد، "كيف تُفلِسُ الأمم" *، بالتأكيد على أن ما يعيشهُ اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ليس هزة عابرة، بل هو المرحلة الأخيرة من "دورة اقتصادية" طالما أسقطت أممًا عظمى من قبل.. والأسوأ من ذلك، أن القادم قد يكون أشد قتامة.
تشخيص الأزمة: كيف تعمل آلة الديون العملاقة؟
يكشف تحليل "داليو" عن الآلية الخفية التي تدير هذا الانهيار:
- مع تضخم ديون الحكومة إلى مستويات فلكية، تضطر البنوك المركزية إلى طباعة المزيد من النقود لتغطية العجز.
- تؤجِّج هذه السياسة نيران التضخم، وتخلق حلقة جهنّمية مفرغة: فكلما تمَّ رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، أصبحت قروض الإسكان أكثر تكلفة على المواطنين، وفي الوقت ذاته، يتآكل الدولار وتتبخر معهُ المُدّخرات.
- إنها ليست مجرد قضية اقتصادية، بل وصفة مُجرّبَة للاضطرابات الاجتماعية والتغييرات السياسية الجذرية.
نذُر العاصفة: لماذا لم نرَ الأسوأ بعد؟
- تُظهر أبحاث "داليو" أن المرحلة الحالية هي مرحلة تتّسم بديون لا يمكن تحمّلها، وتدهور في مستويات المعيشة، وتبخُّر بطيء للطبقة الوسطى.
- علامات الإنذار واضحة كالشمس: تراجع صارخ في ملكية المنازل، وارتفاع جنوني في الإيجارات، وشعور متزايد باليأس يُخيّم على الأجيال الشابة.
- اللحظة الأكثر خطورة لم تأتِ بعد.. فعندما تصل الحكومة إلى مرحلةٍ تقترِضُ فيها المال لمجرد دفع فوائد ديونها المتراكمة، وعندما يتضاءل الطلب العالمي على شراء الديون، لن يتبقّى سوى خيار واحد:
تشغيل مطابع النقود بلا توقف، مما يفتح أبواب الجحيم على مصراعيها أمام تضخُّم مفرط وانهيار في قيمة العملة.
- هذا ليس سرًا، فالكثيرونَ يشعرون بذلك في تراجع القوة الشرائيّة لرواتبهم، وارتفاع فواتير البقالة، وعجزهم عن شراء منزل.. لكن نادرًا ما تتم مناقشة هذه المؤشّرات بصراحة من قبل المُمسِكينَ بالسُلطةِ الآن، ربما لأن الحلول تتطلب خيارات صعبة ومُحاسَبة على عقود من سوء الإدارة المالية.
ماذا عن الديون "الهائلة" في الاقتصاد العراقي؟
إذا كان "داليو" يتحدث في كتابه هذا عن اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية (وهو أكبر اقتصاد في العالم) فبإمكانكَ أن تتصوّر ما يمكن أن تفعلهُ الديون الضخمة في اقتصادات "ميكروسكوبيّة" كاقتصاد العراق، الذي يعتمد بشكل شبه مطلق على "ريع" عائدات الصادرات النفطية.. وما هي النتائج الكارثية التي ستترتّب على ضخامة حجم الدين (وبالذات الداخلي منه)، على أغلب العراقيين، الذين يعيش 20% منهم دون خط الفقر الوطني(خطّ الدخل)، و 10.8% منهم يعانون من الحرمان(على وفق دليل الفقر متعدد الأبعاد لعام 2024، الذي يشمل إضافة للدخل-مستوى المعيشة-مؤشرات أخرى منها على وجه الخصوص الحرمان في مجالات التعليم والصحة والسكن والأمن، والوصول إلى الخدمات الرقمية).
وممّا يأتي يمكنكَ تصوّر حجم الكارثة (التي تتغاضى الحكومات العراقية عن آثارها الكارثيّة) على الناس والاقتصاد:
- إنّ الدين الداخلي حاليا هو الأعلى في تاريخ المالية العامة في العراق.. إذ سجل الدين الداخلي للعراق ارتفاعا كبيرا خلال السنتين الماضيتين، حيث ارتفع من 70.575 ترليون دينار في نهاية عام 2023 الى 83 ترليون دينار في نهاية عام 2024 ثم ارتفع في نهاية النصف الأول من عام 2025 الى 92.2 ترليون دينار، منها 47% خصم حوالات لدى البنك المركزي العراقي.
-ارتفاع أعباء أقساط خدمة الدين الداخلي الذي بلغ 9.342 ترليون دينار عام 2024 ممّا يؤثر سلبياً على مستوى معيشة المواطنين، خاصّةً إذا ما صاحب ذلك نقص في السيولة المتاحة للحكومة، والتي ستدفعها حتماً إلى تخفيض الإنفاق الاجتماعي الضروري لتخفيض معدلات البطالة والفقر.