ج- 3
التحفظات العراقية على بعض مواد اتفاقية "سيداو"، أو أي اتفاقية تعاهدية أخرى، هي حق مشروع لأية دولة عضو، حسب المادة- 19 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969. فهذه المادة تجيز للدول الأعضاء التحفظ على بعض فقرات الاتفاقيات التعاهدية الدولية التي يرونها متعارضة مع القوانين الوطنية أو مع التقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية. ولكن الفقرة-ج من تلك المادة تشترط ألا يتعارض التحفظ مع الغرض الأساسي للاتفاقية، لأن الحاجة تنتفي لعضوية الاتفاقية أصلاً، في حال تسجيل الاعتراض على غرضها الأساسي.
وهنا فإن التحفظ العراقي على المادة-16 من اتفاقية "سيدوا" برمتها يعتبر مثيراً للجدل، لأن هناك من يفسره على أنه يتعارض مع روح الاتفاقية. فالهدف من المادة-16 هو ضمان المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في العلاقات الأسرية، كالزواج والطلاق ورعاية الأطفال والملكية وغيرها، وتهدف للقضاء على الأعراف التقليدية أو القانونية التي تتضمن تمييزاً يحدّ من حقوق المرأة.
أما التحفظات العراقية على الفقرتين (1) و (2) من المادة-9، التي كانت تشير الى اعتبارات الشريعة الإسلامية والثقافة الاجتماعية السائدة في العراق، وعدم توافق مضمون الفقرتين مع التشريعات الوطنية آنذاك، فقد كانت تخفي موقفاً سياسياً وإيديولوجياً قائماً على الشك بالأجانب آنذاك. ويتذكر من هم من جيلنا، أنه في ذروة الصعود الاستبدادي لنظام الحكم في السبعينات من القرن الماضي، أعلنت حكومة البعث اجراءات استقطاب الكفاءات العراقية العاملة في الخارج وإغرائها بالعودة إلى العراق، بمنح مالية وسيارات فارهة وتعيينات في وظائف عالية، لكنها اشترطت على العائدين المتزوجين بالأجنبيات طلاق زوجاتهم وتفكيك علاقاتهم الأسرية.
هذا الى جانب قرارات اسقاط الجنسية العراقية في أوائل الثمانينات عن مئات الآلاف من العراقيين بتهمة التبعية الإيرانية الزائفة التي راح ضحيتها العراقيون الفيليون. مما يؤكد بأن قضايا الجنسية حينها كانت حساسة في توجهات الحكم، ولم تكن لدى الحكومة رغبة في أي التزام دولي يحد من سيطرتها المطلقة على أمر الجنسية، واستخداماته السياسية. بل ان العراقيين جميعاً كانوا مطالبين أيضاً باستخراج "شهادة جنسية" الى جانب جنسياتهم الأصيلة، لإثبات عراقيتهم. وفي "شهادة الجنسية" تلك جرى تلاعب إجرامي اضافي في انتماءات المواطنين عن طريق تقسيم الشهادة الى فئات تمييزية استخدمت للتلاعب بمصالح الناس والحط من كراماتهم. ومن هنا لم يكن قانون الجنسية الساري المفعول في عام 1986 يسمح بمنح المرأة حقوقًا متساوية مع الرجل في اكتساب الجنسية أو الاحتفاظ بها أو تغييرها، بسبب الزواج من أجنبي أو بتغيير جنسية زوجها. وهو لم يشجع زواج العراقيين من أجانب بالأساس.
لكن القانون العراقي النافذ حالياً قد تجاوز تلك التحفظات لصالح المرأة، وبما يتوافق مع مضمون المادة التاسعة الواردة اتفاقية "سيداو". فالمادة – 18 ثانياً من الدستور العراقي التي تنص على: "يُعدّ عراقيًا كل من ولد لأب عراقي أو لأم عراقية" منحت المرأة نفس حقوق الرجل في منح جنسيتها للأطفال. وعندما أصدر قانون الجنسية العراقية لسنة 2006 ثبّت حق المرأة في الاحتفاظ بجنسيتها عند زواجها من أجنبي، وحقها في نقل جنسيتها للأطفال. هذا فضلاً عن صلاحية وزير الداخلية العراقي في منح الجنسية العراقية للطفل المولود خارج العراق من أم عراقية وأب غير عراقي، إذا اختار ذلك خلال سنة من بلوغه سن الرشد (18 سنة)، مع مراعاة بعض الشروط مثل الإقامة في العراق.
واضح أن الدستور العراقي الحالي (2005) وقانون الجنسية (2006) النافذ يتوافقان تماماً مع المادة-9 من اتفاقية "سيداو". ولا يوجد من يطعن أو يشكك بأن ما ورد في هاتين الوثيقتين الهامتين ما يعارض مبادئ الشريعة، أو يخل بالأعراف الثقافية والاجتماعية والدينية للمجتمع. وبذلك لا يوجد مبرر لبقاء التحفظ العراقي على تلك المادة، بل المطلوب أن يكتب العراق الى الأمين العام للأمم المتحدة لسحب ذلك التحفظ حول المادة التاسعة من الاتفاقية. فالدستور العراقي في المادة-8 يؤكد على احترام العراق لالتزاماته الدولية، وهذا أمر هام جداً مقارنة بالتنصل عن الالتزامات الدولية التي لا تخدم أي غرض سوى الانكفاء والعزلة عن المحيط الدولي.
بخصوص المادة-2 بفقرتيها (و) و (ز)، فإن تحفظ الحكومة العراقية على مضمونها يثير التساؤل. فمن جانب هناك قبول ضمني من الحكومة بوجود تمييز ضد المرأة سببه عادات وتقاليد ثقافية واجتماعية ودينية متوارثة، ولا تودّ الحكومة الدخول في "مواجهة" معها استجابة لتلك الفقرة في الاتفاقية. ولا يجد المنصف ضرراً في محاولة رفع التمييز عن المرأة بصورة تدريجية بعيدة عن التعسف أو الاستهانة بتقاليد المجتمع. فتطوير القاعدة القانونية وخلق شروط تسمح بإزالة الحيف عن المرأة، يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي القائم على العدالة، دون الأخلال بقيم الشريعة أو الأعراف.
فكما هو معروف هناك اختلافات اجتماعية ملموسة بين المدينة والريف، ولا شك في أن تأثير التقاليد القبلية والعصبية تقل أو تزداد شدة حسب الموقع الجغرافي. وأن هناك جغرافية ومساحات لا تتأثر بصورة مباشرة بالقوانين، أي أن العرف الاجتماعي هو السائد. وهنا فإن القانون يغض النظر بسبب العجز عن تطبيقه، وليس بسبب خطأ فيه. وهذا الحال المستعصي لا يستدعي الغاء القانون بل على العكس فإن وجود القانون الذي يعارض التقاليد الظالمة أفضل بكثير من انعدامه حتى لو استحال تطبيقه في هذه المنطقة أو تلك. فالتقاليد متغيرة مع الزمن وليست ثابتة وأن تقاليد المدن الكبرى وبغداد العاصمة أكثر تأثيراً، وستختفي مع الوقت تقاليد الحاق الحيف والظلم بحق المرأة، وان وجود قاعدة قانونية واضحة يسرّع في تلك التحولات.
في كل الأحوال، مهما كانت درجة الاجتهادات، فمن الضروري مغادرة لغة الاتهامات والتسقيط، وتشجيع دراسة أسباب التحفظ العراقي على الفقرات المذكورة آنفاً، وسحب التحفظات على المواد التي تتوافق مع القوانين العراقية.