في شجون الثقافة ثانيةً
بقلم : طالب عبد العزيز
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مازالت الدولة العراقية تعتقد بأنَّها صاحبة الفضل في رعايتها للأنشطة الثقافية، وما تعمل عليه لصالح الطبقة المثقفة والثقافة بعامة لا يدخل في صميم واجباتها تجاه الثقافة، وأنَّ رعايتها تدخل من باب جبر خواطر النخب المثقفة، واضفاء العطف عليهم، لا من باب الأهمية والضرورة، لما يشكله الحراك الثقافي من أهمية في وجودها، ومهامها الرسمية، ذلك لأنَّ كل حديث عن الدولة بالمعنى الحقيقي لها خارج أطر الثقافة لا يعني شيئاً، وإن أصرّت على أن يكون الحراك الثقافي في ذيل قائمة عنايتها فستصبح مقصرةً لا بحق الثقافة والمثقفين إنما بحق نفسها ومفهوم الدولة بعامة.

حين تشرع الدولة في بناء مرفق خدمي ما، جسراً، حديقةً عامة، مدرسةً... بمبلغ معين، تضع له سقفاً ما، وتمنح تنفيذه الى شركة ما، فستكون الشركة هذه قد حققت ربحاً، قد يصل الى ملايين الدنانير، والدولة تعلم بأن الشركة ربحت منها المبلغ المعلوم ذاك، لكنَّ هذا لا يقع ضمن خساراتها، أو هدرها للمال، إنما في صميم عملها، ذلك لأنَّ المشروع سيعود بالنفع المادي الملموس على مواطنيها، لكنَّ أمراً كهذا قد لا يتحقق ببناء مشروع ثقافي، فالثقافة مفصل غير منتج، هي بناء فوقي، غير خاضع للربح والخسارة الماديين، لكن، هي عمل من أعمال بناء الانسان، وإنْ كان أصعب أنواع البناء لكنه الأهم والأولى في التقديم، إذْ ما نفع تشييد المباني إن لم يكن هناك من يعي أهميتها.

بتعريف بسيط للثقافة نجد أنَّها"كلُّ ما يضيء العقل، ويهذّب الذوق، وينمّي موهبة النقد" وعلى ضوء التعريف هذا نرى أنَّ الدولة، أيَّ دولة بحاجة ماسة الى إضاءة عقول أفرادها ومؤسساتها، مثلما هي بحاجة الى تهذيبٍ وتمرينٍ في تدرّج وتنمية أذواق مواطنيها، بما ينسجم مع روح العصر والتطور، الذي من شأنه سيهديهم الى تقبل الرأي الآخر والانتفاع من النقد، الذي هو قوام كل تجربة سياسية واقتصادية واجتماعية ووو ناجحة، وعند التوسعة في ممارستنا للثقافة نجد أنَّها الوحيدة القادرة على قبول الآخر المختلف، واحترامه واشراكه في عملية البناء، لأنَّها ترشدنا الى معنى المواطنة، وهذه بنى ضرورية في التأسيس لمجتمع ناجح ودولة قوية.

ما تعمل عليه الدولة العراقية هو قاصر بحق الثقافة، فهي مازالت تعتقد أنَّ الإنفاق المالي على إقامة المهرجانات والمؤتمرات الأدبية والفنية والمسرحية والسينمائية وسواها منجزٍ لكي توصف بأنها دولة! أبداً، وما لم تخلق شعباً مثقفاً لن يكون هناك أيُّ معنى لهذا الانفاق، وصناعة الشعب المثقف تتم عبر ترسيخ مفهوم الحرية أولاً؛ وإعمال الثقافة الإنسانية والوطنية في مجمل مفاصيل الحياة بما فيها فهم الدين والعبادة وممارسة الطقوس والشعائر، وبما لا يتقاطع مع حرية الآخر المختلف، وما سيادة نوع ما وطغيانه على الأنواع الأخرى إلا نوع من أنواع الاستبداد، الذي يعطينا حقَّ القول بفشل الدولة. منذ عقود خلت لم يتأسس لدى الدولة العراقية تقليد ثقافي واحد، كالذي نجده في سياسات بعض الدول العربية، أو ما يؤسس له الاشقاءُ العرب في الخليج على سبيل المثال القريب.

في دولة ذات اقتصاد متواضع؛ ومدينة للبنك الدولي بمليارات الدولارات؛ كمصر بلغ إجمالي عدد الجوائز التي تمنحها الدولة تحت عنوان(جوائز الدولة التشجيعية) 32 جائزة موزعة على أربعة مفاصل رئيسية، هي: الفنون، والآداب، والعلوم الاجتماعية، والعلوم القانونية والاقتصادية، وتبلغ قيمة كل جائزة من الجوائز التشجيعية خمسين ألف جنيه. قد لا يهمنا حجم المبلغ هنا، لكننا نجدُ أثر الثقافة والجوائز في تركيبة الشعب المصري، التي تقضي باحترام الثقافة، و الذي يفخر بأنَّ النخب المثقفة المصرية تسهم في بناء ذاكرة وثقافة المجتمع العربي، ومن يتجول في حارات وأزقة القاهرة ستقع عينه على العشرات من مظاهر قيم الثقافة، التي لا يمكن فصلها عن طبيعة وسلوك الانسان المصري.

  كتب بتأريخ :  الأحد 31-08-2025     عدد القراء :  36       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced