كائنات ميتافيزيقية
بقلم : لطفية الدليمي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

أشعر بنفور غريب كلّما وجدتُ نفسي مدفوعة لكتابة مفردة (الميتافيزيقا) أو مشتقّاتها. المفردة تبدو ثقيلة الوطأة على المسامع، وحتى مرادفاتها العربية التي على شاكلة المابعديات أو المافوقيات (ما بعد الواقع، ما فوق الواقع،،،، الخ) تبدو غير مرغوب فيها. لكن مهما أردنا التملّص من الضرورة الميتافيزيقية سننتهي إلى حقيقة كبرى: نحن كائنات ميتافيزيقية في بعض تفاصيل حياتنا، أو بعبارة أخرى: ثمّة معضلات تواجهنا في حياتنا وليس لنا سبيلٌ معقول يتّسمُ بقدر كاف من المنطقية لمواجهتها إلّا باللجوء إلى الخزّان الميتافيزيقي في حياتنا.

ربّما يعرف الكثير من القرّاء أنّ الفيلسوف المصري الراحل والمميز (زكي نجيب محمود) كتب في بواكير حياته كتاباً أسماه (خرافة الميتافيزيقا)، ثمّ عدّل العنوان بعد عقود ليكون (موقف من الميتافيزيقا(. هي مناورة أراد منها تخفيف وقع العنوان ونزع صفة الخرافة عن الميتافيزيقا. لا أظنُّ أنّ فيلسوفاً رائعاً مثله يقبل بمساواة الميتافيزيقا بالخرافة، أو في الأقلّ المساهمة بتنفير القرّاء بها. هو يعلمُ أنّ كلّ الأقسام الفلسفية في كبريات الجامعات العالمية المرموقة لها برامج دراسية مميزة في الميتافيزيقا. نعلمُ أنّ الدكتور الراحل بدأ مسيرته الفلسفية رافعاً لواء الوضعية المنطقية، وتلك فلسفة العلم الوحيدة بحسب آراء مبتدعيها، وقد كانت لهم مواقف شديدة التطرّف بشأن المعنى واللغو من الكلام. أصلُ هذه الفلسفة أنّ كلّ معرفة لا تأتي عبر الحواس، وليس من وسيلة للتثبّت منها تجريبياً هي -بالضرورة- معرفة زائفة لا ترقى لأن تكون علماً حقيقياً. استهوت هذه الفكرة -كما يتوقّعُ المرء- عقل الفيلسوف الشاب وبخاصة إذا ما علمنا الوسط الغارق في الخرافة والتجهيل الذي جاء منه. هي ردّة فعل منطقية ومطلوبة لمواجهة واقع مرّ لا تصلح معه سوى مطرقة نيتشة الثقيلة لتهوي بها على أساسات الجهل والتخلّف. أكادُ أتخيلُ تماماً ما الذي حصل من ثورة فلسفية في عقل الفيلسوف بعدما غادر مرحلة الشباب المتفجّرة. علم أنّ الفلسفة -بوصفها أداة لتحقيق حياة طيبة وأخلاقية- لا تستقيم بغير اللمسة الميتافيزيقية فيها.

لكن ما هي الميتافيزيقا أولاً؟ من غير تعقيدات ومداخلات طويلة يمكن القول أنّ الميتافيزيقا هي كلّ ما نقتنع به على أساس القبول غير المعزّز بالإختبار التجريبي واسع النطاق. ألا يبدو هذا المعيار مخالفاً لروح العلم؟ هنا يمكن الردّ على هذا التساؤل بتساؤل يوازيه أهمية: وهل حياتنا كلها علم وتقنية؟ هناك مستويات في الحياة يتوقّفُ عندها العلم ويصبحُ في الأقل محايداً (إن لم نقل عاجزاً) عن إسعافنا بإجابات ترتقي بنوعية حياتنا أو تخفّفُ بواعث القلق والخوف فيها.

الميتافيزيقا تعمل أساساً في الفضاء التأصيلي للمفاهيم التي تتأسّسُ عليها كلّ حياة طيبة. فكّروا معي مثلاً بمفردة (الحبّ). نعرف أنّ الحب شرطٌ أساسي لكلّ حياة تستحقُّ عبء عيشها برغم كلّ المشقات. تصوّروا لو دخل أحدٌ ما في محاججة مطوّلة معنا عن متاعب الحب ومكابداته، وأنّه ليس سوى شكل من أشكال الجنون، وأنّه عبءٌ على الأكتاف من غير المنطقي أن نقضي أعمارنا ونحن نحملُ تبعاته، بل قد يذهبُ إلى تذكيرنا بمآس كثيرة، قديمة وجديدة، عن أناسٍ خسروا عقولهم أو أرواحهم أو حتى أجسادهم بسبب تبعات حبّ عاشوه، هل سنرتدع عن الحب؟ هل سنكفُّ عن الشعور بأهمية الحب العظمى في حياتنا؟ ربما لن يكون في مستطاعنا نفيُ الحقائق التي أوردها محاججونا؛ لكنّنا سنرتكن إلى قناعة ميتافيزيقية بشأن أهمية الحب في حياة المرء، أيّ مرء. مثل هذه المقاربات الميتافيزيقية سنرتكن إليها بالضرورة عند التفكّر في الموضوعات الكبرى المؤثرة في حياتنا: السعادة، الولادة، الموت، الصداقة، العطاء،،،،،.

قد نتصوّرُ أنّ الميتافيزيقا بعيدة كلّ البعد عن العلم وكلّ ما يدورُ في مداراته الخاصة. هذه أخدوعة كبرى كذلك. ليس العلم سلسلة تجارب ومشاهدات وحسابات فحسب. هناك جانب ميتافيزيقي فيه. قانون السببية Causality مثلاً. هذا قانون ميتافيزيقي خالص وليس من سبيل للتحقق منه بوسائل تجريبية. ثمّة أمر آخر سأورده من حياتنا للتدليل على أهمية الحسّ الميتافيزيقي في نطاق معيشنا اليومي. ليكنْ تجربة ميتافيزيقية بشكل ما. بين آونة وأخرى تخرج علينا أخبارٌ تقول أنّ الغذاء (س) سيئ للبشر بعدما حسبناه لسنوات طوال غذاء مثالياً. لنأخذ البيض مثالاً. كم حكوا عن مضاره وأنّه متسبّبٌ رئيسي في طوفان الكوليسترول الضار في شراييننا. سبّب لي هذا الأمرُ قلقاً فائقاً لأنّني اعتدتُ تناول البيض كلّ يوم تقريباً منذ عقود طويلة. لم تنقذني من حيرتي غيرُ الميتافيزيقا. فكّرت: كيف لبيضة يخرج منها كائن حي جميل أن تكون سبباً في إمراضنا؟ كيف للجميل أن يقود إلى القبيح؟ سكّنت الميتافيزيقا مخاوفي لسنوات طويلة، ثمّ عرفت بعدها أنّ الأمر لم يكن سوى أكذوبة أشاعتها ألاعيب شركات كبرى.

ربما الميدان الأكبر لساحة الإختبارات الميتافيزيقية هو الأخلاق Morals. الأخلاق الرفيعة نتيجة طبيعية لنسق ميتافيزيقي يسعى منه المرء لفعل الأفعال الطيبة ابتغاءً لذاتها فقط بعيداً عن أيّة مكافآت منتظرة. عندما تتأسّس الأخلاق على قاعدة ميتافيزيقية ستكون متينة يصعب ملاعبتها أو تجريب أفانين المناورة معها تماماً بعكس ما يحصل مع آخرين من المدّعين بالأخلاق الذين يتمسّحون بطهرانية مكذوبة طالما لم يكن في مستطاعهم بلوغ موارد السلطة والمال، ثمّ عندما بلغوها فاحت روائح أفعالهم الكريهة.

أرى من المناسب في هذا المقام تناول علاقة الميتافيزيقا بالأسطورة. ربما يصحّ على الأسطورة القولُ بأنّها ميتافيزيقا جمعية. ملحمة كلكامش مثلاً أسطورة تسعى لأنّ تمدّنا بخيرة المعيش الطيب وعبثية طلب الخلود البشري في نسخته الجسدية. لو قارنّا الخبرة الطيبة التي نتحصلها من ملحمة كلكامش (وسواها من الملاحم) مع تجربتي الميتافيزيقية مع البيض لوجدنا الفارق في الخصيصة الفردانية لتجربتي. خبرتي الميتافيزيقية خاصة بي ولا تصلح للتعميم.

أما الخرافة فتلك حالة أخرى تماماً تتقاطع مع الميتافيزيقا والأسطورة. الخرافة لا تنقلُ خبرة للآخرين بل تكتفي بإشاعة واقعة متخيلة، يرادُ منها تعزيز موقف آيديولوجي أو ديني، وتكاد تشمُّ رائحة الملاعبة بالعقول فيها. الأساطير في العادة تتناول الأفكار، وليست الشخوص فيها سوى وسيلة للتأكيد على الأفكار الطيبة والجميلة؛ في حين أنّ الخرافات تركّزُ على الشخوص بذاتهم ولذاتهم. الخرافات تسعى لإعلاء شأن شخوص محدّدين ولأسباب مشخّصة ومحدّدة لدى صانعي الخرافات؛ أما الأساطير فتسعى لجعل خبرة شخوصها (حتّى لو كانت آلهة) خبرة مفيدة للبشر.

الحس الميتافيزيقي السليم، والولع بأدب الأسطورة لا يتحققان لنا بالمجان بل بقراءة وتفكّر وطول مداورة للأفكار، ويتطلبان عقلاً منفتحاً. الخرافة بعكسهما لا تستلزم تدريباً أو معرفة أو ذائقة أدبية وفلسفية. يكفي أن يقفل المرء بوّابات عقله ويقبل بالإنسياق الطوعي في مهرجان تغييب الإرادة حتّى يصبح مرتعاً لشتى أشكال الخرافة. مثلُ هذا المرء لن يكون صعباً علينا أن نلمح كائنات (غويا) الشبحية التي تنهض عند سبات العقل تحلّقُ حول رأسه وهو سادرٌ في أوحال خرافاته الأزلية.

  كتب بتأريخ :  الأحد 31-08-2025     عدد القراء :  33       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced