القضاء العراقي.. سيرة محاكم تغرق أقدامها في وحل السياسة
نشر بواسطة: mod1
الأربعاء 02-04-2025
 
   
جُمّار-كامل منشد

كيف تحوّل القضاء من مؤسسة يُفترض أن تكون محايدة إلى لاعب رئيسي في مشهد سياسي معقد؟ وهل من مخرج لهذا المأزق المتشابك؟ سيرة قضاء يمشي على حبل رفيع، ويشد من جميع الاتجاهات..

مطلع شهر شباط 2025، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا أمراً ولائياً بإيقاف ثلاثة قوانين جدلية أصدرها البرلمان العراقي على الطريقة التي صارت عُرفاً تشريعياً عند المكونات الثلاثة -شيعة، سُنة، وكرد: آلية السلّة الواحدة.

استهدف الأمر الولائي قوانين جدلية بقيت محل خلاف لسنوات، وهي تعديل قانون الأحوال الشخصية (طالب به سياسيون شيعة)، والعفو العام (طالب به سياسيو السُنة)، والعقارات (موجه بشكل خاص للعقارات التي يطالب بها الكرد في محافظة كركوك). القرار صدر على خلفية طعن مجموعة من النواب بالقوانين، ومن أجل الدقّة؛ طعن بعض النواب الشيعة بقانون العفو العام، وكما صدرت القوانين الثلاثة بسلة واحدة، صدر الأمر الولائي شاملا ثلاثياً لحين النظر بدستوريتها.

وبينما احتجت القوى السنية والكردية على قرار المحكمة الاتحادية العليا، فإن مجلس القضاء الأعلى تدخل في الأزمة، واعترض على القرار، بتحرّك لم يكن الأول من نوعه، ولا الخلاف الأول بين المحكمة والمجلس.

نظرة للهيكل

يتكون القضاء العراقي من أربعة أجسام: القضاء المدني، الذي يديره ويشرف عليه مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الاتحادية/ الدستورية، بالإضافة للقضاءين الإداري والعسكري.

يُعدّ مجلس القضاء الأعلى الجهة الإدارية العليا للقضاء، ومقرّه في بغداد، ويوازي منصب رئيس المجلس دستورياً مناصب رؤساء الجمهورية، ومجلس النواب ومجلس الوزراء، كما أن رئيس مجلس القضاء الأعلى هو رئيس محكمة التمييز.

وليست محكمة التمييز تنظيماً قضائياً مستحدثاً، بل رافقت نشأة القضاء العراقي، وتُعتَبَر أعلى هيئة قضائية في العراق، ومقرّها بغداد، في الوقت الحاضر تتكون من رئيس و26 قاضياً، وتختص بتدقيق القرارات الصادرة في جميع المحاكم العراقية الجنائية والمدنية ومحاكم العائلة، وتبت بالطعون المقدمة في مختلف القضايا التي تعد ضمن اختصاصات القضاء العادي، وسلطانها يمتد على العراق كله.

بينما لم يكن مجلس القضاء الأعلى من التنظيمات التاريخية للقضاء في العراق، إذ استُحدِث في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وينصّ قانونه رقم 45 لسنة 2017 على إدارة شؤون الهيئات القضائية وترشيح رئيس محكمة التمييز وقضاتها. كما نصّ الدستور العراقي في المادة 87 منه على استقلالية السلطة القضائية، وفي المادة 88 على استقلالية القُضاة.

أما المحكمة الاتحادية العليا، فكانت أيضاً مما استُحدِث بعد عام 2003، ومقرّها بغداد، تتكون من رئيس و(8) قضاة آخرين، وينحصر اختصاصها في القضايا الدستورية وهي مستقلة بشكل كامل عن مجلس القضاء من الناحية الإدارية والمالية، بموجب المادة 92 من الدستور العراقي التي نصّت أيضاً على الحاجة لسنّ قانون لها بأغلبية ثُلثِي أعضاء البرلمان (لم يُشرّع حتى الآن)، وحدّدت المادة التي تليها 93 اختصاصات المحكمة بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور والفصل بالقضايا التي تنشأ بسبب تطبيق قوانين اتحادية، كما تمتلك سلطة الفصل بالقضايا التي تنشأ بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، وتُصادق على نتائج الانتخابات، بالإضافة للفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم.

أما المادة 94 فقد حدد قرارات المحكمة الاتحادية العليا على أنها باتة وملزمة للسلطات كافة.

مدّ الأقدام في السياسة

بعد عام 2003، اُعيد تنظيم المؤسسة القضائية بتشكيل مجلس القضاء الأعلى تطبيقاً لأمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 35 من العام نفسه، على أساس أن يكون القضاء مستقلاً بشكل كامل، استنادا إلى مبدأ الفصل بين السلطات.

وفي آذار 2004، تم احداث تغيير أساسي فيما يتعلق بالرقابة الدستورية على القوانين، بصدور قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، الذي نص في المادة 44 منه على تأسيس المحكمة الاتحادية العليا، باختصاصات محددة تجعلها المحكمة الدستورية في البلاد، على أن يكون رئيسها هو رئيس مجلس القضاء الأعلى نفسه كما نصت المادة 45، وفي عام 2005 صدر القانون رقم 35 وبموجبه تشكلت المحكمة الاتحادية العليا وتولّى القاضي مدحت المحمود رئاسة المؤسستين قبل التحولات الكبرى التي شهدها عامي 2017 و2020.

جوهر التغيير كان في طبيعة الرقابة على دستورية القوانين، إذ كانت هذه المهمة قبل عام 2003 يتولّاها مجلس شورى الدولة، الذي رأسه المحمود في مرحلة حكم البعث التي سبقت الاحتلال، أما المحكمة الاتحادية العليا فهي تمارس رقابة لاحقة على دستورية القوانين، وبالقدر الذي يطلبه المدعون للتدخل والبت في دستورية قانون او ممارسة سياسية.

من هو المحمود؟

ولد القاضي مدحت المحمود ببغداد عام 1933، وتخرّج من كلية الحقوق بدرجة شرف للسنة الدراسية 1958-1959، وخدم في الجيش العراقي كضابط احتياط، كما تولّى العديد من المناصب القضائية في العراق منذ عام 1960، منها رئاسة مجلس شورى الدولة قبيل الاحتلال، ثم صار وزيرا للعدل في 12 حزيران عام 2003 (بعد الاحتلال)، ثم نائباً لرئيس محكمة التمييز، ورئيساً لمحكمة التمييز الاتحادية، ورئيساً للمحكمة الاتحادية العليا في 30 آذار 2005 (بقي بالمنصب 15 عاماً)، ورئيساً لمجلس القضاء الأعلى.

واجه المحمود اتهامات بالانحياز لصالح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، من خلال استخدام صلاحياته في إصدار مذكرات قبض بحق سياسيين خاصموه أو تعطيل ملفات وقضايا فساد مختلفة.

كان مدحت المحمود يتدخل في العمل السياسي بالقدر الذي يتطلبه الحفاظ على المؤسسة القضائية، ولم يكن له طموح بأن يكون فاعلاً سياسياً قدر ما كان يرغب بتجنيب القضاة التدخلات السياسية في عملهم، ولكن الأمر تغير في عام 2010، حين فسّر النص الدستوري المتعلق بالكتلة الكبرى داخل البرلمان التي يحق لها تشكيل الحكومة.

احتلّت قائمة إياد علاوي بالانتخابات البرلمانية عام  2010، طليعة القوائم الفائزة بالحصول على العدد الأكبر من المقاعد، كانت النتائج بمثابة زلزال للقوى السياسية الشيعية، وبمقدمتها حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي له نوري المالكي رئيس الوزراء وقتها، لكنّ تفسير المحكمة الاتحادية حينها، للكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة قَلَبَ المشهد: قررت المحكمة إنها الكتلة الكبرى التي تنجح في جمع أكبر عدد مقاعد بالجلسة الأولى من انعقاد البرلمان، وليست تلك التي تفوز بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات (تكرّرت نفس المشكلة بعد 12 عاماً وتدخلت المحكمة الاتحادية بتفسير جديد منع التيار الصدري من تشكيل الحكومة).

حرمَ تفسير المحمود إياد علاوي من حق تشكيل الحكومة وأتاح للمالكي أن يفوز بولاية ثانية وشكّل الحكومة التي انتهت مدتها باجتياح تنظيم “داعش”، والسيطرة على حوالي ثُلث مساحة العراق في 2014.

اجتُثَّ المحمود عام 2013 بقرار من هيئة المساءلة والعدالة، بعد ثبوت انتمائه بـ”شكل قطعي” لحزب البعث المحظور حسب برلمانيين، لكنّ القرار لم يُنفَذ، وفشل البرلمان في إقالته، بعد مطالبات بذلك، كما تراجع مجلس القضاء عن قرارٍ بتعيين القاضي حسن إبراهيم الحميري بدلاً عن المحمود في 2013.

بعد 4 سنوات من تلك الحادثة (2017)، صوّت البرلمان لصالح فائق زيدان، رئيساً لمحكمة التمييز وبالتالي رئيساً لمجلس القضاء، عقب تشريع قانون مجلس القضاء الأعلى في تلك السنة، الذي أخرج هذه المؤسسة عن سلطة مدحت المحمود ليبقى على رأس المحكمة الاتحادية وحدها حتى عام 2020.

فائق زيدان.. الوثب إلى القمّة

كان القاضي زيدان المولود عام 1967 عضواً في محكمة التحقيق الجنائية المركزية التي شكّلها مدحت المحمود بعد الاحتلال الأمريكي، وتدرج في عدد من المناصب القضائية، حتى رُقيَ عام 2011 للصنف الأول، ليُعَيَّن بعد 9 أشهر فقط عضواً في محكمة التمييز، في تحوّل نادر بتاريخ القضاء العراقي: قاض ينال عضوية محكمة التمييز بعد 9 أشهر من نيله “الصنف الأول”، وبعمرٍ قضائي لم يصل 13 سنة بعد.

يُعد القاضي فائق زيدان الابن الروحي للمحمود، وعمل على ترقيته في المدة الاصغرية، دون اغفال كفاءته كقاض، لكنّه تجاوز أقرانه ومن سبقوه، وصعوده كان ضمن قراءة دقيقة للمشهد من القاضي مدحت المحمود، أيام تنصيب زيدان رئيساً لمجلس القضاء، كان العراق يمر بمرحلة نهاية تنظيم داعش وصعود “الفصائل” المدعومة من طهران، إلى واجهة السياسة، وسبقت تعيينه تظاهرات استهدفت المحمود بشكل مباشر متهمة إياه بالتدخل في السياسة وحماية الفساد، وضرورة الفصل بين المنصبين، وهنا، كان أمام القاضي المحمود أن يضع خليفة له في المجلس، مفضلاً البقاء في المحكمة الاتحادية، فأدخل زيدان عضواً في محكمة التمييز، ثم رئيسا للمحكمة، ما يعني تبعاً للقانون الجديد رئيساً لمجلس القضاء.

بعد تنصيب زيدان رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، دخل بمناكفة سياسية مع حيدر العبادي، رئيس الوزراء حينها، بخصوص نتائج انتخابات 2018، التي أثارت امتعاض العبادي، ثم تكرّر الاحتكاك بين العبادي الذي ترك المنصب وزيدان الذي ثبت بمكانه بسبب احتجاجات تشرين 2019، وهو ما لم يحصل على أيام ولاية مدحت المحمود، مما يبين الفرق بين الرجلين، اللذين اختلفا بدورهما فيما بعد، المحمود وزيدان، ومن الواضح أن المحمود شعر ان اتفاق السادة (Gentlemen’s agreement)، بينه وبين القوى السياسية بتمشية أمور السياسة دون التدخل في القضاء لم يعد سارياً مع صعود الفصائل المسلحة وقدرتهم على صنع القرار السياسي والتدخل فيه، مما قاد لإحالته إلى التقاعد، وهيمنة القاضي فائق زيدان على المؤسسة.

في عام 2019 قدمت أطراف شيعية في البرلمان العراقي مقترح قانون لتعديل (المادة 6/ ثالثاً) من قانون المحكمة الاتحادية رقم 30 لسنة 2005 وتحديد أعمار قضاة المحكمة الاتحادية بـ 63 عاماً فقط، وهو تعديل بدا الغرض منه ذلك الوقت الإطاحة بمدحت المحمود الذي ناهز الثمانين من العمر، وعزله من رئاسة المحكمة الاتحادية العليا.

وقرّر البرلمان في نيسان 2019 استضافة رئيس المحكمة الاتحادية والأعضاء الثمانية الآخرين، وهو قرار خارج صلاحياته، ذلك أن رقابة المجلس تسري على السلطة التنفيذية. وفي أيار 2019، ردّ مدحت المحمود والمحكمة الاتحادية بقرار مضاد تضمن الحكم بعدم دستورية المادة 3 من قانون المحكمة الاتحادية الذي يقضي بأن قضاة المحكمة الاتحادية العليا يجري ترشيحهم من مجلس القضاء الأعلى، وبأن الدستور لم يعط هكذا اختصاص لمجلس القضاء الأعلى (القرار 38/ 2019).

رداً على قرار المحكمة الاتحادية، قرّر البرلمان تصعيد المواجهة والزجَّ بمجلس القضاء الأعلى في الميدان، فاستفتى  المجلسَ للبت بالموضوع، فردّ مجلس القضاء بتأييد التحرّك البرلماني، وتوحيد الحدّ الأعلى لعُمر القُضاة في المحكمة الاتحادية وباقي المفاصل القضائية، وأحقية مجلس القضاء الاعلى في ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية.

في 18 آذار عام 2021 انتهى السجال بتصويت مجلس النواب لصالح تعديل القانون رقم 30 لسنة 2005 -قانون المحكمة الاتحادية-، فتحوّلت صلاحية ترشيح أعضاء المحكمة إلى مجلس القضاء الأعلى وتوحّد الحدّ الأعلى لعمر القُضاة، ما أنهى مسيرة مدحت المحمود في السلطة القضائية، وجاء بجاسم عبود العميري بدلاً منه. حينها قاطع عدد من القوى البرلمانية التصويت، مثل القوى الكرديةُ والأقلياتُ التي اعترضت على تشكيلة “الاتحادية” وطريقة اتخاذ القرار داخل المحكمة.

مرّ التعديل الذي حمل عنوان القانون رقم 25 لسنة 2021 بأغلبية بسيطة من 204 نواب، ما يعني أنه كان تصويتاً ناقصاً من الناحية القانونية، بما أن المادة 92 من الدستور وقرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 107 لسنة 2012 يشترطان أن يتم إقرار أي تعديل للتشريعات المتعلقة بـ “المحكمة الاتحادية العليا” بأغلبية الثلثين في البرلمان.

قُبيل هذا القرار، كان القضاء غرس قدماً في وحل السياسة، بعد أن تدخل القاضي زيدان في انتخابات 2018، من خلال تعيين قضاة مقربين منه لإدارة مفوضية الانتخابات (عيَن مجلس مفوضين برئاسة جاسم العميري الذي سيصير رئيساً للمحكمة الاتحادية بعد سنتين)، وأعلن أن النتائج صحيحة وسط تشكيك آخرين. وبعد التعديل الذي أقصى المحمود، انغرست القدم الأخرى بسلسلة من المواقف والقرارات المثيرة.

اتُهِم القاضي زيدان بأنه “انتمى لحزب البعث” والتصقت به اتهامات لاحقة بالقرب من إيران والقوى السياسية العراقية المقرّبة من طهران، يبرهن ذلك علاقته مع أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق، والجنرال الإيراني قاسم سليماني (قتلا بغارة امريكية قرب مطار بغداد مطلع 2020). ففي عام 2021 وصف فائق زيدان عبر لقاء تلفزيوني “ابو مهدي المهندس” بأنه أخوه الذي لم تلده أمه، ثم أعلن في إحدى مناسبات تأبين المهندس أن “أبو مهدي” وهادي العامري، وبنصيحة من قاسم سليماني، “حميا القضاء من المظاهرات الشعبية التي طوّقت مبنى مجلس القضاء الأعلى”.

ورفض القاضي زيدان توجيه اتهامات الى قيادات كبيرة ومسؤولين على خلفية أحداث القتل في تظاهرات تشرين 2019، بحسب ناشطين. وفي عام 2021 أكد رئيس مجلس القضاء الاعلى في بيان عدم إمكانية صدور قرار قضائي من “دون الاستناد إلى أدلة”، وذلك تعليقاً على مقتل عدد من المتظاهرين وإصابة آخرين في ساحات الاحتجاج.

مناكفات سياسية غير معهودة

طوال هيمنة القاضي مدحت المحمود على المؤسسة القضائية، لم ينجرّ إلى المناكفات السياسية، بالطريقة نفسها التي خاضها من خلفوه، وكانت قاعدته أنّ “الناس تنسى والأمور تمضي”، الأمر الذي اختلف بشكل كبير بعد انتهاء “حقبة اتفاق السادة” التي أدارها باقتدار مقارنةً بمن بعده.

أواخر العام 2019، نشر رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي تغريدة في تويتر (منصة إكس حالياً): “أين تشتكي حبة القمح والقاضي دجاجة”، في إشارة لموقف قضائي. وقبل منشور الدجاجة، أبدى العبادي استغرابه من تدخّل القضاء في السياسة و”طعنه” بالنيات وإصدار حكم “بالافتراضات”. في هذا التصريح، كان رئيس الوزراء الأسبق يرد على بيان لمجلس القضاء الأعلى، وصف طموحَ رئيس الوزراء العبادي بالعودة لرئاسة الوزراء بـ”أحلام وهمية”، ويمكن القول إن هذا السجال هو أول سجال سياسي -مباشر- يتورط فيه القضاء بعد عام 2003.

وفي تغريدة أخرى قال رئيس مجلس الوزراء الأسبق “أنهم يريدون استغلال الأوضاع لتصفية الحسابات مع كل من ينتقدهم ويكشف زيفهم، لقد ابتدأوا بقتل الناشطين والمتظاهرين وقنصهم، ثم الترويع بالخطف والتغييب، والآن يستغلون القضاء، على رئاسة القضاء الحفاظ على استقلال القضاء وعدم زجه في معركة ضد الشعب”.

وليس هذا الجدال الأول بين العبادي والقضاء، إذ أطلق اتهامات بتزوير انتخابات 2018 التي أنهت حكومته، وفي محاولة السيطرة على “منظومة الحشد”، حيث كانت لديه شكوك باستغلال الأموال لصالح دعايات انتخابية، إذ أعاد القضاءُ فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي الى منصبه بعد 5 أشهر من إقالته من قبل العبادي، الذي أقاله مستندا على فرض “انخراطه  في العمل السياسي والحزبي”، القرار الذي نقضه القضاء، وأعاد الفياض إلى مناصبه الثلاثة وقتها، رئيسا لهيئة الحشد الشعبي، ولجهاز الأمن الوطني، ولمستشارية الأمن القومي، وكانت حجة القضاء أن القرار صدر بعد الانتخابات وكانت حكومة العبادي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال.

سياسة محضة

مع تولي القاضي فائق زيدان لمنصبه بدأت معالم وجهة نظره السياسية تتضح، وبطريقة تصاعدية حتى عام 2024، قال خلال مقابلة صحفية إنه رفض منصب رئيس مجلس الوزراء ثلاث مرات، وقد طُرح اسمه للمنصب منذ الانتخابات المبكرة عام 2021، الأمر الذي أكّده السياسي والنائب السابق مشعان الجبوري، في تغريدة له على منصة أكس (تويتر) عام 2019، حيث كتب إن “كُتلاً برلمانية كبيرة رشّحت لرئيس الجمهورية اسمَ زيدان لتولي منصب رئيس الوزراء”، ثم تكرر الأمر عام 2021 وكتب إن الإطار التنسيقي قد استضاف القاضي زيدان بهدف الاستفسار منه عن موقفه من تولي منصب رئيس مجلس الوزراء، وكانت اجابته “اذا اتفقتم مستقبلاً بعد نتائج الانتخابات على تكليفي بمنصب رئيس الوزراء اقول لكم الان اشكر ثقتكم ولكني ارفض هذا التكليف”. الأمر ذاته أكّده السياسي عزت الشابندر الذي قال إن “رفض زيدان جاء لأن لديه مهمة إعادة بناء القضاء، وهي مهمة أقدس وأخطر وأكثر أهمية”.

عام 2024، أصدر أعضاء في الكونغرس الأميركي تقريراً مفصلاً، اعتلاه اسمُ زيدان يطالب الحكومة الأمريكية بمراجعة الشروط التي تجعله تحت طائلة العقوبات. وذكرت شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية أن وزارة العدل الامريكية اضطرت إلى إلغاء أيّ اجتماعات مع رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان خلال زيارته التي كانت مقررة حينها إلى واشنطن، نتيجة لأنه القاضي الذي أصدر مذكرة بحق دونالد ترامب على خلفية اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي وصفته بانه “إرهابي إيراني عالمي مسؤول عن مقتل أكثر من 600 من العسكريين الأمريكيين”.

وزيدان -حسب وجهة النظر الامريكية التي تتسرب أحياناً- من بين القوى الرائدة التي تعمل على تعزيز مصالح إيران في العراق، ومساعدة ميليشيات طهران على الحصول على موطئ قدم في البلاد.

رأس آخر: العميري

في عام 2022، وبعد تشكيل حكومة محمد السوداني، وانسحاب مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري من البرلمان، تفوقت الفصائل المقربة من طهران والتي انضوت مع قوى سياسية شيعية أخرى تحت ما عُرف بـ”الاطار التنسيقي”، في وقت كان العميري، رئيس المحكمة الجديد، يُعتَبر قريباً من تلك الجماعات ويلتقي علناً بزعماء فصائل مسلحة ومسؤولين إيرانيين، حتى حضوره جنازة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في 2024.

منذ عام 2022، تجاوبت المحكمة الاتحادية العليا مع القضايا المرفوعة من قبل القوى السياسية المقرّبة من إيران، مثل كتلة “حركة حقوق” البرلمانية المتفرّعة من ميليشيا “كتائب حزب الله” المصنفة إرهابيةً من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى، ففي 4 أيلول، ألغت “المحكمة الاتحادية العليا” قانون المصادقة على الاتفاقية العراقية الكويتية لعام 2012 بشأن الملاحة في ممر خور عبد الله المائي، في قضية رفعها النائب العضو في “حركة حقوق” سعود الساعدي.

بالإضافة إلى زعيم “دولة القانون” نوري المالكي، تقول تقارير غربية، إن العميري يخضع أولاً لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري، ومما يدل على هذا انه في 2024 رشّح العامري، محمد العميري وهو نجل رئيس المحكمة الاتحادية، ليكون محافظاً لديالى، وسط أزمة حادة لتشكيل الحكومة المحلية، ثم اضطر بعد ذلك لسحب الترشيح بسبب صغر سنّ المرشح (28 عاماً).

لن يكون صعباً الجواب على سؤال: من المستفيد من قرارات المحكمة الاتحادية خلال السنوات الأخيرة؟ إنها قوى الإطار التنسيقي، وبلغة أخرى، إنها القوى الشيعية الحليفة لإيران، حيث فتحت سلسلة القرارات هذه أبواب الاتهام على المحكمة ورئيسها، فشاع الاعتقاد أن الحُكم الصادر من “الاتحادية” في شباط 2022 ضد صادرات نفط إقليم كردستان كان بتحريك من قبل المالكي، وذلك الحكم الذي أقصت به رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي من منصبه في تشرين الثاني 2023، ليس سوى نتيجة لدفع من قبل القوى السياسية ذاتها، والاتهام يرفع اصبعاً باتجاه قيس الخزعلي، زعيم فصيل عصائب أهل الحق الذي ظهر مع رئيس المحكمة العميري في 4 أيار 2024 باحتفالية.

قرارات مثيرة

شهد عام 2022 أزمة سياسة كبرى بعد فوز التيار الصدري في الانتخابات، ثم اصطدامه بقرارات المحكمة الاتحادية العليا التي وضعت شرطاً صعباً لتشكيل الحكومة، حين أقرّت أن رئيس الجمهورية يتم انتخابه من بين المرشحين للمنصب بأغلبية ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي، وتحتاج هذه الجلسة إلى نصاب الثلثين لكي تنعقد.

ضرب هذا القرار مشروع مقتدى الصدر بتشكيل الحكومة وفق الأغلبية السياسية، وخلق خلافات كبرى داخل ما سُمي بالتحالف الثلاثي وقتها، الذي ضم الصدريين، ومسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومحمد الحلبوسي رئيس حزب تقدُّم ورئيس البرلمان السابق، القرار انشأ ولأول مرة في المشهد السياسي العراقي ما سمي بالثلث المعطل، باستعارة للحالة اللبنانية، فتأخّر تشكيل الحكومة عاماً بأكمله.

ولم تتشكل الحكومة إلا بعد أحداث دموية، واشتباكات مسلحة عقب اجتياح أنصار الصدر للمنطقة الخضراء في شباط 2022، ووقوع اشتباكات مسلحة، ذهب ضحيتها عدد كبير من الصدريين وممن تصدى لهم داخل المنطقة الخضراء، لينتهي الأمر بقرار الصدر اعتزال العمل السياسي، واستقالة نوابه من المجلس.

في الشهر ذاته، رفضت المحكمة الاتحادية العليا ترشيح هوشيار زيباري لمنصب رئيس الجمهورية، بسبب دعاوى قضائية ضده تتهمه بجرائم فساد إداري ومالي إبان شغله منصب وزير المالية الاتحادي، ليرد زيباري على قرار المحكمة باستعارة ما سبق لرئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي ان قاله، “أين تشتكي حبة القمح إذا كان القاضي دجاجة”.

لقد كررت المحكمة ما سبق ان فعلته في انتخابات 2010 مع علاوي، بتفسيرها لمعنى الكتلة الأكبر، وانتزاعه من الفائز الأكبر علاوي ومنحه للمالكي، لكن التفسير هذه المرة جاء مختلفاً لمصلحة خصوم التحالف الثلاثي الذي تقدّمه الصدر.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ واصلت الكتل التي هاجمت بارزاني لعبة اللجوء للمحكمة الاتحادية العليا، فاصدرت في شباط 2022 أيضا قراراً يقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز الذي سنته حكومة إقليم كردستان عام 2007، والغته لمخالفته الأحكام الدستورية، فضلاً عن إلزام الإقليم بتسليم وارداته النفطية إلى الحكومة الاتحادية.

وبعد عامين، أصدرت المحكمة قرارين بما يخص إقليم كردستان، قسّم الأول الإقليمَ الى أربعة مناطق انتخابية، وذهب الآخر إلى حصر توزيع مُرتّبات موظفي الإقليم بالمصارف الحكومية الاتحادية خارج الإقليم؛ الأمر الذي أثار مخاوف السلطات والأحزاب هناك من تحجيم سلطات الإقليم.

وإلى جانب ذلك، قررت المحكمة الاتحادية في 2024، تقليص عدد أعضاء برلمان الإقليم الذي حدّده قانون انتخاب برلمان كردستان لسنة 1992 المعدل، ليصبح 100 عضو، بدلاً من 111 عضواً. وقررت المحكمة الاتحادية كذلك، أن تحلّ المفوضيةُ العليا (الاتحادية) للانتخابات بدلاً من الهيئة العليا لانتخابات إقليم كردستان لإدارة الانتخابات هناك.

فكّ اشتباك

أثارت آخر أطوار القضاء في السياسة (القوانين الثلاثة) زوبعة نقد ونقاش كبيرة: استدعى قانون الأحوال الشخصية نقد منظمات حقوقية دولية ومحلية لإجازته تزويج القاصرات، واستنهض العفو العام مشاهد الإرهاب الذي فرم أجساد العراقيين خلال السنوات السابقة وشاعت الخشية من عودته، وانتقد تركمان وعرب من محافظة كركوك إرجاع عقارات لكرد؛ “لأنهم تسلموا مقابلاً لها”.

وتزامنت هذه القوانين مع تغيّرات دولية وإقليمية تاريخية لا يمكن التغاضي عن تأثيرها، كسقوط نظام بشار الأسد واغتيال حسن نصرالله زعيم حزب الله وتراجع محور إيران وأحاديث العقوبات الأمريكية التي قد تطال العراق، فلم يكن أمام القوى الشيعية إلّا تطويق أيّ صراع سياسي محتمل، خصوصاً مع استغلال بعض القوى السنية الأوضاع والضغط على القوى الشيعية، مطالبة بتعديلات دستورية وتنفيذ اتفاقات سياسية قديمة أخلفت الوعود بشأنها.

ونتيجة للخشية من تكرار السيناريو السوري، كما عبّر نوري المالكي، فقد وافق الإطار التنسيقي الشيعي على تمرير قانون العفو العام بعد مماطلة دامت لثمانية سنوات، لإرضاء السنة، وقانون العقارات الذي راح لمصلحة الكرد.

وعلى الرغم من التصويت بسلة واحدة على القوانين الثلاثة في صفقة ليست بالجديدة على الحياة السياسية العراقية، فإن قوى شيعية اعترضت على قانون العفو العام، ليخرج المالكي طاعناً بالتصويت بالقول إنه نه لن يُقَر، بالتزامن مع طعن مجموعة أخرى من النواب بالقانون أمام المحكمة الاتحادية العليا، التي أصدرت الأمر الولائي بايقافه، ليدخل في جدل مع مجلس القضاء الأعلى، وبعد أزمة سياسية، تراجعت المحكمة الاتحادية العليا عن الامر الولائي، ومضت الدولة بتطبيق القوانين.

إن هذا الجدل ضمن القضاء العراقي يثبت أن السياسة أصبحت جزءاً من عمل القضاء العراقي، بعد أن اكتفى سابقا بتدخلات طفيفة ومشروطة، دون طموح سياسي، ودون الإخلال بالتوازن السياسي.

شيئاً فشيء، برهنت المنظومة القضائية في العراق انخراطها في السياسة، ونَفَت، بسلوكها، صفة الاستقلالية عن نفسها فأُصيبَت بعدوى السياسة العراقية التي لا تلبث عن الصراعات والمحسوبيات والفساد.

صوّبت القرارات المتراكمة للمحكمة الاتحادية أو الإجراءات والمواقف التي اتخذها مجلس القضاء، النار نحو فئات سياسية دون غيرها، فوضعت بأيدي الآخرين سلاح الاتهام باصطفافها مع قوى سياسية شيعية ملاحقة بنقمة الناس جرّاء فشلها-والجميع- السياسي.

إنه طريق واحد لا مفرّ من المضيّ فيه، إذا أراد العراق إصلاح ذاته وتخليص قضائه من مقابض السياسة: الإصلاح الحقيقي، الاستقلال الحقيقي. يبدأ بإقرار قانون للمحكمة الاتحادية ويمرّ بتحديث وتطوير شبكة القوانين ولا ينتهي بالفصل التام بين القضاء والسياسة.

ينشر بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”

 
   
 



 

نقوم بارسال نشرة بريدية اخبارية اسبوعية الى بريدكم الالكتروني ، يسرنا اشتراككم بالنشرة البريدية المنوعة. سوف تطلعون على احدث المستجدات في الموقع ولن يفوتكم أي شيئ





 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced