رغم ما تمتلكه محافظة ديالى من إرث حضاري وتاريخي يمتد لآلاف السنين، ما زالت مواقعها الأثرية تعاني الإهمال وغياب الرعاية، في وقت يؤكد فيه باحثون ومختصون أن هذه المواقع يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية وسياحية مهمة لو جرى الاهتمام بها واستثمارها بالشكل الصحيح.
وبينما يشير خبراء إلى حجم التجاوزات والاندثار الذي يهدد معالم بارزة في خانقين ومنطقة الصدور، تؤكد هيئة الآثار والتراث أنها بدأت خطوات لإعادة التأهيل وحماية المواقع الأثرية بالتنسيق مع الجهات الأمنية. في حين يرى مختصون أن استثمار تاريخ ديالى وبيئتها الطبيعية قادر على إعادتها إلى خارطة السياحة الوطنية.
اهمال واضح للواقع الأثري
يقول الباحث الآثاري علي المندلاوي إن الواقع الأثري في ديالى، وبخاصة في خانقين ومنطقة الصدور، يعاني من إهمال كبير. ففي السنوات السابقة كانت هناك تلال مرتفعة في الصدور، لكن الشركات عملت على تسويتها حتى اختفى أكثر من نصفها، ولم يجرِ أي اهتمام أو حماية لما تحمله من قيمة تاريخية. ويضيف أن بحيرة الصدور نفسها، وما يحيط بها من مواقع، تُركت من دون رعاية أو خطة للحفاظ عليها أو تطويرها سياحياً، على الرغم من أهميتها للمنطقة.
المندلاوي يشير أيضاً إلى أن خانقين تضم مواقع أثرية متعددة، وأن في مندلي وسوقها الصغير معالم تعد من أقدم المدن في ديالى، إلى جانب جامع عتيق يعد من أقدم جوامع المحافظة، ومع ذلك لم تحظَ هذه الأماكن بأي عناية أو تسليط ضوء إعلامي.
ويؤكد أن الحديث عن الآثار في ديالى غائب تماماً، فلا توجد متابعة جدية، ولا برامج تعريفية، ولا حتى مبادرات رسمية أو أهلية تُبرز قيمة هذه المواقع.
ويرى أن غياب الاهتمام يعكس مشكلة أوسع في التعامل مع التراث الثقافي في العراق، حيث تظل المواقع عرضة للتجاوزات والطمس، في الوقت الذي يمكن أن تكون فيه رافعة اقتصادية وثقافية وسياحية.
ويخلص إلى أن آثار ديالى، من الصدور إلى خانقين، هي ثروة مهملة، وأن الصمت حيالها يجعلها عرضة للاندثار بلا أثر يُذكر.
فرق تفتيشية دورية
من جهته، ذكر مسؤول إعلام هيأة الآثار والتراث للمحافظات أحمد مرتضى، أن "الهيئة تمكنت من السيطرة على ملف حماية المواقع الأثرية بعد التحديات الكبيرة التي واجهتها خلال فترة الحروب وسيطرة عصابات "داعش" على عدد من المحافظات.
وقال مرتضى لـ"طريق الشعب"، أن "الفترة السابقة شهدت صعوبات كبيرة بسبب الحروب والأوضاع الأمنية، ما أثر على جهود حماية المواقع الأثرية. لكن بفضل الجهود الحالية، بدأنا رفع التجاوزات وإحالة المتجاوزين إلى القضاء وفق قانون الآثار رقم 55 لسنة 2002 المعدل".
وأضاف أن الهيئة أعادت تأهيل وافتتاح عدد من المواقع الأثرية أمام المواطنين، مشيرا إلى وجود فرق تفتيشية دورية لمتابعة أوضاع هذه المواقع، خاصة وأن الكثير منها يتداخل مع بساتين ومناطق زراعية، مما يؤدي أحيانًا إلى حدوث تجاوزات أو تلوث بيئي.
وتابع مرتضى، ان "التجاوزات تُرفع بشكل مستمر، وهناك تنسيق مباشر مع وزارة الداخلية وشرطة الآثار في المحافظات لحماية المواقع وضمان عدم تكرار الانتهاكات."
وأكد مدير الهيئة، أن الوضع الحالي أفضل بكثير مما كان عليه في السابق، لافتا إلى أن حماية التراث والمواقع الأثرية تمثل أولوية وطنية، ونجاحها يعتمد على تعاون المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي على حد سواء.
موروث تاريخي عميق
فيما شرح سيف علي، المختص في التاريخ، أن "محافظة ديالى تعد من أغنى المناطق العراقية بالموروث التاريخي والحضاري، فهي تمثل صلة وصل حضارية بين وادي الرافدين وإيران منذ آلاف السنين. وقد احتضنت مواقع أثرية مهمة تعود إلى فترات مختلفة من تاريخ العراق القديم، أبرزها موقع خفاجي، وآثار بعقوبة والمقدادية، إضافة إلى المعابد السومرية والآشورية المنتشرة في مناطق متفرقة من المحافظة".
وقال علي لـ"طريق الشعب"، ان "ديالى لا تملك فقط تاريخا عريقا بل أيضا بيئة طبيعية متنوعة من بساتين النخيل والحمضيات والجبال والأنهار، ما يجعلها مؤهلة لتكون وجهة سياحية متكاملة تجمع بين السياحة التاريخية والطبيعية"، مؤكدا أن "الاستثمار في السياحة الأثرية في ديالى يمكن أن يعزز الاقتصاد المحلي من خلال خلق فرص عمل في مجال الإرشاد السياحي، والخدمات الفندقية، والحرف التراثية، فضلا عن جذب السياح المحليين والأجانب؛ فالمحافظة قادرة على أن تكون نقطة جذب سياحي، إذا ما توفرت البنى التحتية المناسبة والترويج الإعلامي الكافي".
وخلص الى القول ان "إعادة إحياء تاريخ ديالى وتسليط الضوء على معالمها سيُعيد لها مكانتها بوصفها واحدة من المحافظات التي ساهمت بصناعة هوية العراق الحضارية، وهو استثمار ثقافي واقتصادي في الوقت نفسه".