أشعر اليوم بضرورة سرد قصتي، وإن كان مع ارتجاف اليد وقليل من الدموع، فتجربتي الشخصية ليست حادثة فردية، بل هي صورة مبكرة لما يمكن أن تسببه "المدونة الشرعية" اليوم..
هذه ليست محاولة شكوى مما تعرضت له، ولا سيرة ألم، بل محاولة صادقة وشجاعة لتوثيق رحلتي في فهم مرحلة مرّت بها نساء كثيرات، وربما تعيشها الآن فتاة أخرى، خاصة بعد سَنّ “المدونة الشرعية” التي تُشرعن الزواج القسري المبكر.
بعد سنوات من العلاج النفسي، ومن محاولاتي في التدوين بما يُعرف بتفريغ المشاعر، وجلسات التأمل لتهدئة الجهاز العصبي، يعود جسدي في الأشهر الأخيرة إلى الارتجاف.
في يوم واحد فقط، قُتلت ثلاث نساء كان من الممكن أن أكون أنا الرابعة منهن، واحدة رفضت الزواج من ابن عمها، وأخرى لم تُحضّر الفطور لأخيها… وأبقى أنا الناجية.
أشعر بالذنب لأنني نجوت، وبالخوف من الطريقة التي قد أموت بها، يعود إليّ الرعب وكأنني ما زلت تلك الطفلة ذات الثالثة عشرة.
يملؤني شعور بالغضب والعار واللوم، لأنني لم أحمِ نفسي، لكن الحقيقة أنني لم أكن أعرف كيف السبيل إلى حماية طفلة. ومع تشريع المدونة الجعفرية اليوم، تزداد مخاوفي وأسئلتي عن مصير ملايين الطفلات..
“أكرهك أم أحبك؟”
كنت في الثالثة عشرة تقريباً، حين قررت عائلتي تزويجي لرجل يبلغ التاسعة والعشرين، بكيت ورفضت، وكان هذا الألم مضاعفاً كوني طفلة كنت مهتمة -حتى في ذلك العمر- بالقراءة عن الحقوق والحريات، كان ألمي نابعاً مع معرفتي بأن حقي يُنتهك كما مراهقتي وطفولتي.
لكن سرعان ما كان علي تقبل الوضع بعد ازرقاق جسدي، وبعد أن تساقط شعري من سحب الرأس ورطمه بالأرض، وبعد تهديدي بالحرمان من المدرسة، وبأن أي محاولة رفض لهذا العريس ستنتهي بقتلي.
أتذكر الليالي ما قبل مقابلة العريس، كانت أمي تتوعد بـ “نتلي” وأنا نائمة لأموت، فيما أبي يتفنن بوصف طريق أخذي “للعرب” (أي القرية التي يسكن بها الأقرباء) ثم رميي في البئر.
توسلت للخالات، اللواتي تزوجن قسرياً ومبكراً، لكن لا فائدة، رفضن التدخل، ربما خوفاً من مواجهة مشاعر عشنها. كنت وحدي أتعرض للضرب والضغط النفسي، وسماع كلمة “عار” كل يوم، “أنتِ عار، تريدين تكسرين كلمة أبوج”، أليس أبي أيضاً عاراً على البشرية والرحمة لأن دموع طفلته لم توقفه؟
صرت ألوم جسدي الذي كان يشبه جسد فتاة في العشرين، في بلاد أخرى كان يمكن لهذا الجسد “البالغ” أن يكون جسماً رياضياً، أو يشارك في عروض الأزياء، لكن هنا يرونه شيئاً مخزياً عليهم “ستره” بالزواج القسري.
كرهت الدورة الشهرية لأنها أهّلتني لهذا الزواج، سببت لي ألماً أكبر فوق ألمها.
كرهت زوجي المستقبلي، وكرهت الفستان، والأغاني، وكرهت نفسي.
في يوم الخطوبة، أتذكر فتاة الصالون وهي تعجز عن وضع المكياج على وجهي الطفولي لأن دموعي حولته إلى بركة، حتى بكت معي، كان اليوم الذي تنتظره النساء لتبكي فرحاً، لكني بكيت ألماً وحزناً.
كنت دمية وسط الأغاني والضحكات، ضحكات لا تخصني، وكلمات فرح ليست لي، جلست بجانب العريس وجزء من صدري مكتمل النمو بارز من الفستان الذي اختارته والدته، كل شيء كان باختيارهم، لم أختر أي شيء، كنت بلا مشاعر يومها، وكانت الصورة ضبابية ذلك اليوم.
ابتعدت عن “الخطيب” كلما حاول الاقتراب لتلبيسي “الخاتم”، ظن الأقرباء أنني أشعر بالخجل، لكنني كنت أشعر بالقرف من كل ما يحدث.
لم أتحدث معه كثيراً، كان الكره تجاهه يجعلني أتخيل أني أغرزُ سكينة تقطيع “الكيك” في قلبه، كيف يريد الزواج من طفلة، حتى لو كان جسدها مكتمل النمو، ربما!
في الأيام الأولى تجنبته وحاولت التركيز على امتحاناتي ودراستي، لكن الهدايا والاهتمام، ومعاملته الطيبة مقابل ضغط عائلتي وعنفهم جعلني أتراجع عن حدة الكره تجاهه.
صرت حائرة، أكرهك أم أحبك؟
نفدت كل محاولاتي لكرهه وتجنب الحديث معه، المرض والامتحانات وصداع الرأس، أحياناً كنت أُجبِر معدتي على التقيؤ لألزم الفراش.
بعد شهر عنّفني والدي تعنيفاً أكثر من أي وقت مضى، لقد كسر عصا المسح “عودة الماسحة” عليّ، ثم استخدم المطرقة و”الصوندة” وكل ما يقع تحت يده، فقط لأنني استخدمت الهاتف في الوقت غير المسموح به، عندها قررت الخروج من هذه العائلة التي تكاد تقتلني عنفاً.
“القبلة الأولى”
أتذكر كيف لمس جروح يدي، كيف لم يقبل سردية أنني سقطت من الدرج، كيف بكيت أمامه ولم يحرجني بمعرفة التفاصيل، ربما هذا الرجل الذي لن يقبل بدخولي الجامعة، ويريدني أن ألبس العباءة والنقاب، سيكون أكثر رحمة من والدي؟
كان لطيفاً، ورحبت عائلتي بأن أبقى معه وحدنا، محاولة منهم لترغيبي به، بعيداً عن أفكاره المتطرفة، كان رجلاً حنوناً كريماً.
لكنني لم أفهم أكنت أحبه أم أحب ما يعطيه لي من محبة؟
بعد أن يغادر كنت أكرهه، حينما تقسو عائلتي علي أحبه، لم أفهم هذه الحيرة، كانت المشاعر أكبر من أن تتحملها فتاة بعمري.
باغتني في إحدى المرات التي كان يشرح لي فيها أحد الدروس المدرسية القريبة من تخصصه العلمي، ليقبلني، امتزج جسدي بين رعشة لطيفة ودغدغة وبين غضب ظهر على شكل صرخة.
لم أرد أن تكون قبلتي الأولى معه، حتى اللحظة، أشعر أنها سُرقت مني، سُرق مني أن أختار الرجل الذي سيقبّلني أول مرة، حتى لو كان سيخونني في النهاية أو يتركني، كنت أريد حق الاختيار.
فسرت صرختي آنذاك بالخجل وأنها “تابو”، إذ لا يجب أن يلمس الرجل زوجته حتى ليلة الزفاف، حسبما تربينا، أنا وهو.
بعد هذه القبلة، صار يروضني بطريقة لم أدركها إلا بعد مرور سنوات، مع كل شكوى من الدراسة والعائلة ورغبة بالأحلام كان يغلق فمي بقبلة أطول، يثير أماكن بجسدي لم أكتشفها.
صار يستغل الوقت الذي كان من المفترض أن يشرح لي فيه الدروس، أو وقت النزهات التي بشق الأنفس كان يُقنع عائلتي بها، في المغازلة الجنسية، صار يعلمني ماذا يعني الزواج والعلاقات الحميمية.
في المرات التي كنت أرفض فيها أن يلمس أجزاء لا أرغب بالكشف عنها كان يتظاهر بالحزن، ويلومني في شهوته الزائدة، حتى شعرت أنني السبب، “أنت مرتي”، كان يحملني واجب تفريغ شهوته.
لاحقاً تعلمت أنه كان يمارس الابتزاز العاطفي -بقصد أو بغير قصد- على مراهقة تختبر حياتها الجنسية أول مرة.
لا أعرف إذا كان زير نساء، لكنه كان يعرف كيف يجعلني أستسلم أمامه، خوفاً من فقدانه ورغبة بالشعور اللذيذ.
صرت أخاف أن أفقده وألّا أرضيه، لا أعرف كيف وصلت إلى هذه الحالة بعد سنتين قضيتهما معه.
كنت أشعر بالعار خاصة أن بعض المرات لم تكن لدي رغبة بالقبل واللمسات وسماع تخيلاته الجنسية، ولكن في مرات كثيرة كنت أرغب في ذلك.
صرت أحب انتظاره، ووجوده، وخففت رغبتي في كرهه، ونسيت أحلامي، وبدأت بتقبل نوع الحياة التي تنتظرني لأنها -ربما- أقل عنفاً.
“هل كنت مذنبة؟”
بسبب مشاكل عائلية بين عائلته وعائلتي، انفصلنا بعد ثلاث سنوات ونصف، لم أقاتل، كنت مستسلمة في وضع النجاة.
الصدمة كانت أنني كنت سعيدة بهذا الانفصال، وما توهمت بأنه حب تبخر في ثوان، أعترف باشتياق لحظي استمر لعام، ثم شعور بالذنب لخيانتي جسدي ومنحي إياه أجزاء منه.
لماذا لم أتمنع؟ صار السؤال يدور برأسي كل لحظة.
صارت ذاكرتي سيلاً من اللحظات الحميمية معه، وراودني شعور بالذنب، خاصة أنني تربيت على معتقدات تعدّ جسد المرأة ملوثاً إذا لمسها رجل لم يكن زوجها.
ولسنوات جعل نظرتي للرجال والعلاقات مشوهة، إذ بات يرتبط الحب عندي بالجنس حصراً، وحتى حينما كنت أُعجب بأحدهم، لم أكن أخبره عن هذه العلاقة ولا تفاصيلها، خشية أن يراني ملوثة أو يسألني عن مشاعر كنت لا أعرف كُنهها.
صرت أشعر بالقرف من جسدي ومن نفسي، دخلت دوامة من الشعور بالذنب.
لكن هل حقاً كنت مذنبة؟ لماذا ألوم طفلة في الرابعة عشرة ولا ألوم رجلاً بالغاً في الثلاثين؟ لماذا لا ألوم العائلة التي تركت طفلتها مع غريب برغبات جنسية.
صرت ألوم نفسي حتى على كلمة “أحبك” التي نطقت بها أمامه، لأنها كانت كاذبة واهمة.
لكن هل حقاً كان هذا حباً، أم كان فعلاً غير رضائي؟
كنت أشعر بالعار من محاولة سرد هذه القصة لأي أحد، خاصة بعد ما صرت امرأة مستقلة جزئياً بعد الكثير من الصراعات العائلية، وساعدني في ذلك الاستقلال المادي الذي فتح لي أبواباً مختلفة من الحرية.
صديقتي تخبرني دائماً “لا ينبغي لطفلة أن تشعر بالعار”، لكن الشعور الداخلي بالعار منعني حتى من ذكر هذه القصة لثلاث أخصائيات نفسيات.
ومع ازدياد معرفتي حول الحقوق والحريات، زاد شعوري بالذنب، كيف لم أقاتل من أجل حريتي؟!
حتى تشجعت.
لم تقل الأخصائية إنني السبب ولم تلمني ولم تحكم علي، لم تقل إنني “العار”، وعندما حاولت كبح دموعي سمحت لي أن أبكي.
خضت مرحلة طويلة من الشعور بالذنب والعار، ومحاولة التقبل، ومعرفة أنني لم أكن المذنبة، وفي مرحلة ما كنت ضحية، لكنني الآن ناجية.
ما مررتُ به لم يكن حباً، بل كان شكلاً من أشكال الزواج القسري المبكر، تجربة حملتني إلى ارتباك نفسي وعاطفي لم أكن مهيأة له.
كنت طفلة، وكل ما شعرت به من تقلب بين الكره والرغبة، وبين الخوف والنجاة، لم يكن إلا انعكاساً لصدمة الطفولة التي عشتها.
حينها تعلّقت بالرجل الذي فُرض علي، لا لأنني أحببته، بل لأنه ظهر في لحظات قاسية أكثر رحمة من عائلتي التي ضربتني وهددتني بالموت.
كنت أرى فيه الرجل الحامي وهو في الحقيقة جزء من دائرة السيطرة عليّ، وهذا ما يسميه علم النفس “ارتباط الصدمة”.
لم تكن قبلتي الأولى حُباً، بل انتهاكاً لخياري، وأول لمسة لم تكن رغبتي، بل نتيجة ابتزاز عاطفي يضع اللوم عليّ إن رفضت.
ومع مرور السنوات صار جسدي يتأرجح بين المتعة والعار، كأنني السبب في شهوته وكأن ذنبي أنني لم أصرخ أكثر أو أهرب أبعد.
لكني الآن أعلم أن الذنب ليس ذنبي، ليس ذنب طفلة في الرابعة عشرة لم تعرف كيف تحمي نفسها، بل ذنب رجل بالغ استغل هشاشتي، وذنب عائلة ومجتمع وقانون تركوني وحدي.
كل يوم أذكّر نفسي أن ما عشته لم يكن حباً، بل عنفاً سلب مني حقي في الطفولة والاختيار، وما بقي في داخلي من تيهٍ بين “أحبك” و”أكرهك”، لم يكن سوى أثر جرح عميق لمرحلة أُجبرتُ فيها على حمل ما لا يحتمله قلب طفلة ولا جسدها.
أشعر اليوم بضرورة سرد هذه القصة، وإن كان مع ارتجاف اليد وقليل من الدموع، فتجربتي الشخصية ليست حادثة فردية، بل هي صورة مبكرة لما يمكن أن تسببه “المدونة الشرعية” اليوم.
فحين يشرّع البرلمان الزواج القسري المبكر ابتداءً من الخامسة عشرة، فهو يفتح الباب لتكرار الحكاية نفسها مع فتيات أخريات، طفلات يُسلبن حقهن في الاختيار، ويُدفَعن إلى علاقات غير متكافئة تحت غطاء القانون.
ما عشته من خوف، وضرب، وتهديد، ومن ارتباك بين الحب والكره، والنجاة والموت، قد يتحول من تجربة شخصية إلى واقع راسخ في نص قانوني.
إن إقرار مثل هذه المدونة لا يعني سوى شرعنة العنف وتجذير السيطرة على أجساد النساء والفتيات، وتحول الطفولة إلى عقد زواج، بدلاً من أن تكون مرحلة أمان ونمو.