ترفض "ن. س"، البالغة من العمر 45 عاماً، الزواج خشيةً على الزوج من الموت، حيث تشكلت هذه العقدة نتيجة حادث مقتل والدها أمام أعينها خلال فترة الاحتقان الطائفي التي شهدها العراق.
في تلك الفترة، كانت الفتاة ما تزال مراهقة، وعلق بذاكرتها مشهد دم أبيها المغدور وصراخ أمها وأخواتها.
ومع مرور الأيام، بدأ الارتباك وفقدان الثقة والخوف يطغى على شخصيتها، وبعد ثلاث سنوات من الحادث فقدت القدرة على النطق، ولم تشفع معاناة الفتاة أمام أمها التي كانت ترفض بشدة عرضها على طبيب نفسي خشية أن يشاهدها الأقارب وينعتوها بـ"الجنون"، اذ فضّلت الأم حبس ابنتها في غرفة منفردة على عرضها على الطبيب، معتبرةً ذلك بمثابة العار.
قصص من الواقع
وبسبب الأحداث الجسيمة التي عانى منها العراق خلال السنوات الماضية، أصيب العديد من الشباب بالإحباط والاكتئاب والفصام وغيرها من الأمراض النفسية بسبب ضغط الأحداث.
الشاب سيف رمزي (19 عاماً)، تعرض هو الآخر لصدمة نفسية خلال تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر في العام 2019، فقد خلالها أصدقائه في التظاهرات، وأصيب بكآبة شديدة واعتكف عن الحياة، ورفض والده عرضه على طبيب نفسي لمعالجة آثار الصدمة النفسية التي خلفها فقد أصدقائه.
ويعيش رمزي حالة انعزال تام، وأصبح يعاني من الاكتئاب والأرق، ولا يفكر والده بعرضه على الطبيب خشية أن يتهم ولده بالجنون.
في الوقت الذي اكتفت فيه أم الفتاة "ن. س" بحبس ابنتها بغرفة منعزلة، اختار والد سيف طريقاً آخر لمعالجة ابنه.
ويقول رمزي لوكالة شفق نيوز "أصبح أبي يتجول بين السحرة، ويأخذني من ساحر لآخر، بعض السحرة وصفوا علاجات غريبة للغاية، ومنها أذن الفأرة وذيل القط، وأوصى أحد السحرة بطبخهم وبعد ذلك أقوم بشمهم عند مغيب الشمس".
ويضيف أن "هؤلاء السحرة ووصفاتهم الغريبة زادت من شقائي وكآبتي وعزلتي"، موضحاً أنه يعيش في دوامة من القلق والاكتئاب والأرق جراء الصدمة التي لا تفارقه.
عديدة هي العوامل التي فاقمت الأزمات النفسية لدى العراقيين، أبرزها الحروب التي شهدتها البلاد، ووباء كورونا في العام 2020، والمشكلات اليومية المتعلقة بالأزمات السياسية والظروف الاقتصادية، وانقطاع الكهرباء واختناق السير وارتفاع درجات الحرارة وغيرها.
ارتفاع أجور الأطباء
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض مراجعة الأطباء النفسيين أمر معيب، هناك العديد لا تسمح لهم حالتهم المادية لمراجعة الأطباء في عياداتهم الخاصة، بسبب ارتفاع أسعار الاستشارة الطبية وتعدد جلسات العلاج النفسي.
ويقول المواطن عبد الله القيسي (43 عاماً)، متذمّراً إن "أجور الطبيب في اليوم الواحد تصل إلى 100 ألف دينار"، متسائلاً في الوقت نفسه "كيف يمكن للعراقي أن يصرف هذا المبلغ أكثر من مرة في الأسبوع والواحد وهي عدد الجلسات؟".
ويتابع "هناك عدد كبير من العراقيين يخشون مراجعة الأطباء النفسيين بسبب ارتفاع الأجور وتعدد جلسات العلاج، وهم لا يملكون ما يكفي من المال، خاصة وأن على المراجع أن يدفع مبلغاً كبيراً عن كل جلسة".
في المقابل، يؤكد حسام الراوي، طالب علم نفس، أن "نظرة العديد من الناس للطبيب النفسي نظرة خاطئة واعتقاداتهم السيئة به غير مبررة".
ويوضح خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "العديد يعتقدون أن زيارة الطبيب النفسي ستكون بمثابة انتهاكاً لخصوصية المريض وفضح أسراره، واحتمال تعرضه للابتزاز في حال طرح المشكلات المسببة للحالة النفسية".
ويتابع الراوي حديثه قائلاً "حين تسأل المريض لماذا يمتنع عن زيارة الطبيب، يجيبك ببساطة، يكتب أدوية مهدئة تجعل المريض ينام 24 ساعة في اليوم، وإذا تركتها تعاني من مرض صعب وهو الإدمان".
ويستطرد "الأمر ليس كذلك، فالطبيب يصف العلاجات المهدئة وفق حالة المريض، ويتم استخدامها لفترة محدودة، فيما تتغير العلاجات بتغير حالة المريض، وأحياناً يكتفي الطبيب بتوصيات أو أدوية تُستخدم عند الحاجة فقط".
كورونا والأمراض النفسية
وينوه أخصائي الأمراض النفسية عدنان القره غولي، إلى أن "السنوات الأربع الأخيرة التي أعقبت وباء كورونا، زاد خلالها الطلب على الأطباء النفسيين".
ويشير خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "لديه 18 ألف مراجع منذ عام 2019، وزاد هذا العدد كثيراً خلال فترة وباء كوفيد-19".
ويلفت الطبيب الاخصائي، إلى أن مراجعيه "هم من الفتيان والشباب والنساء والأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية بسبب استخدام الهواتف لفترة طويلة، أدى بهم إلى قلة النوم وفرط الحركة".
أما النساء، فيتابع القره غولي، أن "أغلبهن متزوجات يعانين من فتور العلاقة الزوجية ويرغبن بالطلاق لعدم الاهتمام بهن، ويلجأن إلى الطبيب النفسي بهدف الحصول على أدوية تقلل القلق والتفكير وتحسن الحالة النفسية".
ويرى أن "عدد المراجعات أكبر بكثير من أعداد المراجعين بسبب التركيبة النفسية للمجتمع الذكوري العراقي، فالرجل يرفض مراجعة الأطباء النفسيين أو أخصائي الأمراض التناسلية".
بدوره يقول الطبيب الاستشاري في الطب النفسي، علي الفتلاوي، لوكالة شفق نيوز، إن "الإقبال على الأطباء النفسيين في العراق بدأ يزداد في السنوات الأخيرة مقارنة بالماضي، لكنه ما زال أقل من الحاجة الفعلية".
ويستطرد في حديثه "ما تزال هناك رواسب اجتماعية واضحة تدفع العديد من الناس إلى التردد بمراجعة العيادات النفسية، وغالباً ما يلجأ المريض إلى الطبيب النفسي بعد أن تستفحل مشكلته، أو بعد عدة محاولات غير طبية".
ووفقاً للفتلاوي، فإن القلق بأشكاله المختلفة والاكتئاب بدرجاته المتنوعة من أبرز الحالات التي يواجهها الناس يومياً، منوهاً إلى وجود تزايد ملحوظ في حالات الصدمة النفسية (PTSD)، خاصة في صفوف الناجين من العنف أو النزاعات، إضافةً إلى مشاكل الإدمان على المواد أو حتى الإدمان السلوكي مثل الألعاب الإلكترونية.
"ما يلفت الانتباه هو أن فئة الشباب أكثر إقبالاً على العيادات النفسية حالياً، خاصة في المدن الكبرى مثل بغداد وأربيل، فقد أصبح لديهم وعي بأن العلاج النفسي لا يعني الإصابة بالجنون كما يُشاع، بل هو وسيلة لتحسين جودة الحياة والتعامل مع الضغوط"، بحسب الطبيب العراقي.
ويعتقد أن "التحدي الذي يواجه الأطباء النفسيين لا يكمن في العلاج وحسب، بل بنشر الثقافة النفسية وكسر الحاجز الاجتماعي، لأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة".
جلسات العلاج "أون لاين"
اختارت طيبة محمود أن تدخل جلسات مع طبيب نفسي "أون لاين" ونجحت الجلسات الحوارية والنفسية في مساعدتها على التخلص من الحالة النفسية التي كانت تعاني منها.
وتوضح طيبة، في حديثها لوكالة شفق نيوز، أن "جلسات الأون لاين توفر الوقت والجهد وتساعد في الحفاظ على الخصوصية، وهي مريحة للذين يعانون من القلق"، مشيرة إلى أنها "استفادت من تلك الجلسات وتحسنت حالتها النفسية".
وعلى العكس، يؤكد استشاري الأمراض النفسية، مؤمل خالد، لوكالة شفق نيوز، أن "الجلسات في مواقع التواصل الاجتماعي غير مجدية لوجود عدة معوقات، ومنها ضعف الاتصال بالإنترنت ما يؤدي إلى تشتت وغياب التواصل الجسدي المباشر".
ويختم حديثه قائلاً "يلاحظ الطبيب على الدوام لغة الجسد أثناء كلام المريض، إضافةً إلى أن الجلسات تحتاج إلى مكان هادئ، وأغلب المناطق والبيوت العراقية لا تتوفر بها هذه الميزة".