على منصة “تيك توك”، حطمت بتول سلمون جدار الصمت.
في فيديو قصير، قالت بنبرة مرتجفة لكن حادة: “ما جرى لم يكن خطفا، بل محاولة نجاة من عنف منزلي. هربت لأنني أخشى الموت. أنا نجوت، ولن أعود مهما كلّف الأمر”.
وتحوّلت قصتها من “إعلان اختطاف” إلى صرخة تحذير من عنف منزلي بقي طي الكتمان لسنوات.
كان زوجها قد زعم في مقابلة عبر التطبيق نفسه أن زوجته خُطفت أثناء غيابه مع ابنهما البالغ ثلاث سنوات.
لكن بتول سارعت إلى تفنيد روايته: “استغليت نسيانه إقفال الباب كما يفعل دائما، وهربت إلى مكان بعيد وآمن”.
في مقطع الفيديو، تحدثت عن سنوات من العزلة والتقييد. قالت إنها مُنعت من التواصل مع أشقائها وصديقاتها، وحُرمت من أوراق قانونية تحد من حركتها، وكان هاتفها مراقبا، وإنها تعرضت لاعتداءات متكررة، وصولا إلى التهديد بسلاح حاد.
وأضافت أنها واجهت أيضا ضغوطا نفسية وتهديدات بإيذاء أشقائها في حال فكرت بالانفصال.
تزامنت قصة بتول مع انتشار صور لفتيات ونساء، وُصفن بـ”المختفيات”، على منصات مثل “واتساب” و”تيك توك” و”إنستغرام” خلال شهري يوليو وأغسطس 2025.
وتداول مستخدمون لوسائل التواصل أرقاما عدد المختفيات، أثارت موجة واسعة من القلق والذعر في لبنان.
خلف ستار الهروب
قوى الأمن الداخلي نفت، من ناحيتها، وجود عصابات منظمة وراء ظاهرة اختفاء الفتيات، وأكدت أن معظم الحالات ترتبط بخلافات عائلية أو مشاكل شخصية.
واستبعد خبراء تحدثوا لموقع “الحرة”، كذلك، فرضية العصابات المنظمة.
يقول الدكتور مأمون طربيه، الباحث في علم النفس الاجتماعي: “الهروب غالباً ما يعكس معاناة كبيرة داخل الأسرة، من العنف النفسي أو الجسدي إلى التحرش، وأحياناً يكون بحثاً عن حياة أفضل”.
وتؤكد المحامية فاطمة الحاج من منظمة “كفى” أن معظم البلاغات الرسمية ترتبط بخلافات أسرية أو عنف منزلي، رغم وجود حالات خطف نادرة في المناطق النائية بدوافع ابتزاز مالي.
وترى لانا قصقص، مديرة جمعية “مفتاح الحياة”، أن “المجتمعات التي تمنح الرجل سلطة مطلقة تطبّع العنف، فيما يزيد تعاطي المخدرات أو الاضطرابات النفسية غير المعالجة من احتمالات السلوك العنيف”.
العنف الأسري بالأرقام
بتول من النساء اللواتي كشفن تعرّضهن للعنف على يد أزواجهن. وتجسّد قصتها واقعا أوسع للعنف الأسري في لبنان، حيث تدفع البيئة غير الآمنة بعض الفتيات والنساء إلى الهروب بحثا عن الحماية.
قبل أيام، تبيّن أن وفاة شابة (31 عاما) في بلدة بحنين – المنية شمالي لبنان، والتي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنها انتحار، كانت جريمة قتل بعد الفحص الطبي.
وكشف الطبيب الشرعي عن آثار خدوش على جسدها وعلامات حول عنقها تؤكد أنها قضت خنقاً.
وباشرت شعبة المعلومات التحقيق وأوقفت شقيقها الذي اعترف بارتكاب الجريمة، وقال إنه أقدم على فعلته بطلب من والده.
وسجّل الخط الساخن التابع لقوى الأمن الداخلي في يوليو هذا العام 59 شكوى عنف جسدي، بينها 28 حالة ارتكبها الزوج، و23 حالة كان الجاني فيها الأب، وحالتان الإخوة. وبلغت الشكاوى 69 حالة في يونيو، و74 حالة في مايو، ما يعكس مدى انتشار هذه الظاهرة.
ولا يقتصر العنف الأسري على لبنان؛ إذ تصفه تقارير الأمم المتحدة بأنه أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً حول العالم. وتشير التقديرات إلى أن امرأة من كل ثلاث نساء تتعرض خلال حياتها لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي، سواء من الشريك الحميم أو من غيره.
وفي اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة والفتاة لعام 2024، رفعت الأمم المتحدة شعار “كل 10 دقائق تُقتل امرأة – #لا_عذر” لتسليط الضوء على التصاعد المقلق للعنف، والدعوة إلى محاسبة الجناة وتعزيز الحماية.
حالة طارئة؟
بحسب بيان لقوى الأمن الداخلي، سُجِّلت خلال الفترة الممتدة بين الأول من يوليو والثالث عشر من أغسطس 16 حالة فقدان، بينها 11 لبنانية، و4 سوريات، وفتاة بنغلادشية.
ووثّقت صفحة قوى الأمن على “فيسبوك” 44 حالة اختفاء منذ بداية العام وحتى 22 أغسطس، بينها 12 قاصرا، ما يعكس أن المعدلات المسجَّلة قريبة من معدلات الأعوام السابقة.
وتوضح لانا قصقص أن العنف الأسري “ليس حكرا على فئة اجتماعية أو طائفة أو منطقة، بل هو ظاهرة عابرة للطبقات والحدود”. وتشير إلى أنه يظهر بشكل أوضح “لدى النساء اللواتي يفتقرن إلى الدعم الاجتماعي أو القدرة الاقتصادية أو المعرفة الكافية للوصول إلى خدمات الحماية، ما يجعلهن أكثر عرضة للخطر.”
وتؤكد المحامية فاطمة الحاج أن العنف الأسري “يمكن أن يطاول القاصرات كما كبار السن، وقد يُمارَس من أي فرد في المحيط العائلي، سواء الزوج أو الأب أو الأشقاء أو غيرهم”.
وحول أسباب عدم لجوء الفتيات إلى الأجهزة الأمنية، يوضح الدكتور مأمون طربيه “ليست كل فتاة غير مرتاحة في بيتها تلجأ للأمن، إذ يُنظر إليه غالباً كشأن عائلي. كما أن بعض الفتيات يخشين مواجهة عائلاتهن أو التبعات الاجتماعية والجندرية إذا توجهن إلى الجهات الرسمية”.
ويشير مختصون آخرون إلى أن غياب الثقة بالأجهزة الأمنية، والخشية من بطء الاستجابة أو عدم جدية المتابعة، إضافة إلى الخوف من الفضائح والوصمة الاجتماعية، كلها عوامل تدفع الفتيات إلى تفادي الإبلاغ. كما أن نقص الوعي بالحقوق القانونية، والخوف من العقاب الأسري، يجعل الهروب أحياناً خياراً يبدو أقل خطراً.
وتضيف المحامية فاطمة الحاج أن “بعض النساء يلجأن إلى الاختباء في منازل أقارب موثوقين أو في مراكز إيواء تديرها جمعيات، تحافظ على سرية هويتهن حماية لهن من أي انتقام”.
خيار حياة أم قرار غير مدروس؟
تسلّط ظاهرة اختفاء الفتيات في لبنان الضوء على ما يشبه انهيار منظومة الأمان الأسري؛ إذ لم تعد المنازل بالنسبة لكثير من الفتيات والنساء ملاذًا آمنًا، فيما لا تمثل الحالات المعلنة سوى جزءٍ بسيط من الواقع، بينما تبقى أخرى كثيرة غارقة في صمت خلف الجدران.
وتشير لانا قصقص إلى أن كل حالة اختفاء تخفي صراعًا داخليًا مع العنف الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي داخل البيت. لكن الهروب لا ينهي المعاناة؛ بل يفتح الباب أمام مخاطر جديدة قد تهدد حياة الفتاة ومستقبلها.
يقول الدكتور مأمون طربيه: “قرار الهروب غالبًا ما يكون غير مدروس، ويفتح الباب أمام مخاطر أكبر، خصوصًا عندما تقع الفتاة في علاقة غير صحية مع شخص آخر أو في مواجهة شبكات استغلال”.
في المقابل، ترى المحامية فاطمة الحاج أن الهروب في بعض الحالات يعكس وعيًا متزايدًا ورفضًا للاستمرار في دائرة العنف، موضحة أن هذه الخطوة قد تكون “محاولة للبقاء على قيد الحياة وحماية الذات”.
ومع ذلك، يظل الخوف من الملاحقة أو الانتقام العائلي هاجسا دائما، كما في حالة بتول، التي شدّدت على أنها لن تعود إلى عائلتها التي تعاني ظروفًا صعبة، خشية أن تُعاد حتما إلى زوجها.
وتشير لانا قصقص إلى أن الفتيات اللواتي يهربن من منازلهن قد يواجهن مشاكل نفسية خطيرة، منها: اضطراب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، الأفكار الانتحارية، انخفاض الثقة بالنفس، نوبات الهلع، الحمل غير المقصود، إضافة إلى الأمراض المنقولة جنسيا.
“ثقافة” الخطف والإثارة الإعلامية
تحظى قضية هروب الفتيات باهتمام كبيرة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث غالبًا ما تُقدَّم بأسلوب يقوم على الصدمة والإثارة.
يوضح الدكتور مأمون طربيه: “حتى الأحداث العادية في سياقها تتحول إلى قصص مثيرة، خصوصًا في مجتمع تقليدي يخشى وصمة العار، ما يدفع بعض الأسر إلى استخدام تعابير مثل ’اختُطفت‘ بدل الاعتراف بأن الفتاة غادرت بمحض إرادتها”.
ويشير طربيه إلى أن هذه المصطلحات تخفف من المسؤولية الاجتماعية عن العائلة، لكنها “تفتح الباب أمام سرديات يتداولها الإعلام ورواد التواصل بلا معطيات دقيقة، لتتحول إلى مادة مثيرة تزيد من الغموض بدل كشف الحقائق”.
وتوضح لانا قصقص أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا مزدوجا: “هي أداة للتعبير وطلب المساعدة، لكنها في الوقت نفسه تضخّم الأحداث وتنشر معلومات غير دقيقة، ما يخلق صورة مبالغا فيها عن المخاطر الواقعية”.
أبعد من النصوص
يضمن قانون حماية النساء وأفراد الأسرة الصادر عام 2014 توفير الحماية للفتيات والنساء في لبنان. وتوضح المحامية فاطمة الحاج أن هذا الإطار القانوني أصبح أكثر شمولاً بعد تعديلات ديسمبر 2022 التي اقترحتها منظمة “كفى” لمعالجة ثغرات سابقة، مشددة على أن فعاليته تعتمد على إرادة القضاء والأجهزة الأمنية في تطبيقه.
“الالتزام الجدي من الضابطة العدلية والقضاء هو ما يضمن حماية فعّالة للنساء في لبنان،” تقول.
ويتيح القانون للنساء تقديم الشكاوى من مكان إقامتهن المؤقت بدلاً من المخافر القريبة من مكان وقوع العنف، مع خيار التواصل شخصياً مع القوى الأمنية أو عبر ممثل قانوني، وهو ما تصفه الحاج بأنه خطوة جعلت التحقيقات أكثر أماناً.
وتضيف أن النيابة العامة أصبحت أكثر تقدماً في تعاطيها مع هذه القضايا.
وتشير الحاج إلى أن بعض البلاغات في السابق كانت تُسجَّل تحت مسمى “اختفاء زوجي”، وهو ما استدعى إصدار مذكرات رسمية من “كفى” لتوضيح أن هذا ليس جريمة.
وتؤكد أن “القانون يكفل للمرأة الحق في اختيار مكان إقامتها والحصول على الحماية اللازمة. أما الأهل أو المقيمون معها، فيمكنهم تقديم بلاغ فقط للتحقق من عدم وقوع جريمة، ومن ثم تبدأ التحقيقات لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء مغادرتها”.
وعن آلية التعامل مع هذه البلاغات، تضيف الحاج: “نلتزم السرية التامة؛ لا نكشف مطلقاً عن مكان وجود السيدة حفاظاً على سلامتها. وحتى في حال تواصل الأهل، يتم توجيههم لتقديم بلاغ رسمي، ولا يتم التجاوب إلا عبر القنوات القانونية بإشارة من المدعي العام لضمان حمايتها”.
أما من الناحية النفسية، فتوضح الأخصائية الاجتماعية لانا قصقص أن الخطوات تبدأ بتقييم الحالة، “إذا كانت الفتاة قاصراً، يتم إبلاغ القضاء فوراً. أما إذا كانت بالغة، فيُقدم لها الدعم النفسي بعيداً عن أي لوم، مع تقييم مستوى الخطر، والاستفسار عن شبكة الدعم المتاحة أو رغبتها في اللجوء إلى مراكز حماية”.
في المحصلة، يعكس هروب الفتيات من منازلهن أزمة اجتماعية وأسرية عميقة. وترى قصقص أن الحل الذي يبدأ من “الدعم النفسي والاجتماعي في بيئة آمنة أساسي لتجنب قرارات متسرعة قد تؤثر على مستقبل الفتيات وعلاقاتهن. حماية النساء تبدأ بتحويل البيت والمجتمع إلى مساحة أمان، لا مصدر تهديد”.