رجل أضحك إيطاليا
بقلم : موسى الخميسي
العودة الى صفحة المقالات


تمر الذكرى العشرون لوفاة الممثل المسرحي الإيطالي الشهير ادواردو دي فيليبو، حيث تحتفل إيطاليا بهذا الفنان الذي كان مفكرا ذكيا يملك انفتاحا كبيرا نحو كل الأشياء التي تحيط به، وانعكس ذلك على كل من عمل معه في المسرح والسينما، فكان بحق مربيا للجسد بحركته ومربيا للكلمة بأدائه.

رجل أضحك إيطاليا

لمعرفة الأعمال الفنية التي ألفها وأخرجها هذا الفنان القدير الذي اضحك كل إيطاليا بكوميدياته، والذي بكاه الجميع يوم وفاته، يحتاج المرء إلى دراية واسعة في حقول اللهجة العامية النابوليتنانية «نسبة إلى نابولي» الخصبة، ويحتاج إلى محبة نابولي الماجنة، المتدينة، المتعالية، وعروض الناس العفوية وهم يمارسون طقوس حياتهم اليومية العاصفة. ويحتاج المرء إلى حب حقيقي للمسرح لا الإعجاب فقط.

كل الطرق تؤدي إلى روما

يشد ادواردو دي فيليبو رحاله إلى مدينة روما من اجل أداء الخدمة العسكرية، وقد اكتشفت مواهبه أثناء تأدية واجبه العسكري حيث أعطي العديد من الامتيازات في التأليف وتقديم العروض، وعندما أصبح عمره 20 عاما، رجع إلى «القلب» حيث نابولي، فألف فرقة مسرحية مكونة من أخيه «بيبينو» وأخته «تيتينا» .

بالإضافة إليه، وسمى تلك الفرقة «مسرح الساحر لأولاد دي فيليبو» وقدم الثلاثة أول مسرحية كانت سبب شهرتهم وهي «عيد ميلاد في بيت كوبيلا» أما أول مسرحية كتبها ادواردو فهي «سك.. سك الفن السحري» وبعدها قدم مسرحية «الرجل ذو الشعر الأبيض» لبرانديللو والتي أخرجها فيما بعد للسينما سنة 1936، كما اخرج عدة أفلام أخرى أخذها من مسرحيات بيرانديللو الشهيرة.

أما مسرحية «فيلومينا مارتيرانا» فكانت الوسيط المبدع الذي أوصل هذا الفنان إلى القمة، لما استخدمه من صدق فني بناه على الواقعية المرئية، لأنه اعتبر المسرح وباستمرار «عملية تفسير مبدع وخلاق للواقع» وقد وظفّ التراث في العمل الكوميدي، وتباينت زوايا الرؤية للاختيار في واقع مدينة نابولي المتصارع التي رفعها إلى مستويات عالية، ومجدّ فيها القيم الإنسانية ونبذ كل من سعى إلى الحط من مكانة مدينته الجليلة من مقاولين وتجار وعصابات مافيا. وقد كتب اغلب مسرحياته باللغة العامية النابوليتانية.
عرضت مسرحيته الشهيرة «فيلومينا مارتيرانا» في إيطاليا عام 1946 وبعدها طافت جميع أنحاء العالم، موسكو، بوينس ايرس، نيويورك، طوكيو، لندن، بروكسيل، وارشو، لشبونة، فيينا.. الخ وقدم بعدها مسرحية «هذه الأشباح» وألحقها بمسرحية «أصوات من الداخل» أعقبها بمسرحية «حسنا يا قلبي» ثم «السبت.. الأحد.. الاثنين» والتي قدمها الممثل الإنجليزي المعروف لورنس اوليفيه على مسارح إنجلترا ونالت إعجابا كبيرا في عموم بريطانيا.
شكسبير نابوليتانو
عرض ادواردو دي فيليبو مسرحيته الشهيرة «نابولي مليونيرة» على مسارح عالمية متعددة، وقد قالت عنه جريدة «التايمز» سنة 1972 أثناء عرض تلك المسرحية على مسرح «ورلد تايتر» لم نر في حياتنا ممثلا قديرا مثله، يمتلك هذا الفنان العظيم ثقة كبيرة بنفسه، أما صحيفة «مانشيستر كواردين» فقالت إنه ككل الممثلين الكبار يملك شخصية غير مستعجلة ولكنها عظيمة للغاية.

آخر ما قدمه من أعمال فنية هو ترجمة مسرحية «العاصفة» لشكسبير إلى اللغة النابوليتانية، كما درسّ مجموعة من طلبة جامعة روما، وذلك بإقامة دورة خاصة أعد فيها مسرحية ظهرت فيما بعد في كتاب.
لقد ظل المسرح عند ادواردو دي فيليبو بحثا عن الحقيقة بطرق صادقة تفتح مخيلة الآخرين على مصراعيها لتنطلق منها واليها الحقائق، فقد اتبع في اغلب أعماله أشكالا متباينة في التعبير عن عملية الصراع الحادة التي كانت تعيشها مدينة نابولي.

وقد اظهر باستمرار القطبين الرئيسيين، وهما إحساس الفنان والعالم الخارجي، فكان خير من مثل هذا التوازن مستفيدا من اطلاعاته العميقة على التراث المسرحي المحلي والعالمي وما أفرزته عدسة الواقع النقدية والفنية لنابولي التي عايشها حيا وصراعا وهي تسعى لتخلق لنفسها بناء متماسكا وسط الهزات والمتغيرات الاجتماعية والفكرية العنيفة التي تعرضت لها.
بين بيرانديللو وبريخت
ظل المسرح بالنسبة لادواردو دي فيليبو «إعادة صياغة الأشياء، والبحث في كل الثنايا عن روح النقمة والتحفز والتذمر..» وهذا يعني بالنسبة له تنظيم هذه الأشياء وإعادة ترتيبها من جديد، والتنظيم لا يعني عنده المعنى الحرفي لتنظيم المشهد، بل هو عملية البحث عن الحقيقة والاقتراب منها بطابع خاص بالتفكير والتعبير، فهو يعتبر امتدادا لبيرانديللو، وستانسلافسكي وبريخت، فقد ركز على عملية الاستناد إلى القاعدة للانطلاق من خلالها إلى المعالم الخارجية للعمل الفني، وهذا يعني فهم المعاني السيكولوجية بكل أعماقها للفرد، وما تحيله الظروف الحضارية عليه.

يقول في مجال آخر وهو يخاطب الممثل «لا تدع نفسك تضطرب بكلمات الشخصية التي تبحث عن تكرارها مرات عديدة أمام الجمهور، إذ لربما تفقد هذه الكلمات معناها إن لم تركز أداءك على الجمهور، ان لم تشغل انتباهك بمحاولة امتلاك المشاعر والأفكار الداخلية للشخصية نفسها، ذلك ان المشاعر الحقيقية الداخلية تكمن ما بين الممثل والشخصية فقط..».


  كتب بتأريخ :  الخميس 06-08-2009     عدد القراء :  1812       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced