عذرا سهام ....
بقلم : سمير سالم داود
العودة الى صفحة المقالات

عذرا سهام أن ما شاركت في مراسيم وداعك، أو حضور مأتم عزاءك، ووالله ما حال دون ذلك، الخشية صحيا من تبعات الممنوع من شديد الانفعال، وإنما عجزي عن أن أكون في موقع شاهد العيان، على رحيلك المرفوض مبكرا عن هذا العالم، وسمير الذي تعرفين، لا يعرف، كيف يمكن للمرء أن يرتضي الاعتراف، بفكرة رحيل من يحب وسط القريب من الناس، وأتذكر في هذه الساعة، ما حدث يوم ضاقت الدنيا بعيون الحبيب من الصديق أبو سلام، وأتصل هاتفيا من المستشفى، ساعة اكتشاف الخبيث من المرض، يوم أسرعت وبدون وعي أضرب رأسي بالجدار، رافضا وبعناد حتى مجرد سماع المزيد من التفاصيل، هذا المر من مفجع الحقيقة، وبعد المعدود من قليل السنين، على رحيل شدة الورد من النساء: أم تأميم، أم رانيا ، أم تمارا، وبذات الداء من ملعون السرطان!

صدقني يا قرينة شقيقتي بالاسم والطيبة والحنان،خلال الماضي من الأيام، بذلت جهدا استثنائيا، يتجاوز كثيرا المحدود من القدرة صحيا، من أجل أن أتجنب عامدا الكتابة عن رحيلك، بوحي من مشاعر الفجيعة، لان المطلوب ليس استدار الدموع، وإنما تبيان الفادح من خسارتنا، خسارة هذا الصنف النادر من النساء، نساء زمن الكفاح والتضحية بدون تردد ، نساء زمن العطاء والعمل بدون حدود، وفي ظل أصعب الظروف، وبصمت الأنبياء!

وأقول جازما، أن سهام حسين علوان ( أم سلام) كانت من بين هذا الصنف النادر من النساء، ممن تركن الوطن قبل ثلاثة عقود من الزمن، بفعل الضرورة القصوى وللحافظ على شرف الذات، ليس والله من باب الخاص من الإشادة شخصيا، وإنما من منظور الكثير ممن عرفوا كما عرفت فقيدتنا الغالية،سواء بين من رافقوا خطوتها الأولى، في ميدان العمل النضالي والمسرحي في بغداد، أو من كان لهم شرف معرفتها عن قرب، في بيروت ودمشق ولاحقا كوبنهاغن، وما أعتقد أن مشاركة الكثير من أبناء الجالية العراقية في الدانمارك، ومن مختلف الأعراق والمشارب الفكرية والسياسية، في مراسيم تشيع الفقيدة صوب مثواها الأخير، كان مجرد ضرب من القيام بالواجب، وإنما كان والله، بمثابة المضاف من الدليل، على الخاص والمتميز من مكانة الفقيدة في نفوس الناس، وليس فقط وسط العراقيين، وإنما جميع من شاركوا الفقيدة العمل مسرحيا وسينمائيا من أهل الدانمارك!

لا أريد، وفي الواقع لا يتسع المجال، وفي سياق هذا المحدود من السطور، الكتابة عن سهام، بنت حزب الشيوعيين الباسلة، ولا عن سهام عاشقة المسرح بلا حدود، ولا عن جميل صنع سهام في العمل إبداعيا مع الزهور من الأطفال خلال السنوات الأخيرة من عمرها الحافل بالعمل والعطاء، وإنما أريد التأشير وحسب، عند هذا الذي كان موضع إجماع الكثير ممن عرفت، اجتماعيا أو  بحكم العمل، وسط النساء والرجال، وبشكل خاص أتحدث عن العاملين في الميدان الثقافي والإعلامي، أقصد تحديدا إجماعهم ودون استثناء، على المتميز من حب وصدق وفاء سهام اللامحدود للناس، وتقديمها ودون تردد، كل ما تستطيع من جميل العون، في ميدان العمل أو إنسانيا، لكل من كان لهم ذات يوم، شرف العمل معها عن قرب، وبحيث باتت وفي المختلف من مواطن المنفى، خير الصديقة وسط النساء، وخير المضاف من الشقيقة وسط الرجال!

لكل ما تقدم من جميل الخصال، والمتميز من الود في التعامل مع الناس، ظل وعلى الدوام منزل الفقيدة، منزل أم وأبو سلام، وأكثر بكثير من معظم منازل أهل المنفى، ملتقى للكثير من الصحفيين والكتاب وغيرهم من أهل الثقافة، وبشكل خاص الفنانين من أهل المسرح والفنون التشكيلية، وأتذكر تماما، كيف تحول هذا المنزل بالذات وطوعا، لورشة عمل بكل معنى الكلمة، وبحيث كان من المألوف للغاية عند زوار هذه الأسرة الكريمة، كما هو الحال خلال سنوات تواجدها في دمشق، مشاهدة فنانة الشعب الخالدة زينب، وهو تشرف على بروفة لعمل مسرحي جديد لسهام علوان وغيرها من فنانات فرقة بابل المسرحية، وفي المجاور من الغرفة، كان يمكن سماع ما يجري من المناقشات بين رفيق عمرها النحات خليل ياسين مع غيره من الفنانين التشكيليين، في سياق البحث عن تأجير قبو رخيص ، يكون مناسبا للعمل ولضمان حفظ نتاجاتهم الإبداعية، خشية من تعرضها للتلف، بفعل تكرار نقلها من بيت إلى أخر، بما في ذلك أعمال المعروف من الفنانين التشكيليين، والتي كانت تصل من المنافي الأخرى، للعرض في مهرجانات رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين العراقيين في دمشق!   

وصدقوني في ظل أصعب الظروف ،ظروف مخاطر العيش في لبنان، أو ويوم راح المتكرر من الخيبات في سوريا المنفى، يحاصر نفوس الكثير من العراقيين، بفعل طول المرير من سنوات العيش خارج الوطن ، ما شاهدت سهام، ولو لمرة واحدة، بدون الجميل من الابتسامة، وما كان ذلك والله، ضربا من التصنع، وإنما علامة على المضاف، من رائع قدرتها على ممارسة فعل التحدي، كيف لا وهي الباسق من الزهرة، وسط عائلة من زمن الكفاح والتحدي، ولا تضم غير الباسل من الأبناء، وكيف لا، وسهام كانت بمثابة نعم الابنة والتلميذة، لفنانة الشعب الخالدة زينب، وتعلمت في صفوف الحزب ومدرسة أم شاكر مسرحيا، كيف يمكن للمرء أن يتحدى الصعاب، ولا يفقد الأمل أبدا، بجميل القادم من الزمن وأن طال، زمن أهل الديمقراطية والعدالة والمساواة، زمن جميع من كرسوا حياتهم بثبات من أجل خير وسعادة الناس!

شخصيا لا يساورني الشك مطلقا، أن ذكرى العزيزة من الشقيقة سهام حسين علوان، سوف تظل في خاطر جميع من عرفوا أم سلام عن قرب، وعندهم سوف تظل على الدوام، في موقع من لا يموتون من الناس، وأن غادروا هذا العالم مبكرا وقبل الأوان، وفي هذه الساعة والى الأبد، سوف يظل يتردد في خاطري صوتك الحنون يا سهام، وهو ينقل بشارة انتصارك على الوحش من خبيث السرطان، يوم بكيت من الفرح كما لم أبكي من قبل أبدا، دون أن أدري أن مغادرتك فراش الموت، ما كان بفعل دحر السرطان، وإنما تحقيق المؤجل من الحلم، حلم ألام، حلم المشاركة في عرس الحبيب سلام!

وعذرا أبو سلام، أن ما كنت جوارك ساعة المصاب، ولا حتى فكرت حتى اللحظة بمواساتك هاتفيا، حيث أدري أن كل ذلك لا يجدي، لان أن المصاب جلل، ورحيل رفيقة عمرك، ضربة في صميم العظم، وعندك بمثابة كسر ظهر، ولا يكفي مطلقا لمشاطرتك وجع الحزن مجرد القول : البقاء في حياتك، أو شد حيّلك، وغير ذلك من مألوف عبارات المأتم..و..صدقني لا أدري، ما جدوى ترديد هذا الميت من العبارات، على مسامع رجل فقد الحبيبة والصديقة، بعد عقود من جميل مشترك العيش، وحياة حافلة بالعمل والعطاء والذكريات؟!

في هذا المفجع من الساعة، ما عاد يجدي فعل المواكح لتجاوز وجع الحزن، ولا نملك يا عزيزي ومن بعد طول العناد في رفض رحيل من نحب وسط القريب من الناس، سوى الاعتراف هذه المرة وعلنا، بهزيمتنا أمام سافل فعل الوغد من الموت!

سمير سالم داود 6 آب 2009

alhakeca_(at)_gmail.com

هامش : للإطلاع على بعض وقائع الحافل من مسيرة عطاء الفقيدة سهام علوان في ميدان التمثيل المسرحي والسينمائي، يمكن وفي العنوان التالي، زيارة موقعها الخاص على شبكة الانترنيت، والذي يتضمن كذلك بعض إبداعات زوجها العزيز من الصديق خليل ياسين في ميدان الفن التشكيلي : www.sihamkhalil.com

  كتب بتأريخ :  الخميس 06-08-2009     عدد القراء :  2080       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced