ألمسيرة الباسلة للمناضلة الجسور ماري ميخائيل غريب
بقلم : كمال يلدو
العودة الى صفحة المقالات

اذا كان للصورة الفنية الرائعة التي رســــمتها ( فـرقة الطريق) للأغنية السياسـية في اغنيتها الشهيرة "مكبعة" ان تجــد لها تؤاما في الحياة الواقعية ، فأنها عندي ، وعند كثيرين ، بدون تردد تنطبق على المناضلة الوطنية الراحلة " ماري ميخائيل غريب – ام حرية – ام احســان"!
في ذلك الزمـان الذي كان فيـه المجتمع العراقي ينهض لتوه ، متلمســا طريقه الصعب الطويل ، في التحرر والخلاص من القوانين الرجعية والعادات البالية والاستعمار البريطاني في عقدي الاربعينات والخمســينات من القرن الماضـي، كانت لشــوارع بغداد وازقتها مواعيدها مع " أم حرية" . تلك المرأة الجســور، والمناضلة المقدامة ، والام التي لم تتعب ابدا، في عملها وتفانيها في نشــر الوعي بين صفوف النساء العراقيات ، وبالذات في المناطق الفقيرة والكادحة . يتذكرها جيدا الجيل الاول للرابطيات العراقيات ، ويعرفها اكثر رجال الامن والشــرطة وسجون الانظمة القمعية .
اذا كان للكلمة الحق ان تقال في مدى التقدم الذي حصل في القوانين المتعلقة بحقوق المراة والاحوال المدنية وتنظيم الاســرة ـ عام 1959 ـ وكونهـا الارقـي بين مثيلاتها في دول الجوار والـدول العربية قاطبة، فأنها لم تأت بلا تضحيات او ثمن دفعته مناضلات جسورات من امثال ام حرية.
اختارت "ام حرية" مســيرة حياتها بـوعـي متقدم نادر، فأرتبطت حياتها بقضية الشــعب والكادحين .في الايام الاولى من انقلاب شباط الاســود 1963، اسـتشــهد زوجها المناضل " عبد الاحد المالح ". فواصلت بأصرار ذات الطريق النضالي ، معيلة اربعـة ابناء ، متحملة شــتى الصعاب ، ولا اقلها المتاعـب التي كانت تلقاها من كنيتها : " ام حرية" ، هـذه الكنية التي كانت تجذب الانظار اليها وكأنها تومــأ لحاملتها بأنـها تننتمي لكوكب آخر. وبسرعة بديهة يكون جوابها : " شـــنو مســـامعين كلمــة حرية ، ما تعرفون معناها ؟ " . كل من عرفها، يفهـم ان هذه المناضلة البطلة ، التي لم تكن طويلة القامة ، كان صـوتها الواثق وثابا كلبوة ، حين تهـم بالدفاع عن مثلها ومبادئها الســامية ، التي ســقت ابنائها منها . وكانت تقاوم بل هدنة ، مثل عشرات المناضلات الباسلات مثلها، تميزت مسيرتهن الشاقة والصعبة والمليئة بالعذاب . ازواج معتقلين او ملاحقين او شهداء ، تربية الابناء في ظروف اقتصادية متعسرة ، مواجهة الانظمة المتخلفة والبوليسية ، مجابهة العادات البالية وشــقاء الحياة .
ان من يتذكر "ام حرية – ام احسان" لا يمكن ان ينســـى كلامها الودود . لن انس شخصيا تشــجيعها الرائع لابناء جيلنا ، حين كنا نلج اول طريق الفكر والسياسة. كان بيتها الرائع في منطقة البلديات ، في بغداد ، خيمة حنان وافـرة الظلال . مترع بكلماتها الطيبة ، وكل ما تجود بـه نفســها الكريمة . لــم تكن تميز بيننا وبين ابنائها . لــم تكن تنصحنا بقـدر ما كانت تحثنا للعمل بروح التحدي ، وتنحت فينا روح الاصرار ، مثل الصائغ حينما يوجه النار الى قطع الذهب ، لتخليصـها من الشوائب وابراز نقاءها . تلك كانت "ام حرية".
وبسبب سياسات النظام الديكتاتوري الجائر، ومثل الكثير من المناضـلات اللواتي منحن الوطن والشــعب وقضيته العادلة احلى واجمل ســني حياتهـن ، وجـدت " ام حرية " طريقها الى المنفى عام 1993. ورحلت عنا في 3 / 12 / 2004 ، ومثل العشرات من زميلاتها ورفيقاتها المناضلات الباسلات ، دون ان تحصل على التكريم المناسب الذي تستحقه . رحلت بصمت وهدوء بعد ان ملأت العالم ضجيجا واقضت مضاجع رجال امن وشــرطة الانظمة الجائرة .
ألم يحن الآوان الان لمطالبة اجهزة الدولة المعنية بتوثيق نضال ومسيرة المناضلا الباسلات مثل ام حرية وزميلاها ورفيقاتها ؟ أن ننشأ لوحا جداريا تكريما لهن ولعطائهن ؟ التهيئة لنواة متحف يضم سيرة مناضلات شعبنا والحركة الوطنية ؟ نطالب بتسمية مدرسة بأسم ( ماري ميخائيل غريب ـ أم حرية ) ؟
في كل 8 آذار تتجدد الذكرى العطرة للمناضلة الباسلة الجسور "ام حرية – ام احســان" ، التي كانت أما رائعة ، خلفت وربت ابناءا ساروا على نهج أمهم التي ارضعتهم الحرية والبسالة .

  كتب بتأريخ :  الأحد 08-03-2009     عدد القراء :  2698       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced