\"زهرة السلمان\"....!
بقلم : رضا الظاهر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

من المرجح أن غلوب باشا لم يكن يعرف شيئاً عن نخل السماوة، وتلك السمراء التي "طرّته" .. لا عن حيرة جلجامش الوجودية .. ولا عن الفرات الذي يزداد جمالاً كلما ازداد طغياناً .. ولا عن مفارقات هذه البلاد التي تنهض ما بين نهرين !

ومن المرجح، أيضاً، أنه لم يدر في خلد الجنرال الانجليزي أن الصحراء التي شيد فيها سجناً ما كانت تقوى على إلحاق هزيمة بزهرة في أرض السلمان !

ولربما كان "أبو حنيج" يتخيل أن هذه القلعة المعزولة قادرة على أن تسكت أصوات المعارضين للاستبداد والمتطلعين الى الحرية .. وما كان يعلم أن الطغاة عندما يقطفون الأزهار كلها لن يستطيعوا منع قدوم الربيع !

وتلك هي المأثرة التي اجترحها آلاف السجناء الشيوعيين في نقرة السلمان عبر عقود من الزمن شهدت أمثلتهم التي ماتزال منيرة، تلهمنا القدرة على الأمل والتحدي ومواصلة المسير صوب غاياتنا الساميات ..

هنا، في هذه الأرض، وقريباً من المكان الذي نلتقي فيه، حيث قامت الوركاء، ولدت أول قصيدة في التاريخ، والأجمل والأعمق دلالة أنها كانت من إبداع امرأة، وهي قصيدة (ابتهال أنخدونا الى إنانا السومرية) .. وهنا، في هذه الأرض، التي تعاقبت عليها المحن، ولدت الأبجدية، وأسئلة الحياة، وملاحم الأدب، وكائنات الفن ..

فهل كان مكتوباً على هذه البلاد أن تتحمل آلام التاريخ ؟ أكان جلجامش، يا ترى، يعلم، وهو الذي رأى كل شيء، أن سجناً سيشيد هنا، وأن عراقيين حاملين رايات النور التي رفعها، وهو هائم في غابته، ستضمهم زنازين هذه القلعة ؟

لعله كان يعلم، وهو الباحث عن الخلود، أن سجناً لن يستطيع القضاء على زهرة .. فقد كانت الزهور، على الدوام، هي التي تلحق هزيمة بجدران السجون ..

هنا ستظل زهرة الشيوعيين تنبيء أن غداً سيحمل لبلاد الآلام ذلك النور الذي يضيء طريق المكافحين الى تلك الضفاف .. الى نخل السماوة، وجمال الحياة، ومجد الانسان، وعدالة التاريخ .. ونحن الشيوعيين من سيمضون في طليعة السائرين صوب تلك الضفاف ..

هنا كتبوا على جدران كانت مضيئة حتى عندما كان يغمرها ظلام السجن ..

هنا قدموا صورة ساطعة للتضامن بين المكافحين وهم يحولون سجنهم الى مدرسة حقيقية للمعرفة والجسارة في النضال ضد الطغيان ..

هنا تعلم الآلاف من خيرة أبناء شعبنا كيف يروّضون الروح ويتشبثون بقوة الانسان الداخلية التي لا تقهر ..

هنا تعلموا أن العراق، عندما يكون بيد الظلاميين، هو السجن الكبير .. وهم الذين اختارتهم الحياة كي يحطموا أبواب هذا السجن حتى تنطلق بلاد ما بين النهرين نحو حريتها الحقيقية ..

هنا كانوا ينشدون أغاني الثائرين .. وتصدح أصواتهم بهتافات التنوير ..

وهنا قدمت أمهات السجناء الشيوعيين وأخواتهم وزوجاتهم وحبيباتهم أسطع دليل على تحدي الجلادين، حيث كنّ يحملن، على الدوام، تلك المشاعل التي تضيء دروب المكافحين، وتزودهم بروح المقاومة، وهي تمنحهم الأيادي المحبة ..

هنا وهب الحالمون أجمل سنوات العمر للمثل السامية باقات زهور لا تذبل، وينابيع حب لا تنضب، ورايات مسير لا تنتكس ..

ومن هنا علمونا، جيلاً بعد جيل، أن صحراء الاستبداد عاجزة عن أن تقتلع زهرة السلمان .. زهرة العراق ..

هؤلاء الذين كانوا هنا دخلوا الى أنصع سجلات التاريخ مع أقرانهم من سجناء الرأي: سقراط وغاليلو، موسى بن جعفر وابن خلدون، فولتير ودانتي، فهد وسلام عادل .. وقد شرّفوا، بأمثولتهم، هذا السجل الملهم ..

نحن الشيوعيين .. نحن السعاة الى تحطيم السجون، كل السجون، تمهيداً لتغيير الحياة عبر الاطاحة بعالم الاستغلال، وإقامة العدالة الحقيقية على أنقاض سجون رأس المال ..

ما من مجد يليق بنا أسمى من نخل السماوة ..

ما من تراتيل ننشدها أعذب من تراتيل الوركاء ..

ما من زهرة نحتفظ بها أجمل من زهرة السلمان ..

نحن الذين نخسر أغلالنا لنكسب عالماً بأسره

______________

ألقيت في الاحتفال الذي أقيم أمس الأول السبت في نكرة السلمان

  كتب بتأريخ :  الأحد 20-04-2014     عدد القراء :  3441       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced