الرهان الخاسر . . .
بقلم : د. صادق إطيمش
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لهذا الرهان وجهان يتعلقان بعملة واحدة اسمها البعثفاشية، مع الإحتفاظ بجميع الأوصاف الدنيئة المرافقة لها. هذه العملة الصدئة التي كان البعض يأمل ان تجلوها النكبات التي سببتها للملاين من البشر والجرائم التي ارتكبتها بحقهم، خاصة العراقيين منهم، فتزيل عنها ذلك الصدأ الأسود الذي ملأ كل زاوية من زواياها واحاط بها من كل صوب وحدب. إلا ان ما يجري حتى اليوم في وطننا العراق قد خيب كل آمال هذا البعض.

فانطلاقاً من هذا الأمل الخافت برزت اصوات، وبشكل متكرر، لتضع الرهان الأول على الساحة السياسية العراقية وذلك من خلال طرح البعثفاشية كجزء من العملية السياسية التي تبلورت بعد الإحتلال الذي اطاح بدكتاتورية البعث عام 2003. وعلى هذا الأساس، واستناداً إلى هذا الطرح برزت، وبالتدريج، رؤوس مجرمي البعث لتتحرك من جديد بعد ان كان اعظمهم شأناً لا يجرؤ على فتح باب داره خلال الأشهر القليلة التي تلت سقوطهم في مزبلة التاريخ. واستمر هذا الخروج التدريجي ليمارسه مجرمون مارسوا كل انواع الجرائم التي تضمنتها قائمة البعث وذلك منذ انقلابهم الأسود الدامي في الثامن من شباط عام 1963 وحتى لجوءهم إلى جحور الفئران عام 2003. برزت رؤوس مريدي البعث لتراهن على ما أخذ يظهر على الساحة السياسية العراقية من تمحور ومحاصصات وتقاسم للغنائم قادتها احزاب الإسلام السياسي التي خططت لجعل الوطن محلباً لها ومنجماً لإشباع جوعها ولجم نهم قادتها، حتى اصبح العراق الغني بكل ما لديه من موارد وطاقات وإمكانيات يضاهي اكثر الدول تخلفاً في ارتفاع مستوى الفقر وانهيار الخدمات وتفشي الجريمة وتفاقم الإرهاب واشتداد حرب المحاصصات وشيوع الطائفية وسيطرة العشائرية بعودة قوانينها لتحل محل القضاء العراقي، وكل المآسي التي ظلت تتكرر كل عام وبوتيرة تكاد تكون اشد من سابقاتها من الأعوام. فكانت هذه الأجواء التي بلورها الإسلام السياسي خير اجواء لتحرك رؤوس البعث، حتى تلك التي ارتكبت ابشع الجرائم في عهود تسلطها، لترفع عقيرتها من جديد ولكن بعد ان خلعت الزيتوني وكل ما لصق به من ادران الجريمة لتلبس الجبة والعمامة، او حتى انها تجرأت، من خلال خلق الوضع السياسي الذي تبلور بعدئذ، لتخرج بنفس ذلك الزي الذي مارست به الجريمة، ولكن بنبرة دينية هذه المرة متخذة من رواد الطائفية خير عون لها على تنفيذ اجندتها الجديدة هذه. وبنجاح احزاب الإسلام السياسي بزرع الطائفية وانتشارها في وطننا استطاعت البعثفاشية ورؤوسها التي برزت مجددا من ان تحقق مكاسب كبيرة جداً من خلال خطابها الديني المغموس بالفكر البعثي الإجرامي. وعلى هذا الأساس لم يجد رواد الإسلام السياسي ما يمنع من وضع هذه القوى الدينية البعثية على قائمة المصالحة الوطنية علَّها تجد من خلال المنفذ الديني الذي يشترك فيه الجميع، والحمد لله، بعض المشتركات والملتقيات التي تحفظ للكل الإستمرار في نهب الوطن وسلب خيراته وتجويع اهله، وفي نفس الوقت ضمان السيولة النقدية وتثبيت الأموال غير المنقولة في مصارف وعلى اراضي الدول الآمنة اوما يطلق عليها بعضهم الكافرة ، إلا ان ضمان الأموال هناك شيئ والكفر شيئ آخر، حسب بعض فتاوى فقهاء السلاطين. واستمر رهان المصالحات بقوانين تتغير حسب الطلب والحاجة ووجوه تتناوب على تطوير مصطلحات المصالحة لتعثر على المصطلح الذي لا يشكل معارضة فنية، على الأقل، بين مصافحة اليد التي لم تزل تقطر منها دماء العراقيين وبين الإرث الإجرامي لعصابات البعث والذي لم يغب عن فكر الملايين من العراقيين، خاصة اولئك الذين عاشوا في وسط هذه الجرائم ونالهم منها ما نالهم من قتل وتعذيب وسجون وانتهاك اعراض وملاحقات وتشريد وتهجير ومحاربة في الرزق.

إلا ان المراقب لتطورات الساحة السياسية العراقية منذ سقوط البعثفاشية في وطننا العراق وحتى هذه الأيام الحرجة التي يمر بها من خلال تعرضه لإرهاب الدولة الإسلامية وتصديه لهذا الإرهاب البشع، يجد ان رواد البعثفاشية في العراق لم يكتفوا بفرض انفسهم كشركاء في العملية السياسية من خلال ولوج الباب الديني الطائفي الذي يلتقي مع المحور الطائفي الآخر، وهذا ما يضمن البقاء للإثنين، بل اصبحوا اليوم ينادون بالمزيد وبحجج مختلفة لا تتعلق بالمصالحة بقدر تعلقها بقناعة هؤلاء البعثيين بانهم يتعاملون مع قوى لا هم لها سوى المحافظة على امتيازاتها التي لا يريدون التعرض لها، بل مشاركتهم بها وعلى اوسع نطاق. ومن هنا تتبلور القناعة على الشارع العراقي بوضع التساؤل المشروع حول ماهية النداء بالمصالحة مع قوى لم تغير من نهجها الإجرامي وتوجهاتها العبثية بما تخطط له بعد ان وجدت اوتاراً طائفية وقومية جديدة تعزف عليها لتسير بالوطن واهله نحو هاوية جديدة كتلك التي قادت البلد لها ايام تسلطها الأسود قرابة اربعين عاماً.

وانطلاقاً من نفس القناعة اعلاه يبرز هؤلاء البعثيون مجدداً ليعلنوا وبملئ افواههم شكوكهم بجدوى الحرب التي يخوضها الشعب العراقي اليوم ضد قوى الظلام، مجرمي الدولة الإسلامية وضد كل ما يسعون على نشره في وطننا وبين اهلنا سواءً في المحافظات التي احتلوها، بمساعدة حواضنهم هناك والقوى الحكومية المتخاذلة التي باعت هذه المحافظات لهؤلاء المتخلفين، او من خلال عمليات التفجير الإجرامية في محافظات العراق الأخرى، وخاصة في بغداد الحبيبة الصامدة امام جرائم هؤلاء الأوباش. لقد خرج بعثيو الأمس إسلاميو اليوم وهم يذرفون دموع التماسيح على الإنتهاكات التي تطال اهالي المحافظات التي يدَّعون تمثيلها ويشككون من خلال ذلك من جدوى التصدي العسكري لمجرمي الدولة الإسلامية الذين يحتلون اراضيها ويهتكون باعراضها ويهجرون اهلها. ويراهنون في نفس الوقت على إثارة النعرات الطائفية التي اصبحت ديدنهم، كرفاقهم الطائفيين الآخرين، آملين ان ينالوا هذه المرة ولو شيئاً من تحسين سمعتهم حتى في محافظاتهم التي اوصلت بعضهم إلى مواقع المسؤولية بعد ان إنخدعت بوعودهم، كما انخدع غيرهم في محافظات العراق الإخرى باحزاب الإسلام السياسي ووعودها الكاذبة، وليس لمرة واحدة او مرتين فقط مع الاسف الشديد.

تشكل الحرب، اي حرب، ماساة اجتماعية لا يمكن تجاوز نتائجها ومخلفاتها بوقت قصير او بسهولة ويسر. وحتى وإن استطاعت بعض الأمم التي تعرضت للحروب من التخلص من آثارها المادية، فإن آثارها الاخرى النفسية والثقافية وكل ما يتعلق بالعلاقات الإجتماعية تظل ماثلة يعاني منها المجتمع لفترات طويلة من السنين. وهذا هو ما يتعرض له شعبنا اليوم ومنذ سنين عديدة خلت عاش وطننا واهلنا فيها من مآسي الحروب العبثية البعثية منها وغير البعثية الكثير الكثير ولا زال يعيش هذه المآسي التي باتت تتجدد اليوم بخوض الحرب ضد قوى التخلف والظلام والجريمة المتمثلة بالدولة الإسلامية وزعانفها داخل وخارج الوطن. لذلك فإن المنطق الوطني يقول ان السياسي الغيور على وطنه والذي يتبوأ مراكز المسؤولية التي تدر عليه الأموال والعقارات والثراء الفاحش على حساب قوت الشعب المسكين وفقراءه المعدمين، يجب ان يسعى اول ما يسعى إلى المساهمة الفعلية على ساحة الحرب وبذل ما يستطيعه في كل المجالات بان يفخر بتحرير وطنه من رجس الأوباش، لا ان يبتعد عن هذه الساحة كلياً ثم لا يكتفي بهذا الإبتعاد، بل يسعى إلى خلق الفتن بين صفوف المقاتلين وإشاعة النعرات الطائفية والمناطقية والعشائرية، لا بل والتحريض على الجفاء والكراهية، وهذا ما سمعناه في الأيام الأخيرة من اكثر من بعثي من بعثيي الأمس مسؤولي اليوم في العملية السياسية الجارية في وطننا.

من الطبيعي ان لا فائدة ترجى من توجيه النقد او اللوم او العتب لمثل هؤلاء البعثيين، إذ ان الذي تخلى عن الغيرة الوطنية وانغمس بكل جسده في اوحال الطائفية والقومية الشوفينية والعشائرية و المناطقية، سيان لأي طائفة انتمى وبأي دين تمسك، لا يمكنه ان يتجاوب ايجابياً مع توجه يروم التأكيد على الوطن والمواطنة لا غير. إلا ان القناعة الأكيدة التي نستطيع ان نزعج بها مثل هؤلاء اليوم هي إخبارهم بان دعواتهم الجبانة هذه سوف لن تنال شيئاً من عزيمة الشعب العراقي على محاربة مجرمي الدولة الإسلامية الذين إعتبرتموهم بالأمس وقد جاءوا محررين للمحافظات التي احتلوها وإن اهل هذه المحافظات بخير تحت تسلط هؤلاء المتخلفين كما كنتم تدَّعون. إن رهانكم هذا رهان خاسر، وكما خسرتم الرهان على اطروحاتكم الفكرية بالأمس، فستخسرون الرهان على اطروحاتكم الطائفية اليوم.

  كتب بتأريخ :  السبت 14-03-2015     عدد القراء :  1764       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced