اقتحام السماء .. تأملات في الحراك الشعبي (5) / رضا الظاهر
بقلم : رضا الظاهر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

مواقف متناقضة .. رؤية غائمة .. تشبث بالامتيازات

جلي أن التظاهرات، التي اتسمت، في بدايتها، بالعفوية، وفاجأت الجميع، انطلقت على الضد من ارادة القوى المتنفذة. وتردد بعض هذه القوى في اعلان موقفه، ودخل، وما يزال، في طور المراقب، بينما استعادت قوى الاعاقة مبادرة الهجوم بعد "هزيمة" أو تراجع تاكتيكي مؤقت. وماتزال تواصل مساعيها المحمومة لعرقلة المشاركة عبر تشويه طبيعة الحركة الاحتجاجية، وإثارة مشاعر الخوف منها. وفي هذا السياق حذر رجال دين من أن المظاهرات تضعف الحركة ضد الارهاب، بل إن البعض منهم هددوا العلمانيين، واصفينهم بـ "المتآمرين على الاسلاميين".

أما الاجماع الذي بدا أنه تحقق في مجلسي الوزراء والنواب فلم يكن سوى انحناء أمام عاصفة التظاهرات الحاشدة ودعم المرجعية الواضح والحاسم لها. بل إن رئيس الوزراء نفسه، وهو صاحب مشروع الاصلاح، قلل، في البداية، من شأنها، معتبراً حزمة الاصلاحات التي قدمها استجابة لمطالب المرجعية، متجاهلاً، بذلك، مطالب المتظاهرين، فيما بات جلياً، على نحو أكبر، أن معظم أعضاء الحكومة والبرلمان يعارضون الاصلاح الذي يهدد مصالحهم الضيقة، وسط اشتداد الصراع ووضوح وجهته وهيمنة عقلية الامتيازات.

لقد تباينت مواقف القوى المختلفة، بل وتناقضت، وهذه مسألة طبيعية ومفهومة، في ظل منهجية توازن النفوذ تحت خيمة المحاصصة أو التوافق. ومن أجل فهم أعمق لقضية الحراك يتطلب الأمر منا إضاءة وتحليل هذه المواقف.

العبادي .. تردد .. وخيبة أمل

تميزت سلطة رئيس الوزراء حيدر العبادي، بديلة سلطة المالكي، في عامها الأول، بالتردد والتلكؤ والبطء في انجاز الكثير من المستحقات التي تعهدت بها في اطار الاتفاق السياسي وبرنامج الحكومة. وبرزت اشكاليات جدية حول جدارتها وقدرتها على المضي في تحقيق وعودها.

وكان العبادي مقيداً، الى حد كبير، بطائفة من العقبات والعراقيل الداخلية والخارجية، داخل كتلته وحزبه، ومع الكتل الأخرى.

وما كان ينتظر من حكومة العبادي واجه خيبة أمل ليس عند الجماهير حسب، وإنما، أيضاً، لدى قسم ممن ساندوه رغبة في رؤية مشهد آخر غير المشهد المأساوي القائم.

ولم تكن الحكومة موحدة في تبني وتنفيذ الاصلاحات. فباستثناء رئيس الوزراء والطاقم الاداري والفني الذي يحيط به، يمكن القول، بثقة عالية، إن معظم أعضاء مجلس الوزراء، ولاسيما شاغلي الحقائب الوزارية الأساسية، غير مقتنعين بالاصلاح، ويعتبرونه خطراً على امتيازاتهم ومواقعهم في السلطة.

وبعد أن تفاجأت القوى المناوئة للاصلاح بضغط الشارع، وحزمة الاصلاحات التي قدمها رئيس الوزراء، من دون تشاور مسبق، واضطرارها الى الموافقة عليها، والانحناء أمام قوة الحراك الشعبي، استفاقت من صدمتها، وشرعت باتخاذ خطوات عملية لمقاومتها من خلال تقديم طعن الى المحكمة الاتحادية، والاتكاء على الآليات الدستورية والقانونية، واطلاق التصريحات المستهينة بها والمشككة في النوايا السياسية الكامنة وراءها.

ومن المفارقات التي انتجها التقاء المصالح ارتفاع أصوات قادة سياسيين متنافرين، وهي تلوح بامكانية تغيير رئيس الوزراء، واقتران التناغم في التصريحات بتحركات للتنسيق في المواقف.

وتملك هذه القوى من مواقع النفوذ والتأثير والقوة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ما يمكنها من اجهاض عملية الاصلاح ما لم يتشكل اصطفاف سياسي وشعبي واسع داعم للاصلاح، وقادر على لجم مثل هذه المحاولات، والمضي في عملية الاصلاح.

لقد كانت كل الاشارات تدل على أن العبادي كان، في البداية، مؤيداً للحراك، ومعتبراً استمراره عنصراً ايجابياً وضاغطاً. غير أن بعض الحقائق تكشف عن محدودية هذا الموقف، وبينها، عل سبيل المثال لا الحصر، عدم سماح قوات الأمن بادخال الأجهزة الصوتية الى ساحة التحرير ببغداد واتخاذ اجراءات تعرقل وصول المتظاهرين الى الساحة. ولا يعرف المرء ما اذا كان العبادي مسيطراً على القوات الأمنية وهي تحاصر الحراك.

ومعلوم أن العبادي التقى بممثلي المتظاهرين، وكان، حسب ما نقلت الأنباء، ودياً، فيما كان ممثلو المتظاهرين صريحين. وأشير الى ان العبادي تحدث عن مقاومة وكبح وحيتان فساد وقوى عرقلة. واذا كان هذا الكلام صحيحا، ألم يكن واجباً الاستعانة بقوى الحراك، وإحاطتها علماً بنواياه وتصوراته ؟

كان هناك نقص في عملية التواصل التي لم ترتق الى المستوى المطلوب. وجلي أن العبادي لم يحسن الاستفادة من الحراك الذي راح يتساءل، في سياق الموقف غير الواضح وغير الصريح، عما اذا كان العبادي يريد استثمار الحراك كعنصر ضغط وكورقة في الصراع السياسي، أم أنه يريد اجراء تغيير حقيقي فعلاً.

وبات جلياً أن الاصلاحات تتحرك على مفاصل ليست في مصلحة القوى الشعبية، فهي لا تسعى الى تلبية الحاجات المباشرة للناس لادامة الزخم والارتقاء بالمتطلبات. وبدا العبادي في وادٍ والحراك في وادٍ آخر. فقد كانت مكافحة الفساد، وليس تبديل او دمج الوزارات، أولوية لدى الحراك عندما شرع رئيس الوزراء في اتخاذ اجراءاته.

ومن هنا بدأ بعض المتحمسين للعبادي بتدقيق موقفه والتأمل في رؤيته الغائمة والتساؤل عن حقيقة وعوده بالاصلاح.

وعلى أن العبادي لم يقف، بشكل عام، ضد الحراك، فان موقفه اتسم بشيء من التردد والتناقض وعدم الصراحة وغياب الرؤية المناسبة لاستثمار الحراك والوقوف ضد قوى الاعاقة. ويعكس هذا الموقف حدة واشتداد الصراع السياسي والتصادم بين قوى العملية السياسية التي تحكمها المحاصصات والامتيازات. ويكشف عن حقيقة أن موازين القوى في الحكومة والبرلمان ليست، في اللحظة الراهنة، لصالحه.

المرجعية .. أبعاد ودلالات الموقف

مارس الموقف الايجابي للمرجعية العليا في النجف من التظاهرات دوراً مؤثراً في تعزيز زخم الحراك وتوسيع قاعدته الاجتماعية، فقد ارتفع صوتها، منذ البداية، وتعمق نقدها للأوضاع المأساوية القائمة، وأعطت إشارات واضحة لتأييد الحراك ومشروعيته. كما شكل تفاعلها مع مطالب المتظاهرين العادلة، ودعوتها رئيس الحكومة الى التحلي بالشجاعة والحزم والضرب بيد من حديد على الفاسدين، عنصر ضغط قوياً على الحكومة للمضي في الاصلاحات، ودعماً لرئيس الوزراء في مواجهة قوى الاعاقة. وجلي أن الحراك هو الذي أسهم في تعبير المرجعية عن موقفها، وتصعيدها هذا الموقف، وقد أقرت هي بهذه الحقيقة.

ويستدعي موقف المرجعية هذا وقفة متأملة متأنية للاحاطة بأبعاده ودلالاته. ويبدو أن المرجعية وصلت الى قناعة بأن استمرار الأزمات وتفاقمها، وانتشار الفساد، وسوء ادارة الحكم من قبل الأحزاب الاسلامية يجعل من الاصلاح ضرورة.

ومما دفع المرجعية الى رفع نبرة انتقادها وتصعيدها خلال فترة الحراك أن الاحتجاجات انطلقت في المحافظات التي تتولى ادارتها الأحزاب الاسلامية، وعبرت عن استياء وغضب شديدين ضد هذه الأحزاب، ونشوء فجوة متنامية بين الحكام والناس، الأمر الذي جعل المرجعية تنأى بنفسها عن أحزاب الاسلام السياسي الطائفية، وتدين سلوكها الشائن في ممارستها للحكم اتحادياً ومحلياً.

الى جانب ذلك أظهر الحراك والموقف منه في العلن التباين في المواقف بين مرجعيتي النجف وقم، وهو تباين كان محصوراً في الاطار الفقهي، وبات ينتقل الى الميدان السياسي.

ومن الطبيعي أن المرجعية لا يمكن أن تتجاهل مصدر قوتها الأساسية، وهم هؤلاء الملايين من أبناء الشعب ممن أصيبوا بخيبة أمل كبيرة من حكم ساهمت المرجعية في إقامته. ويعرف الجميع أن التحالف الوطني هو المسؤول الأول عن الأزمة، ولا يمكن تبرئة أحد، مع أن المسؤوليات ليست متساوية.

وقد أشارت المرجعية غير مرة الى ابتعادها عن القوى الطائفية التي تحكم باسم المرجعية أو تدعي اسناد المرجعية لها، ذلك أن مثل هذا الادعاء شكل، وما يزال، حرجاً كبيراً للمرجعية التي بدأت تشعر أن سوء أداء الحكام يحملها مسؤولية ثقيلة، ويمكن أن تكون وخيمة العواقب. وبدأت المرجعية اعطاء اشارات منذ عهد الحكومة السابقة. وعندما ساهمت المرجعية في وضع حد لولاية ثالثة للمالكي، ودعمت وجود العبادي، كان الأمل أن يتوجه الأخير لاصلاح الأوضاع. وعندما تحرك الشارع اندفعت نحو تأييده، ولاحظنا أن خطابها راح ينسجم، الى حد كبير، في وجهته العامة، مع دعوات ومطالب المتظاهرين.

غير أن المرجعية أصيبت بالحرج، مرة أخرى، جراء تباطؤ الحكومة وتلكئها وترددها. ولهذا، وتحسساً منها لنبض الشارع، وتصاعد الحراك الشعبي، اتخذت موقفاً صريحاً وحازماً الى جانب الاصلاح. وشكل موقفها اسناداً للحراك الجماهيري، وإضافة نوعية في تعديل ميزان القوى لصالح المطالبين بالاصلاح، وعلى الضد من عناصر الاعاقة المتضررة من الاصلاح والمناوئة له.

ولم يتغير جوهر هذا الموقف، على الرغم من محاولات قوى كثيرة التشويش أو التأثير على موقف المرجعية البنّاء السليم، من خلال زرع شكوك بين المرجعية والحراك ورموزه، وافتعال صراع بين علمانيين ودينيين، أو القول، تلميحاً او تصريحاً، بأن التظاهر يستهدف الدين، والاسلام بالذات، أو أنه يخدم أعداء العملية السياسية، ويصب في طاحونة الارهاب، ويضعف دور الحشد الشعبي ومقاومة القوات المسلحة.

ولم يتورع بعض قوى الاعاقة من افتعال قصص، أو حتى دفع بعض عناصر المرتزقة لرفع لافتات، والمناداة بشعارات مشبوهة، وعلى الضد من ارادة المتظاهرين بقصد تخريب العلاقات، ناهيكم عن أساليب دس وتآمر أخرى غير مخفية لتمزيق التلاحم والدعم المتبادل بين الحراك الجماهيري والمرجعية.

لقد نشأت قنوات تواصل بين المرجعية والمتظاهرين، وكان هناك حديث كثير حول مشروعية المطالب، مع تحفظات على بعض الشعارات (باسم الدين باكونا الحرامية .. مثلاً)، وهو ما سبب قلقاً لدى المؤسسة الدينية. وتدرك المرجعية أن هذا الشعار لا يستهدفها كرموز دينية، وانما موجه الى سوء استخدام الدين. ومن الطبيعي والمفهوم أن تقلق المرجعية من الترابط الذي يمكن أن يحدث في ذهن الناس وتفسيرهم لدعم المرجعية لقوى طائفية. إنها تخشى من وصول الشارع الى مرحلة اطلاق مثل هذا الشعار، وكانت تريد تغيير هذه الصورة، والنأي بنفسها من العواقب الناجمة عنها، والتأكيد على أنها غير مسؤولة عن القوى التي تعارضت مع الناس ومع المرجعية.

ولا ريب أن خطاب المرجعية لم يكن مرتبطاً بالتغيير السياسي حسب، وانما، أيضاً، بنقاء المرجعية والتزامها بالقيم العليا، وسعيها للابتعاد عن النتائج السلبية لحكم.

ومن باب الدلالة العميقة أن المرجعية عبرت عن وصولها الى المرحلة التي بح فيها صوتها، مما يعني، من زاوية معينة، أنها غير مستعدة للتمادى وقلب المعادلة والتحول الى نهج ولاية فقيه. كما أنها ترى، من ناحية أخرى، أن كلامها قد يفقد قيمته وهيبته اذا ما كررت نفس المطالب، بينما الحكومة لا تحرك ساكناً ولا تستجيب.

ومهما يكن من أمر فان صمت المرجعية لا يعني انسحاباً، بل هو شكل من أشكال عدم الرضا بل والاحتجاج، دون أن يعني هذا يأسا واستسلاماً لواقع حال، فقد تجد المرجعية أشكال ضغط وتعبير أخرى.

انقسامات .. ترقب .. توجس

وفي ما يتعلق بمواقف القوى السياسية الداخلية ينبغي التأشير الى أن الكتل والائتلافات السياسية المتشاركة في الحكم ليست موحدة في موقفها من الحراك الشعبي وفي معارضتها أو قبولها الاصلاح. فثمة انقسامات واضحة، ويتجلى هذا من خلال تصريحات بعض النواب والشخصيات القيادية فيها، وكذلك بين كتلها البرلمانية وجمهور غير قليل من قواعدها وأنصارها ممن يشارك في التظاهرات أو يعلن تعاطفه معها وتأييده لمطالبها وشعاراتها.

فهناك انقسام معلن داخل التحالف الوطني ما بين التيار الصدري والأطراف الأخرى المتمثلة بدولة القانون والمجلس الأعلى ومنظمة بدر. كما توجد تمايزات داخل كل طرف تظهر بأشكال مختلفة.

وبالنسبة للكتل "السنية" فقد بدت وكأنها تتخذ دور المراقب، ماعدا قياداتها المتضررة مباشرة من اجراءات الحزمة الأولى للاصلاحات التي أعلنت انتقادها لها، وذلك ربما لعدم امتداد الحراك الى المحافظات التي يمثلونها بسبب أوضاعها الاستثنائية في ظل الحرب ضد داعش. وهم يلتقون مع الحراك في توجيه النقد والاتهام لجوانب عديدة في عمل الدولة والحكومة والسلطات الأخرى، لكنهم يتقاطعون كلياً مع توجه رئيسي ينتظم مطالب وشعارات المتظاهرين في اصلاح النظام السياسي، يدعو الى الخلاص من نظام المحاصصة، في الوقت الذي يتمثل جوهر ما تطالب به هذه الكتل في تكريس نظام المحاصصة وزيادة حصتها من المواقع والمناصب والامتيازات في الدولة بمختلف مؤسساتها وسلطاتها.

ويبدو، من زاوية معينة، أن السائد عندهم اعتبار ظاهرة الحراك "شيعية" بسبب حدوثها في محافظات معينة بعيداً عن المناطق السنية. ولم تر هذه النظرة الضيقة، البعيدة عن الاطار الوطني، صفة الحراك الشعبية.

وأما التحالف الكردستاني، الذي نأى بنفسه عن الحراك، فله موقف متوجس من الحركة الاحتجاجية، ويجد في عملية الاصلاح تهديداً والتفافاً على حصته في الدولة الاتحادية التي ضمنها له نظام المحاصصة الطائفية والاثنية. وتخشى أحزاب الحكم في الاقليم من امتداد تأثير الحراك الى كردستان، التي توجد فيها ظواهر مدانة مماثلة لما هو موجود في الحكومة الاتحادية.

وكما هو موجود في الكتل الأخرى هناك تمايز في مواقف المكونات السياسية للتحالف ازاء الحراك وداخل كل حزب، انعكس في مشاركة أعضاء من أحزاب التحالف وأصدقائهم بصفة شخصية في الحراك الذي يحظى بالتعاطف على الصعيد الشعبي.

وبينما قوبلت حزم الاصلاح الحكومية بالارتياح والتأييد من الأمم المتحدة وممثلية سكرتيرها العام في العراق، والدول الأوروبية التي تجد في الفساد وسوء ادارة الدولة معوقاً رئيسياً أمام عمل شركاتها والاستفادة من فرص الاستثمار في السوق العراقية، يحظى الحراك الشعبي وتظاهرات الاحتجاج ومطالب الاصلاح بدعم وتأييد واسعين من القوى والأحزاب الديمقراطية في العالم وأوساط الرأي العام المحبة للسلام والحرية والمناصرة لبناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، والنابذة لكل أشكال التمييز الديني والمذهبي والقومي.

وعلى الصعيد الاقليمي ودول الجوار وجدت ايران في الحراك الشعبي وتوجهات الاصلاح تهديداً لمواقع أقرب حلفائها وأنصارها في العراق، كما شكلت المضامين المدنية للحراك وشدة الرفض والادانة للقوى والأحزاب الاسلامية الماسكة بأهم مفاتيح السلطة مصدر قلق لها، فسارعت الى استدعاء القيادات السياسية للتحالف الوطني في مسعى لضبط الصراعات بين أطرافه، وحتى لا تأخذ الاصلاحات مديات تهدد بنية النظام السياسي ومكانة ودور ونفوذ الأحزاب الاسلامية "الشيعية".

ويغلب المنظور الطائفي على مواقف دول الخليج، والى حد كبير تركيا أيضاً. ويجد هذا ترجمته في الدفع باتجاه لملمة القوى والأحزاب "السنية"، والسعي الى ايجاد مرجعية سياسية موحدة لها لتعزيز مواقعها التفاوضية من أجل حصة أكبر في الدولة والسلطة في العراق، وكذلك تحسباً لاحتمالات نشوء ظروف تسمح بايجاد اقليم "سني" في المحافظات الغربية. وكانت هذه التوجهات وراء مساعي قطر ودول الخليج، بمباركة اميركية، في ما أطلق عليه "مؤتمر الدوحة".

فرصة ثمينة لاعادة النظر

لابد للمراقب أن يلاحظ التفاوت في اندفاع هذه القوى للمشاركة في التظاهرات الاحتجاجية، وتردد بعضها في المشاركة منذ البداية، وانخراطها لاحقاً بتأثير التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية جراء تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية. وقد يشهد هذا الحال صعوداً وهبوطاً، وهو ما يميز كل الحركات الجماهيرية التي تشهد حال مد وجزر، وتاريخ العراق الحديث، ناهيكم عن تجارب حركات مماثلة في بلدان أخرى، ومن ضمنها انتفاضات ما عرف بـ"الربيع العربي"، يزخر بالأمثلة. ولكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الوضع لن يعود الى ما كان عليه قبل انطلاق هذه الحركة الاحتجاجية الشعبية الواسعة، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة الى الوراء، حتى اذا تمكنت القوى المهيمنة على الحكم من احتواء الحركة أو أخفقت الأخيرة في تحقيق اهدافها لعوامل موضوعية وذاتية. فما تحقق سيضاف الى الذاكرة الجمعية للعراقيين وستكون الدروس المستخلصة معيناً لا ينضب في معارك لاحقة قادمة لا ريب.

ومن البديهي ان هذا كله عزز ويعزز رصيد القوى التي تتبنى أصلاً هذا البديل، وكانت تعمل لتحقيقه عبر النضال السياسي ومن ضمنه خوض المعارك الانتخابية. ونقصد بذلك بالدرجة الأولى التيار الديمقراطي، بتنظيماته وشخصياته، وكذلك التحالف المدني الديمقراطي الذي خاض آخر انتخابات محلية وبرلمانية.

بل ويمكن القول إن الحراك الشعبي، والقوى التي ساهم بتحريكها وحال التحدي للوضع القائم التي خلقها، يمثل فرصة ذهبية للقوى الطامحة حقاً الى التغيير الجذري. فبناء حركة شعبية واسعة هو السبيل لتحقيق تغيير في ميزان القوى السياسي والمجتمعي يفضي الى التغيير المنشود

لا جدال بالطبع في أن قوى التيار الديمقراطي ومكونات التحالف المدني الديمقراطي ساهمت ولا تزال في الحراك الشعبي، ولعب ناشطوها دوراً مهماً في تنسيقيات الحراك في بغداد والمحافظات.

ولغرض تقييم هذا الدور يتعين علينا التمييز بين التيار الديمقراطي، الذي هو تحالف سياسي يضم أحزاباً وشخصيات لها موقف واضح في دعم الحراك الشعبي، والتحالف المدني الذي هو تحالف انتخابي ينظر الى دوره في الحراك بنوع من عدم الرضا والاحباط، يتمثل، من بين تجليات أخرى، في غياب التواصل بين نواب التحالف والحراك والتنسيقيات، واخفاق النواب في أن يكونوا صوت الحراك في البرلمان.

ان المطلوب الآن، بعد انقضاء ستة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي، اجراء تقييم موضوعي لإداء التيار الديمقراطي وقوى التحالف المدني الديمقراطي في هذا الحراك.

وهو ما يفترض ان يتوقف عنده المؤتمر القادم للتيار الديمقراطي، عبر مراجعة وتفحص أدائه في هذا الحراك الشعبي تحديداً، بروح نقدية وبجرأة، لتشخيص نقاط الضعف والقصور التي حالت دون ان يرتقي بأدائه ويحقق ما كان يطمح اليه.

إنها فرصة ثمينة لإعادة النظر في مكونات التيار، وفي الصيغة التنظيمية التي اعتمدها عند تأسيسه ومدى فاعليتها، وأساليب عمله. ويطرح تساؤلات عدة، منها مثلاً: هل يمكن توسيع مكوناته لتعبّر بدرجة أكبر عن القوى الحية في المجتمع، وخصوصاً تلك التي برزت وساهمت في الحراك الشعبي.

وتواجه قوى اليسار في التيار الديمقراطي أيضاً تحديات فكرية وعملية طرحتها الحركة الاحتجاجية ويتعين التصدي لها بعيداً عن الشعور بالرضا وبعيداً عن المقارنة بأداء أطراف أخرى في التيار أقل تنظيماً وخبرة.

فقد أثار الحراك الشعبي تساؤلات مشروعة حول مستوى أداء نواب هذا التحالف في البرلمان، وسبب غياب أي دور واضح له في الشارع، وعدم استثمار الموقف الايجابي عموماً للرأي العام الشعبي تجاه البديل المدني الديمقراطي لصالح توسيع قاعدته باضطراد والتهيؤ لخوض المعارك الانتخابية القادمة، على الصعيدين المحلي والوطني، بجدارة من أجل تحقيق اختراق انتخابي يستجيب لمطلب الاصلاح والتغيير الجذري، ويجعل القوى المدنية الديمقراطية لاعباً رئيسياً في الحياة السياسية وقوة صاعدة ذات شأن تفرض حضورها وتتطلع بثقة الى النهوض بدورها في قيادة عملية التغيير من أجل إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والفساد وبناء عراق الغد المدني الديمقراطي.

انعطافة سياسية .. حزم «لفظية»

ستظل المحاصصة، أياً كانت التسميات التي تتخذها من توافق وتوازن ... وسوى ذلك، في الجوهر والواقع، تقاسماً للنفوذ والامتيازات بين قوى طائفية واثنية. ولا يمكن انجاز أي شكل من أشكال الاصلاح الحقيقي بآليات تتعارض مع الاصلاح بل وتعرقل انجازه. وهذا هو أحد المآزق التي يواجهها العبادي، وهو يمضي بالمزيد من الحزم "اللفظية"، متردداً، غير قادر على الحسم، ولا على الاستناد الى داعمين حقيقيين متمثلين بالمرجعية والمتظاهرين، فضلاً عن نزعته الفردية وتجاهله القوى الأخرى، وبينهم قادة من حزبه وحلفاؤه في التحالف الوطني، إذ لا يبدي استعداداً للتشاور معهم، ناهيكم عن التشاور مع آخرين. وأمامنا، من بين عوائق أخرى، انشداد العبادي الى أصول فكرية تشكل عقبة كأداء أمام خياراته المعلنة.

إن تأملاً عميقاً في المواقف المتباينة للأحزاب والكتل البرلمانية لا يفضي الى تلمس رؤية واضحة تسعى، حقاً، الى إنهاء المحاصصة، والشروع بعملية اصلاح حقيقية. وهو ما يحيلنا الى الارتياب، مجدداً، بجوهر موقف هذه القوى المتمسك بالمحاصصة سبيلاً الى الهيمنة والنفوذ والثروة والامتيازات.

وبدل أن يسلك العبادي سلوك من يعزز القوى الداعمة له، وهي مؤثرة، بل وحاسمة في التغيير، اذا ما أفلح في استثمارها على نحو سليم، ومن يختار فريق عمل وطني كفوء ونزيه، فانه يمضي، متخبطاً، على النحو الذي لا يهدد وجوده في السلطة حسب، بل ويهدد باجهاض العملية السياسية برمتها، وادخال البلاد في نفق مظلم.

واذا كان مشروع العبادي لتشكيل حكومة تكنوقراط يعد انعطافة سياسية، وهو احتمال وارد، فان هذه الانعطافة لا يمكن أن تكون واقعية، وسالكة السبيل القويم الى ما ينشده الملايين، ما لم تعالج منهجية المحاصصة الطائفية والاثنية التي هي جوهر النظام السياسي الولّاد للأزمات. وكل حديث عن سبيل آخر ليس سوى ضرب من الأوهام.

* * *

يأمل المرء أن لا يصل به الأمر للارتياب بأن "المصلحين" ليسوا سوى مؤدين لدور مهرج في كوميديا عراقية سوداء ..

لا حاجة بنا الى مزيد من المهرجين، فقد امتلأت خشبة المسرح بهم، وفاضت حتى أنهم نزلوا الى القاعة واختلطوا بالجمهور ..

هذه البلاد المنكوبة بمآسٍ قلّ نظيرها بحاجة، وقد كانت جذوة للنور، الى أن تغادر كهوف الظلام وتعانق شمس الحرية .. وليس بوسعها أن تغادر على أيدي مهرجي الكوميديا السوداء ..

من يخرجها هم أولئك الذين منحتهم "ساحات التحرير" أصوات العائدين الى الينابيع .. العابرين الى الضفاف ..

أولئك، وحدهم، المخلّصون !

لا حكومة تكنوقراط حقيقية ما لم تعالج منهجية المحاصصة الطائفية والاثنية التي هي جوهر النظام السياسي الولّاد للأزمات

بناء حركة شعبية واسعة هو السبيل لتحقيق تغيير في ميزان القوى السياسي والمجتمعي يفضي الى التغيير المنشود

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 24-02-2016     عدد القراء :  1413       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced