اقتحام السماء .. تأملات في الحراك الشعبي (7)
بقلم : رضا الظاهر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

رضا الظاهر

الاصلاح .. جسور الواقع وأوهام العبور !

يتفاقم الصراع الاجتماعي متعاظماً في ظل مآسٍ قلّ نظيرها وأزمات تستعصي على الحل، لأن من يعتاشون على المآسي والأزمات مازالوا الغالبين .. وبات جلياً أن لا خروج من النفق المظلم الا عبر تغيير الموازين، وهو الغاية التي يسعى اليها الحراك الشعبي المطالب باصلاح حقيقي لا ترقيعي.

وفي الظرف الراهن تتكامل عناصر الأزمة الاجتماعية متمثلة في تحديات الحرب ضد قوى الارهاب، واشتداد الصعاب الاقتصادية، والضائقة المالية على وجه التحديد، واستمرار أجواء الارتياب بين القوى المشاركة في الحكم، واستشراء الفساد، وغياب الخدمات الأساسية ..

ولكن يبدو أن تدني أسعار النفط وتفاقم الأزمة المالية والاقتصادية خلق وضعاً جديداً أكثر تعقيداً. فقد كانت الأزمة تدار ويجري التخفيف من وطأتها بالمسكنات. غير أن هذه المسكنات غابت أو اختفت مع الهزائم التي ألحقتها داعش بالمؤسسة السياسية والعسكرية. وبان، مترافقاً مع ذلك، عجز السلطة وعمق الفساد المستشري فيها وسوء ادارتها، ومتزامناً مع الأزمة المالية. وقد جرد هذا الوضع السلطات من امكانية التخفيف من الأزمات عبر مسكنات الموارد المالية، كاشفاً عن العواقب الوخيمة في مختلف ميادين الحياة.

وهذه العناصر تؤكد بأن النظام السياسي الحالي، القائم على منهجية المحاصصات الطائفية والاثنية، عاجز عن تقديم الحلول للمعضلات المعقدة والعميقة التي يعاني منها الملايين، وانقاذ البلاد من محنتها المروعة.

ورداً على اخفاق القوى المتنفذة الحاكمة انطلق الحراك الشعبي. وبدأت موضوعة الاصلاح تطرح على خلفية تنامي الأزمات التي راحت تتجسد بشكل أكثر وضوحاً وتواتراً. وقد بات أكثر جلاء أن الأزمات، وهي نتاج المحاصصة التي لا توفر أية آلية أو اطار لحلها، تستعصي على الحل، على الرغم من مختلف المحاولات لايجاد حلول.

مخاض عسير وتناقضات

وهكذا فانه لم يعد ممكناً استمرار الوضع على الوتيرة نفسها في ظل هذا التفاقم. وتشير الدلائل، حتى الآن، الى استمرار الاستعصاء السياسي والاخفاق في الخروج من نفق الطائفية والمحاصصات. وبالتالي فقد توفرت عوامل موضوعية أكثر وأرضية أكبر للاصلاح، الذي كان، في الواقع، مطروحاً في السابق، لكنه اكتسب، الآن، بعداً جماهيرياً مع انطلاق الحراك الشعبي في 31 من تموز الماضي في أعقاب ممهدات ومقدمات. وبات هذا الحراك عاماً وشاملاً معظم أرجاء البلاد.

اذن لابد من التغيير واصلاح منظومة الحكم عبر تخليصها من المحاصصة، أساس البلاء في البلاد.

وتمر عملية الاصلاح، بمخاض عسير وتناقضات لا حصر لها. فهناك تردد الحكومة التي تتقدم خطوة لتتراجع خطوتين. وهناك الاجراءات المتخبطة التي زادتها الأزمة المالية تعقيداً. وهناك عناصر تسعى الى عرقلة عملية الاصلاح، وتتوفر لديها امكانيات غير قليلة للكبح والاعاقة.

ويستمر نهج المحاصصة متعارضاً مع أي اصلاح أو تغيير، وتستمر مساعي تكريسه وتشكيل تكتلات طائفية مقابل أخرى مماثلة. ويتواصل صراع الكتل الطائفية المختلفة على اعادة تقاسم الحصص في ظل أجواء الفساد المشاع.

وفي سياق أسئلة الاصلاح والتغيير هناك من يقصر الموضوع على الحاجة الى التغيير. والسؤال الواقعي هنا هو: ما الذي ينبغي أن يتغير ؟ بالطبع ليس النظام الديمقراطي وأركانه ومؤسساته الدستورية. ومن الطبيعي أن البناء الذي أقيم على أساس المحاصصة جاء تأويلاً لتوافق سياسي. ولا يشترط تغيير المحاصصة تغييراً دستورياً، ناهيكم عن أنه لا توجد في الدستور نصوص حول المحاصصة، وانما حول التوازن.

ومما لا ريب فيه أن السعي الى التغيير عبر الغاء البرلمان والدستور يقود الى المجهول، بل ربما الى عودة الى شكل من أشكال الاستبداد. واذا كان الدستور، بما يضمه من ضمانات مختلفة، هو الأساس الرئيسي لتطوير الحراك، فكيف يمكن للقوى المدنية أن تتخلى عن سلاح بيدها يمكنها من أن تحقق ما تصبو اليه اذا ما أحسنت استخدامه؟

وهكذا فان الاصلاح هو الاقرار بالتغيير المطلوب الذي يسعى الى استكمال البناء الديمقراطي المتسم بمحدوديته. ومن الطبيعي القول إنه لا يمكن اعادة الأمور الى نصابها الصحيح دون تغيير المنهج والشخوص المتحكمين بالدولة ومفاصلها.

وفي هذا السياق لابد من الاشارة، أيضاً، الى أن هناك قوى تستهدف التغييرات لكل ما حصل منذ عام 2003 برمتها، وهذا منهج عدمي أو غير واقعي، يلتقي مع خصوم العملية السياسية، بل ويلتقي بقوى البعث.

ومن المؤكد أن على القوى المدنية أن تتحاشى طرح ما هو تعجيزي، وأن تتعامل بواقعية مع موضوع الاصلاح، ذلك أن بعض القضايا تحتاج الى جهود استثنائية والى وقت لمعالجتها. ولابد أن تدرك أن على الحكومة وضع خطتها وفق أولويات متدرجة واصلاحات قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، شريطة أن تكون هذه الخطة مدروسة وشاملة.

ويتطلب كل هذا ستراتيجية. غير أن المهم أن يتحسس الناس، الذين فقدوا الثقة بالحكومة وراحوا يشككون بكل خطوة تخطوها، بأن الحكومة تريد الاصلاح حقاً، وأنها شرعت بخطوات ملموسة حقيقية تضعها على مسار المصداقية في تحقيق الاصلاحات. ويكتسب أهمية خاصة، هنا، التوجه الى الحسم في معالجة ملفات الفساد، واستئصال جذوره ، ذلك أن الفساد يشكل عقبة كأداء أمام تمكين البلاد من الخروج من مأزقها العميق، وأن محاربته تعد عنصراً رئيسياً من عناصر الاصلاح.

إن الغاء الحكومة بعض الامتيازات اجراء سليم، وهو جزء من الاصلاح، ولا ينبغي التقليل من شأنه. لكنه غير كافٍ، وهناك من يسعى الى احتوائه وعرقلة التنفيذ. وهو ما يتطلب، من بين أمور أخرى، معالجة مشاكل الجهاز البيروقراطي عبر المزيد من المتابعة والشفافية واشراك الشعب، وخصوصاً ممثلي ساحات التظاهر، في الرقابة.

ومن ناحية أخرى فانه لا يمكن فهم الاصلاح بمعزل عن الديمقراطية، وتخليصها مما شوهها من محاصصة طائفية واثنية عبر تقزيم لمعنى التوافق السياسي. فالديمقراطية وبناؤها الحقيقي وترسيخ قيمها وأساليبها ومؤسساتها هو جوهر الاصلاح.

ومن نافل القول إنه لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية بدون أحزاب، أو بموقف سلبي من الحياة الحزبية ومن حرية الأحزاب. ويجب أن ينصب النقد الصحيح على الأحزاب التي شوهت الديمقراطية، وتورطت في التعصب الطائفي، وغطت على الفساد والمفسدين، وأهملت تلبية حاجات الناس الأساسية، وانتهكت حقوق الانسان.

ولا يمكن، في هذا السياق، المساواة بين الأسود والأبيض، فهناك أحزاب وقوى سياسية أثبتت نزاهتها وآهليتها وجدارتها بخدمة الشعب ونالت ثقته. وليس من الصحيح خلط الأوراق باسم النقد والمساواة الفجة بين الأحزاب المتنفذة الحاكمة، المسيئة لمصالح الشعب، والأحزاب الوطنية الأخرى البريئة من هذه الممارسات.

التردد .. إضاعة للفرص

وينبغي أن يشمل أي اصلاح حقيقي مختلف جوانب بناء الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبما أن المحاصصة الطائفية والاثنية هي في جوهر أزمة النظام السياسي واخفاقه في سائر الميادين، فمن المؤكد أن الخلاص منها وترسيخ مبدأ المواطنة يعد ركناً أساسياً في أي برنامج للاصلاح.

ومن الطبيعي أن يتوجه الاصلاح الى ضمان الحياة اللائقة للناس وتلبية حاجاتهم الأساسية. وبالتالي فان العدالة الاجتماعية عنصر جوهري من عناصر الاصلاح.

ومما يتعين التأكيد عليه، في هذا السياق، أن العبرة في اتخاذ قرارات الاصلاح، وهي بحاجة الى استكمال، لا تكمن في الاعلان عن النوايا، واصدار المراسيم والقرارات الفوقية، وانما في تحويلها الى واقع ملموس.

ولابد من ملاحظة أن ما تحقق من الاصلاحات المعلنة مايزال عاجزاً عن تلبية الحاجات الأساسية لغالبية الناس. وتتسم مسيرة الاصلاح بالتلكؤ والبطء والتردد، وغياب الحزم والحسم، ناهيكم عن أن رئيس الوزراء لم يستفد، حتى الآن، من الفرصة التاريخية النادرة التي توفرت له من خلال اسناد المرجعية والدعم الشعبي الواسع.

وتبدو بعض اجراءات الاصلاح عجولة وغير مدروسة بعناية ولم تتخذ بصورة متدرجة، كما لم تركز على الأولويات التي تحظى بتأييد واسع.

ولأن الاصلاحات تهدد امتيازات القوى المتنفذة فانها تدخل في تعارض مع مصالح هذه القوى غير المستعدة للتخلي عن نفوذها، والتي تشعر بتهديد لمواقعها، فضلاً عن المعارضة التي تبديها منظومات ومافيات الفساد. ومن الطبيعي أن تواجه اجراءات تطبيقها مقاومة قوية وعنيدة، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء نفسه غير مرة، وخصوصاً في تصريحاته وخطاباته في الفترة الأخيرة.

ومن الصحيح القول إن معركة الاصلاح هي معركة سياسية واجتماعية من الطراز الأول، ولابد، بالتالي، من أن تترافق خططها وبرامجها مع عمل سياسي فكري واجتماعي دؤوب من أجل تغيير ميزان القوى لصالح عملية الاصلاح.

ومن المؤكد أنه لا سبيل الى ضمان عناصر نجاح الاصلاح ما لم يستند الى رؤية واضحة للقوى السياسية والاجتماعية التي تتضرر منه، وتلك التي تستفيد منه. وهو ما يتطلب ادارة سليمة للصراع وللاصلاح من جانب الحكومة، ورئيس الوزراء بالذات، وفريقه الذي ينبغي أن يتمتع بالقناعة العميقة بضرورة الاصلاح والخبرة السياسية والادارية والنزاهة والروح الوطنية العابرة للنزعات الطائفية، ليكون، بالتالي، قادراً على حسن ادارة الاصلاح وتوظيف عناصر قوته، ووضعها في اطار برنامج واضح يستطيع المضي بالعملية حتى نهايتها.

غير أن الواقع القائم يرغمنا على الاعتراف بأن مثل هذه المستلزمات لا تتوفر على النحو الذي تتطلبه عملية الاصلاح الحقيقي. ومن المؤكد أن الاصلاح المطلوب لاخراج البلاد من أزمتها ووضعها على طريق التطور السليم لابد أن يفضي، في خاتمة المطاف، الى إنهاء نظام المحاصصة، وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وإرساء قواعد بناء الدولة المدنية الديمقراطية، واطلاق عملية التنمية التي تحول الاقتصاد من ريعي استهلاكي الى قائم على قاعدة انتاجية متنوعة.

ومن اللافت للانتباه أن ملف العلاقة بين المركز والاقليم لم يذكر ضمن توجهات الاصلاح على الرغم من أن المشاكل ماتزال عالقة بل ومعقدة، ولم يجر التصدي الحقيقي لحلها في مختلف الحكومات والبرلمانات، في وقت تستدعي الضرورة معالجة القضايا الشائكة، ومن بين أكثرها الحاحاً ملفات النفط والغاز والموازنة وتمويل وتسليح البيشمركة والمناطق المتنازع عليها. ومن الطبيعي أن بقاء هذه المعضلات دون معالجة يترك عواقبه السلبية على الحرب ضد الارهاب ، وعلى الوضع السياسي العام في البلاد، ويسهم في استمرار وتعمق الأزمة السياسية والاجتماعية.

أما التعامل مع الاصلاح باعتباره عملية ادارية وتكنوقراطية حسب فيعكس نظرة قاصرة تسهم في عرقلة فرص انجازه. ولا يعني هذا، بالطبع، الاستهانة بمشاركة ذوي الكفاءة والخبرة في تحديد مسارات الاصلاح وادارته.

عناصر أساسية

ان العناصر الأساسية للاصلاح ترتبط بجملة من القضايا الرئيسية. ويتقدم هذه القضايا اصلاح النظام السياسي والاداري، وهو ما يعني، على وجه التحديد، ضمان الأمن والاستقرار، والخلاص من نظام المحاصصة، والسعي الى انجاز المصالحة الوطنية وتحديد غاياتها وآلياتها والتشريعات المتعلقة بها، وتشكيل حكومة وطنية واسعة التمثيل على أساس المواطنة والكفاءة والنزاهة، وتنقية الأجواء السياسية بين اقليم كردستان والحكومة الاتحادية، ومراجعة البناء الاداري للهيئات المستقلة وابعادها عن آليات المحاصصة، وحماية حقوق وحريات المواطنين في اطار الدستور، وتشريع قانون انتخابات عادل، وقانون أحزاب، وتشكيل مجلس الخدمة العامة واعتماد معايير الخبرة والكفاءة والنزاهة في عمله.

وتحتل قضية مكافحة الفساد أهمية استثنائية بين عناصر الاصلاح، مما يتطلب ملاحقة الفاسدين والمفسدين واحالتهم الى القضاء واسترجاع المال العام المنهوب، والتصدي لكل اشكال الفساد المالي والاداري، وتهيئة مستلزمات الأجهزة الرقابية المختلفة، وبينها الرقابة الشعبية، وضمان حرية الاعلام والشفافية في المعلومات، ومتابعة الملفات التي لم تظهر نتائج التحقيق فيها، وبينها: سبايكر، سقوط الموصل، أجهزة كشف المتفجرات، الأسلحة الروسية..

ويكتسب اصلاح الخدمات العامة أهميته، بما يعني اقامة نظام الضمان الاجتماعي وتوفير الخدمات المجانية في الصحة والتعليم ومعالجة أزمة السكن، واتخاذ اجراءات حازمة لمكافحة الفساد في ادارات خدمات الكهرباء والماء، واصلاح ادارات الخدمات البلدية.

ومن بين عناصر الاصلاح خطيرة الشأن اصلاح القضاء، بما يعني اعادة تشكيل هيئة القضاء الأعلى، ومصادقة مجلس النواب على قانون مجلس القضاء الأعلى وقانون المحكمة الاتحادية، وتخليص القضاء من آليات المحاصصة، ومراقبة أداء القضاة وفق الكفاءة والمهنية والنزاهة، ومراجعة التشريعات وقيام مجلس النواب بتعديل وتشريع قوانين أساسية بينها: قانون سلم الرواتب بما يضمن تقليص الهوة الواسعة في الأجور، قانون الضمان الاجتماعي، قانون النفط والغاز، تعديل قانون التقاعد الموحد، قانون الخدمة العسكرية الالزامية ... وسوى ذلك من تشريعات وقوانين هامة.

ومن الطبيعي أن يكون اصلاح الاقتصاد الوطني من بين الأولويات، اذ لابد من تبني ستراتيجية تنمية مستدامة، والتخلص من أحادية الاقتصاد المعتمد على موارد النفط، وتشجيع الانتاج الوطني، والتمييز بين تحفيز القطاع الخاص وعملية الخصخصة الشاملة، وخفض وترشيد الانفاق الحكومي، ورفع أعباء اجراءات التقشف عن اصحاب الدخول الواطئة والمتوسطة، وضمات توفير مواد البطاقة التموينية، ومعالجة معضلة الفقر، ومكافحة البطالة بين الشباب، ووضع رؤية تكاملية في ميدان السياسة المالية والنقدية، وعدم استسهال اللجوء الى الاقتراض الخارجي، وتحسين رقابة البنك المركزي على نشاط المصارف، وتفعيل اجراءات مكافحة غسيل الأموال.

تعاظم الضغط الشعبي

ومادامت الآليات السائدة في التوافق أو التوازن الذي تستدعيه العملية السياسية هي ذاتها الآليات المعرقلة للاصلاح وعبور المنظومة الطائفية، فمن الوهم الاعتقاد بامكانية انهاء المحاصصة. ومعلوم ان هذه الآليات هي الحصن الذي تتمترس خلفه قوى الاعاقة.

غير أن عملية الاصلاح الجارية، على محدوديتها وتلكئها وثغراتها والتباساتها، هزت جدار المحاصصة وكشفت عن وجود امكانية لإحداث اختراقات فيه. وترتبط هذه الامكانية بتوفر ضغط شعبي كافٍ للتغلب على عناصر المقاومة والعرقلة.

إن اجراء رئيس السلطة التنفيذية تغييرات في الحكومة شرط ضروري ولكن ليس كافياً لمعالجة أس المشاكل، وهو نظام المحاصصة الذي يعوق اختيار الكفاءات المهنية والوطنية ولا يسمح لها بممارسة دورها الأساسي. فالتكنوقراط بدون كفاءة ونزاهة ووجهة اصلاحية والتزام بمباديء الدستور ليس هو المطلوب ولا هو الحل.

لكن بما أن التغيير يجري من خلال البرلمان وليس عبر عملية انقلابية، فلابد أن يكون للكتل السياسية دور في ظل موازين القوى الحالي، على الرغم من حقيقة أن الكتل ليست راغبة، من الناحية العملية، في هذا التغيير. ولكن عبر تعاظم الضغط الشعبي، وقد اكتسب أبعاداً واسعة مع المظاهرات الأخيرة، وارتباطاً باشتداد الأزمات غير القابلة للحل في الاطار القائم، وغياب فريق منسجم لادارة الأزمة برؤية اصلاحية، إن هذا الواقع يتطلب من رئيس الوزراء، الذي يتمتع بتأييد واسع من الشعب والمرجعية، فضلاً عن قوى خارجية فاعلة، أن يلعب أوراقه، ويستثمر المناخ الجديد. أما التردد والتلكؤ فسيخلق ردود فعل غير محمودة العواقب، ويدفع الأمور في اتجاه ادامة الصراع والدوران في حلقة مفرغة.

إن الخيار الواقعي أمام الحراك الشعبي يتمثل في مواصلة وتصعيد العمل السياسي والفكري والمزيد من تعميق وعي الشباب، نساء ورجالاً، وتحفيزهم على المشاركة في الحراك وتصدره، وهم، في الغالب، ضحايا تطحنهم رحى المعاناة والحرمان، وتستبد بهم، اذا ما توفرت العوامل والمناخات والظروف الملائمة، روح التغيير.

وعلى قوى الاصلاح الحقيقية أن تكون على درجة من الدقة والقدرة على تشخيص الغايات والوسائل الملموسة لتحقيق مزيد من التراكم عبر الاحتجاجات المتواصلة التي تطرح الشعارات الواقعية، وتستمر بالضغط السلمي من أجل توسيع قوى الحراك من ناحية، ورفع سقف المطالب الواقعية التي يخلق تحقيقها مناخات أكثر ملاءمة لتطوير أساليب الكفاح والمضي خطوات أبعد وأكثر رسوخاً نحو الاصلاح والتغيير.

* * *

ليس شاقاً ولا غريباً علينا أن ندقق مواقفنا ونعيد تقييمها، فقد وقعنا ضحية أوهام غير مرة، وينبغي أن لا ننسى دروس الماضي البليغة، فنبقى أسرى ما يمكن أن يدفعنا نحو منعطفات مجهولة، ورغبات تستبد بنا فتغشي أبصارنا عندما تلتبس اللحظات. غير أن قدرتنا على تلمس خطانا، واعادة النظر بسياستنا وفكرنا، وتمسكنا بمبادئنا ورؤيتنا الواقعية العميقة واستقلالنا السياسي والفكري، هو الضمانة لتأملنا في الحقائق المريرة، وعودتنا الى خبرة تاريخنا وينابيع بصيرتنا ..

نحن نمضي الى تلك الضفاف مسترشدين بالنور المنبعث منها يضيء الجسور التي يعبر عليها مقتحمو السماء ..

إنهم، وهم يعبرون الجسور، يختبرون خطاهم لكي يتيقنوا من أنها تمضي واثقة على هذه الجسور .. ويختبرونها، مرة أخرى، لكي يتوثقوا من أنهم بالفعل، لا بالوهم، يعبرون ..

وفي كل حين يتعين علينا، نحن المنتفضين، أن نتلمس حقيقة أن الجسور قائمة في الواقع لا في الرغبات أو العواطف الجيّاشة ..

إن علينا أن نعيد النظر في خطواتنا كل حين .. نهزّ الجسور بأقدامنا الراسخة، ونقتحم الدروب بأصواتنا المنشدة للأمل، وهو يحكم ضمائرنا وأشواقنا.. ويمضي معنا الى تلك الضفاف !.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 09-03-2016     عدد القراء :  1536       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced