اقتحام السماء .. تأملات في الحراك الشعبي (10) آفاق منفتحة .. ضياء نجم بعيد !
بقلم : رضا الظاهر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

الآن وقد مضت ثمانية أشهر على انتفاضة تموز، وبات جلياً تلكؤ تنفيذ الاصلاح الحقيقي، بل والتراجع عنه، بدأت مشاعر احباط ويأس تتسرب الى بعض أوساط الحراك، وراح قسم من هذه القوى يرتاب بجدوى الاستمرار في التظاهر والاعتصام، بينما يدعو قسم آخر الى تصعيد في المطالب أو عصيان مدني أو تعطيل الدستور وحل الحكومة والبرلمان واعلان حالة طواريء وتشكيل حكومة انقاذ انتقالية ... وهناك اتجاه ثالث واقعي ينطلق من ضرورة مواصلة الضغط الشعبي طالما أن الأهداف التي قام من أجلها الاحتجاج لم تتحقق، وبشكل خاص الاصلاح السياسي الحقيقي ومكافحة الفساد ومحاسبة حيتانه.

ووسط هذا الوضع المعقد تبقى الكواليس سيدة الموقف، فالأمور غائمة والمفاجآت واردة، ومحاولات اجهاض الحراك متواصلة ومساومات تبويس اللحى غير مستبعدة، مادام المتنفذون متواطئين، متشبثين بـمنهج "الاستحقاق" السياسي، لا يعنيهم سوى الحفاظ على امتيازاتهم، فهذا هو قانونهم الأساسي، بل والمقدس. وربما كان الشيء الوحيد الواضح، الآن، أنه لن يكون هناك "اصلاح حقيقي" يهدد مصالح المتنفذين وسلطتهم.

ومن نافل القول إن كل هذه المخاوف والاحتمالات والالتباسات والتعقيدات لا تعني، في كل حال، وعلى الاطلاق، أن يتوقف المحتجون، رافعين أياديهم استسلاماً، بل على العكس ينبغي لهم أن يحولوا هذا الواقع المرير الى محفز جديد على مزيد من الاصرار والتمسك بالمطالب العادلة والمضي الى الغايات المنشودة.

ومن الطبيعي القول إن الشعور بخيبة الأمل يرتبط بعدم تحقق التوقعات، وبعضها مبالغ به، حول التغييرات التي يمكن أن يحدثها الحراك. فانهاء المحاصصة الطائفية والاثنية، وهي أساس مصائب البلاد، لا يمكن أن يتم الا عبر صراع مرير مع القوى المعرقلة للاصلاح، التي تستقتل في الدفاع عن امتيازاتها، وتسعى الى ابقاء الراهن الذي يحمي وجودها.

أسئلة ملحة

ويواجه المنتفضون، اليوم، طائفة من الأسئلة الملحة، بينها ما اذا كان الاختراق، الذي حققه الحراك، في المنظومة الفكرية والسياسية منذ التغيير سيترسخ ويتعمق أم أنه سيتراجع .. والجواب، بالطبع، مفتوح، وتحدده مآلات الصراع الذي راح يزداد احتداماً وتعاظماً.

لقد انتفض الملايين، ومازالوا يواصلون، من أجل اصلاح جذري وتغيير حقيقي، يوقف مسلسل المحاصصة والفساد، وينهي مأساة المعذبين، لا لكي ينتهي المطاف بالخنوع لاجراءات ترقيعية كسيحة، تسهم في اعادة انتاج المعاناة المريرة، فتؤبّد الراهن المقيت.

ومما يعمق خيبة الأمل أن العبادي، بكواليسه المثيرة للتساؤل والارتياب وافتقاره الى الشفافية والرؤية بعيدة المدى الواضحة ونزعته المتفردة وتردده واضاعته فرصاً نادرة، يواصل سلوك تقديم الوعود، وهي وعود برهن الواقع على أنه غير قادر على تحويلها الى واقع ملموس، الأمر الذي خلق نوعاً من شعور الشارع بمزيد من الاحباط، واهتزازاً وربما انعداماً للثقة بوعوده. وهو ما يسهم في مزيد من القلق والالتباس. وبوسعنا القول إن تغيير رئيس الوزراء "الجزئي"، وهو موضع صراع، يقع في خانة المحاصصة ذاتها، ويظل مكبلاً بأغلالها.

ويحق للمرء، والحال هذا، أن يتساءل: أيعود تردد العبادي الى طبيعة في شخصيته ؟ أم انتمائه الى النظام القائم وعجزه عن فك قيود هذا الانتماء والتحرر منها ؟ أم بقاء هذا "المعلِن" عن حربه ضد الفساد أسيراً، من الناحية العملية، لسطوة حيتانه ؟ أم الى فشله في ادارة الصراع، واخفاقه في الامساك بالفرصة التاريخية الفريدة التي توفرت له من خلال دعم المرجعية والتفويض الشعبي ؟ أم، أخيراً وليس آخراً، الى تشبثه بكرسي السلطة ؟

وفي غضون ذلك يأتي تقديم طائفة من الوزراء استقالاتهم الى رؤساء كتلهم لا الى رئيس مجلس الوزراء، ليكشف عن هيمنة ثقافة الطائفية السياسية من ناحية، والايحاء، من ناحية ثانية، بأن تقديم الاستقالات، تمهيداً لاعلان التغيير الجزئي، هو الحل. وهذا، بالطبع، أمر يثير السخرية بقدر ما يثير الغضب، ذلك أنه شكل من أشكال الالتفاف على عملية الاصلاح الحقيقي، وسبيل آخر للابقاء على نهج المحاصصة.

أما البيان الصادر عن الكتل البرلمانية يوم الاثنين الماضي فيكشف، عبر التمعن العميق به، أفكاراً ولغة ودلالات تفضح غياب استعداد ورغبة هذه الكتل في اجراء أو تأييد اصلاح حقيقي. وهو شكل آخر ملطَّف ومضلِّل لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون.

ومن المؤكد أن الانفصام بين مؤسسة السلطة وملايين الناس من ضحايا المعاناة يكشف عن احدى العواقب الخطيرة ممثلة في انهيار ثقة الناس بـ "الديمقراطية" التي باتت، بسبب ما قدمه "نظامها" القائم في العراق من بؤس للملايين ومعضلات مستعصية الحل في سائر ميادين الحياة، مصدراً لانهيار قناعتهم بالنظام "الديمقراطي" الذي لم يحقق لهم سوى المصائب.

إن مآل الصراع الراهن المعقد منفتح على مسارات واحتمالات عدة وانعطافات يمكن أن تحدث في أيام لا في أسابيع أو أشهر. وبوسعنا القول، في هذا السياق، إن نجاح عملية التغيير المكلف بعيد الأمد، ويحتاج الى مستلزمات عديدة، بينها طول نفَس المحتجين، لأنها تواجه قوى ضارية مجروحة.

ويرى محللون أن هناك احتمال أن تخفق هذه العملية جراء تراجع قوى "الاصلاح" لأسباب مختلفة. وقد تبقى الأوضاع على ما هي عليه من توتر مثير للاحباط قبل أن تنتكس الى ما هو أوخم عاقبة. ولن تنفع، هنا، أية اصلاحات ترقيعية، وبالتالي فان هذه "المراوحة" تجعل من عملية الكفاح في سبيل اصلاح حقيقي عملية مستمرة وبحاجة الى بحث عن ممكنات. وهناك الاحتمال الثالث متمثلاً في أن العملية قد تنتكس برمتها وتنهار.

ويرتبط بذلك بقاء مشروع تقسيم البلاد قائماً، حيث تروّج له أوساط أميركية، وتدعمه قوى عربية تساند قوى داخلية ترى أن التقسيم يحقق مصالحها.

ومن الطبيعي أن اخفاق الاصلاح يعني المزيد من تفاقم الأزمة الاجتماعية والسياسية، وبقاء التوتر بين القوى السياسية، واحتدام الصراع، ربما حد القطيعة، وهذه مناخات يمكن أن تسهم في مزيد من رواج فكرة شرذمة وتقسيم البلاد.

ويلاحظ، من ناحية أخرى، أن الجيش بدأ بالبروز في عهد الحكومة السابقة، حيث جرى شراء ولاءات، غير أن "القادة" انفضحوا بعد هزيمة الموصل. وفي عهد الحكومة الحالية جرت عمليات "تطهير"، غير أن حساسية كبيرة ماتزال قائمة مع "الحشد الشعبي".

وعندما يتحدث البعض عن احتمال حدوث انقلاب فانهم يتحدثون عن جبهتين: العسكر الذين أعيد تأهيلهم وقد يستخدمهم القائد العام للقوات المسلحة، أو أنهم يمكن أن ينقلبوا عليه. فهناك احتمال تحرك عسكري لا يمكن أن ينجح ما لم يكن مدعوماً من الأميركان. وهناك احتمال تحرك الحشد الشعبي الذي لا يمكن أن ينجح بدون دعم ايران. والسؤال المطروح هناهو: هل ستقبل ايران بانقلاب ترعاه أميركا ؟ أم تقبل أميركا بانقلاب الحشد الذي ترعاه ايران ؟ أم أنه يمكن أن تكون هناك صفقة داخلية ؟

أما الاحتمال الأخير الذي يجب أن لا نتجاهله فيتمثل في تهديد "داعش". وعلى أن الانتصارات الأخيرة على "داعش" كبيرة وذات نتائج هامة في توجيه ضربات قاسية لقوى الارهاب، فان هذا لا يعني أن "داعش" فقدت القدرة تماماً على شن هجمات. ومن الطبيعي أن أي تردٍ في الوضع السياسي والعسكري والأمني يمكن أن يوفر لـ "داعش" فرصاً للقيام باختراقات.

دروس بليغة

وما دمنا في سياق تحليل آفاق الحراك فانه من الضروري أن نبدأ، أولاً، بدروس هذا الحراك البليغة، ويتعين علينا أن نستخلصها من هذه التجربة، الصيرورة المتفاعلة، المنفتحة على آفاق، والتي تحتاج، على الدوام، الى اعادة نظر وتقييم، واغناء وتطوير للموقف الواقعي في الظرف الملموس. فقد كان الحراك معبراً عن حاجات حقيقية للناس، وساهم في تفعيل وتنشيط المطالب التي كان بعضها كامناً، فأخرجه الحراك الى النور، وخلق ديناميكية أمنت استمراره وتوسيع قاعدته. وهو ما يؤكد، من بين حقائق أخرى، أن أرضية الحراك أرضية سليمة من حيث المطالب، ومن حيث شكل ادارة الحراك.

وفنّد الحراك الكثير من التقديرات والتوقعات التي كانت تستبعد امكانية استمرار الغضب الشعبي، وبصورة سلمية، ومنسجمة مع منظومة الحريات والدستور والالتزام بالحفاظ على الممتلكات العامة. وظل الحراك محافظاً على طبيعته السلمية، على الرغم مما تعرض له من هجومات قصداً أو بدون قصد.

وكان الطابع السلمي للحراك مصدر قوة، وقطع الطريق أمام تلك القوى التي كانت تسعى، وماتزال بالطبع، الى تحجيم الحراك والنيل منه. فلم يوفر الحراك أي مبرر لهذه القوى لتحقيق مآربها، بل سعى الى تطويق محاولات السلطة ومنع انتشار حصارها واجراءاتها المعيقة الهادفة الى اجهاض الحراك. وقد ارتدت تلك المحاولات البائسة واليائسة على أصحابها الذين كانوا موضع ادانة وسخرية.

وبات موضوع السلمية منهجاً وهدفاً، بحيث صار أساساً للانتقال الى أشكال أخرى من الاحتجاج، وأزال تلك المخاوف التي تثار حول التصعيد في الحراك، والتي تزعم أن الأشكال الجديدة، وبينها الاعتصام، قد تهدد السلم الأهلي وتؤدي الى حالة من الفوضى. وأضحت الطبيعة السلمية، بحد ذاتها، موضع شد وجذب وصراع، وسط سعي بعض القوى الى ابعاد الحراك عن نهجه السلمي.

وأثبت الحراك أن شكله كان حالة متحركة. ومنذ البداية برزت قضايا بشأن ادارة الحراك وتوجهاته. وترك هذا الحراك، عبر لقاء التيارين المدني والاسلامي، أصداء واسعة، وكانت له قوة تعبوية تتعدى جمهور الحركتين، أي أنه كانت هناك قوة جاذبة لأوساط اجتماعية أوسع، كانت مترددة في مسألة المشاركة في الاحتجاجات. وكان اللقاء رسالة قوية انعكست، من بين أمور أخرى، في توسيع قاعدة المشاركين.

وشرع الحراك باعادة ربط النسيج الوطني الذي كان يشهد عملية تفكك، اذ بدأت عملية اعادة بناء هذا النسيج خلافاً لكل الصراعات منذ سقوط الدكتاتورية وحتى الآن.

وأخيراً، وليس آخراً، فان من بين أهم دروس الحراك أنه عكس ورسخ المطالب ذات الطابع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وجعلها في قلب المشهد السياسي على حساب الانتماءات الطائفية والعرقية. ويمكن القول إنه يمارس، الآن، دوراً أكبر في صياغة المشهد السياسي.

اعادة نظر .. منهجية انتقادية

ولكن ماذا عن آفاق هذا الحراك ؟

من الجلي أن أشكال ادارة الحراك تطورت، وجرى التوصل، بالتالي، الى نمط من الحلول تتمثل في تعشيق بين تنظيم الحراك وعفويته. فقد استطاع الحراك التعامل مع الثنائيات، وتوصل الى تأمين ادارة متحسنة داخل الحراك، وقدم تجربة التنسيقيات والتعاون والفرز بينها.

وتعد ادارة تنوع القوى المشتركة تجربة ثمينة في العراق ربما تتعدى حدوده. فقد ساهمت قوى مدنية واسلامية لديها مشتركات في هذا المشهد. بل إن هناك تنوعاً حتى داخل التيار المدني. واستطاع الحراك أن يوحد عمل القوى المختلفة دون أن يلغي خصوصيتها. وفي هذا تكمن احدى ضمانات وجهة الحراك.

ولعل الأهم أن هذا كشف عن الطابع الشعبي للحراك من خلال دخول التيار الصدري بزخمه الهائل، على أرضية قريبة من أرضية التيار المدني، ومطالب قريبة من المطالب المدنية. ويتم هذا التعامل والتفاعل بين التيارين حتى هذه اللحظة، على الرغم من عدم التكافؤ في حجمهما، في سياقات تعزيز الحراك وآفاقه.

غير أن التباين في موازين القوى يطرح، في الوقت نفسه، أسئلة بينها: الى أي مدى يمكن للحراك أن يحافظ على طبيعته ؟ أم أنه سيجري احتواؤه باتجاهات أخرى ؟ هذه، بالطبع، قضايا تواجه الحراك في سياق الصيرورة.

وهناك، بالتأكيد، تحذيرات وتساؤلات واحتمالات. فادارة الحراك تتطلب يقظة دائمة ومواقف مدروسة موحدة من قبل قيادة الحراك المؤثرة في رسم الاتجاهات.

ومن الدلالة بمكان أن موقف القوى الاسلامية مايزال، حتى الآن، مستنداً الى الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع. وينبغي لهذا أن يستمر من أجل تثبيت قواعد الاستقلالية السياسية والفكرية، والالتزام بالطبيعة السلمية للحراك بعيداً عن أي شكل من أشكال لغة التهديد والتجاوز، وجر الحراك الى محيط التوترات والصراعات السياسية الضيقة على النحو الذي يبعده عن سلميته وغاياته الأسمى، ويضع ورقة مجانية بيد معرقلي اتجاه الاصلاح.

ومنذ بداية الحراك تجلت اتجاهات عدة أولها أنه الى أي مدى سيكون الحراك مؤثراً في تغيير الأوضاع ودفع الأمور باتجاه الاصلاح ؟ وهل سيترك بصمات واضحة أم أنه يبقى حالة تصم القوى الحاكمة الآذان عنها ؟

التطورات أثبتت أن الحراك كان مؤثراً في دفع الحكومة باتجاه طرح حزم اصلاح، ومن ثم تصعيد الضغط للتغلب على حالة التردد. ويجري الحديث، اليوم، عن أن الاجراءات المتخذة في اطار الاصلاح غير كافية، بل و"ترقيعية".

وكان الحراك مؤثراً في اتجاه آخر، فقد انتقل الموقف من التشكيك بالحراك ومحاولات القوى المتنفذة امتصاص زخمه الى نجاح الحراك في الحفاظ على هذا الزخم.

ومن ناحية أخرى فانه من أجل تأمين الضغط المتنامي لابد من الانتقال من شكل الى آخر في الحراك. وكان هناك صراع حول كيفية الانتقال وتوقيته. وبرهن الحراك على أن الانتقال لا يتحقق باستعدادات ذاتية من قبل قياداته، وانما ينبغي أن تتوفر شروط لهذا الانتقال. فالقوى المدنية لم تتمكن، بمفردها، من تحقيق الاعتصام، ليس من باب العجز أو التردد أو غياب الارادة، وانما لأن متطلبات الاعتصام الناجح، وبينها التغلب على اجراءات الحكومة الأمنية، وتوفر المستلزمات اللوجستية، ناهيكم عن الشروط السياسية، لم تكن متاحة على النحو الذي يجعل انتقال القوى المدنية، منفردة، الى الاعتصام ممكناً.

وقد توفر الكثير من هذه الشروط ارتباطاً بمشاركة التيار الصدري في الحراك، بسبب زخمه الجماهيري ونفوذه الذي استطاع أن يشل الاجراءات الأمنية ويتحدى القوى المناهضة للحراك.

لقد انتقلت آفاق الحراك، ارتباطاً بمشاركة التيار الصدري، الى قوة ضغط أعظم، وانفتحت امكانيات أوسع لتحريك الوضع السياسي. وجلي أن ما كان غير ممكن في الماضي بات ممكناً الآن. غير أنه يجب أن لا يغيب عن بالنا أن هذه الامكانيات الجديدة تطرح أسئلة هامة حول كيفية ادارة الحراك، والحفاظ على طابعه السلمي والحضاري، والابتعاد عن الحالات المحتملة من الفوضى والتصدع في بنية الدولة، وقضايا أخرى غير محسوبة العواقب.

إن صيرورة الحراك تستدعي منا، ونحن نواجه التطورات العاصفة، كل يوم، بل كل ساعة، أن نعيد النظر والتقييم، ونرى التحولات في المشهد السياسي وفي المحتوى الاجتماعي للحراك، ونشخص الحقائق السياسية والظواهر الفكرية الجديدة، وندقق مواقفنا بمنهجية انتقادية عميقة، تتمثل خبرتنا الغنية ولحظاتنا التاريخية المريرة، حتى نتوثق من موطيء أقدامنا والمكان الذي ننطلق منه الى أمام.

ويستدعي ذلك منا أن نرصد، من بين أمور أخرى، تقلبات القوى السياسية، وخصوصاً المتنفذة، في مواقفها وفقاً لما يضمن امتيازاتها، وهذا هو أساس كل موقف سياسي واجتماعي. ويتطلب الأمر منا التعامل مع هذه الأوضاع بواقعية وحذر. ويحتم علينا النضج السياسي أن لا نضع كل بيضنا في سلّة واحدة، فنراهن على جهة معينة باعتبارها المنقذ القادر على الحلول السحرية.

وعلينا أن نرى أن من بين المخاطر التي تهدد الحراك بقاء غير قليل من المضطهَدين والمهمشين أسرى تهييج الغرائز وانفلات المشاعر. وهو ما يتطلب من قوى الحراك وطلائعه بذل عمل سياسي وفكري هائل لاشاعة الوعي وتبصير المحتجين بحقائق الواقع، وأساليب الكفاح السلمي، وآليات الحراك، ووضوح الرؤية والغاية.

وينبغي علينا أن نتوثق من أن قارب النجاة هو قارب نجاة فعلي في الواقع لا قارب في أوهامنا.

* * *

إنه ضياء نجم بعيد أيها المحتجون .. أتبصرون !؟

نحن، اليوم، قلّة من الحالمين، ممن يعلمون علم اليقين أنه ما من واقع تبدّل أو تاريخ تغيّر، دون آمال من يحلمون ..

نحن، اليوم، قلّة، لكننا لن نستوحش طريق الحق لقلة سالكيه .. يقول إمام العدالة علي بن أبي طالب ..

أما خصومنا فقد يقتلون الأزهار كلها، لكنهم لن يمنعوا حلول الربيع .. يقول شاعرنا العظيم نيرودا ..

وعندما يصبح الظلام حقيقة واقعة ما من سبيل للمسير سوى ايقاد الشموع .. فيا أيها المنتفضون أوقدوا شموعكم لتنيروا طريق الملايين من ضحايا الاضطهاد الى الضفاف .. واعلموا أنكم لن تصلوا مرتجاكم ما لم تخسروا أغلالكم، وأنه ما من جدول زمني في المسير الثوري، بل ينبغي التحرك الى أمام .. والذين لا يتحركون لا يرون أغلالهم .. والثورة ليست تفاحة تسقط عندما تنضج، انما عليكم أن تمدوا أياديكم حتى تقطفوها في أوان القطاف .. أما الربيع ففي العادة لن يأتي سريعاً .. ويتعين علينا، نحن ورثته، أن نحتمل تلكؤ الخريف وعاصفة الشتاء ..

نخطو، متكئين على أكتاف الرجاء والتحدي، في دروب الحرية .. نمضي في تلك القطارات التي تسير على سكة من أشواك .. لنا هذا الأرق الذي يحرس ينابيع صبانا يوم اخترنا الالتحاق بمواكب الثائرين، وهي تصدح بنشيد الاطاحة بالعالم القديم وبناء عالم انساني جديد ..

نحن الذين نستطيع أن نقنع الغيم حتى يتوقف عند أبواب الضحايا فيغسل أقدامهم بدموع الأمل وعطر الثورة ..

نحن الذين نستطيع أن نقنع الأنهار حتى تجري وئيدة، ليكمل ضحايا الاضطهاد أغنية المتطلعين الى الضفاف ..

ربما بدا أن أغنيتنا تضيع في طواحين قسوة سدنة التخلف والظلم والوحشية، لكننا لن نتوقف عن الغناء .. لن نرفع رايات الخنوع .. فقد أحرقنا كل السفن، وما من سبيل لعودتنا الى الأمس .. ما من سبيل أمامنا سوى غد الضفاف ..

لا تتركوا الحصان ينهب الدرب دون فارسه .. شدّوا على القوس، ودعوا سهامكم تخترق الآفاق حتى تخر السماء التي تقتحمون صريعة على ضفافكم ..

افتحوا النوافذ أيها الثائرون حتى تتجرأ شمسنا على الاشراق ..

افتحوا النوافذ .. أريد أن أعرف أن لديكم نهاراً يبتديء !

  كتب بتأريخ :  الخميس 31-03-2016     عدد القراء :  2568       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced