انتفاضة تشرين
بقلم : فرحان قاسم
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لقد كشفت هذه الانتفاضة بشكل جلي طبيعة الصراع التناحري بين كتلة التحالف البيروقراطي الكومبرادوري الطفيلي، أي الأحزاب والتيارات التي تمثل كبار الموظفين المدنيين والعسكريين وأصحاب المصارف وغالبية التجار والسماسرة الذين ترتبط مصالحهم بمصالح الراسمال العالمي وبين غالبية أبناء الشعب العراقي من الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة من الفئة الوسطى والعمال والفلاحين والحرفيين والمهمشين ومنظمات المجتمع المدني. بين اللاهثين وراء المشروع الاقتصادي والسياسي الأمريكي الذي حول اقتصادنا الى اقتصاد ريعي توزيعي تابع لعجلة العولمة الراسمالية، وافقد العراق استقلاله السياسي وحوله الى كرة تتقاذفها القوى الدولية والإقليمية وبين غالبية أبناء شعبنا الساعين الى الاستقلال الاقتصادي والسياسي الحقيقيين من خلال المشروع الوطني الديمقرطي المستند الى التنمية المستدامة وبناء دولة مدنية تحقق العدالة الاجتماعية واستقلالية القرار العراقي.

رغم االنتائج الكارثية التي تمخضت عن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية من فساد استشرى عموديا وافقيا، وبطالة، وفقر وانهيار المنظومة القيمية فان الاحتلال الأمريكي والكتلة المهيمنة على القرار السياسي في العراق حولت الصراع الاجتماعي الحقيقي الى تمظهرات عديدة على راسها الصراع الطائفي والمناطقي والاثني والعشائري، مستغلة وجود قوات الاحتلال وتفشي الإرهاب للتغطية على الصراع الحقيقي في العراق بين اقلية استحوذت على مقدرات بلدنا بمساعدة الاحتلال وبين الأكثرية الساحقة من أبناء شعبنا. لقد نجحت تلك القوى في خداع غالبية أبناء الشعب لعقد من الزمان في ترسيخ الاحتراب الطائفي والتخلف الفكري والاجتماعي، لكن حجم الضيم الذي لحق بالعراقيين والدور المشرف الذي لعبته القوى المدنية في شحذ الهمم ورفع درجة وعي الشعب العراقي بالكارثة التي المت بهم حققت نتائج انعكست باتساع الحراك الاجتماعي منذ عام 2011 ليشمل قطاعات واسعة من أبناء شعبنا، تم تتويجه بانتفاضة تشرين الشعبية التي اتسمت بالفرادة والتميز سواء بتاريخ الانتفاضات في العراق او العالم في عصرنا الحديث. ومن ابرز سمات الانتفاضة انها جعلت من الوعي الشعبي العفوي وشعاراته قوة كبرى دفعت بالملايين الى الشارع وحقق هذا الوعي تفوقا واضحا على الوعي النقدي من حيث القدرة على تعبئة الجماهير لتحقيق الخلاص من نظام المحاصصة المقيت.

كما أصبحت هذه الانتفاضة خيمة وطنية يرفرف عليها العلم العراقي خفاقا، وتستظل تحت فيئها كافة مكونات الشعب العراقي، وسحقت الى الابد بسرفتها الشعبية المهولة كوارث النزعات الطائفية والمناطقية ووحدت أبناء العراق لاستعادة وجه وطنهم المشرق الذي سلبته الايادي المرتبطة بمشاريع التبعية والنكوص.

ومثلما كان عليه المشهد الثوري في وثبة كانون عام 1948 وانتفاضة تشرين عام 1952، فقد لعب الشباب الدور الأساس في اذكاء شعلة انتفاضة تشرين عام 2019 المجيدة، والذي اذهل العالم اجمع هو الشجاعة الفائقة والاستهانة بالمخاطر واستمراء التضحية حد العشق الصوفي لها. ان مئات الشهداء والاف الجرحى من الشابات والشباب ومرابطتهم ميادين التظاهر والاعتصامات ليل نهار تؤشر تحولا في مستوى الوعي الثوري لدى هؤلاء الثوار وقدرتهم على المطاولة والمجابهة لحين تحقيق اهداف الانتفاضة في احداث التغيير الجذري للمنظومة السياسية التي افرزها الاحتلال الأمريكي والاثار المدمرة التي خلفتها الكتل الفاسدة المهيمنة على المشهد السياسي في العراق منذ 2003.

احدث دخول الحركة الطلابية تحولا نوعيا في مجرى حركة الانتفاضة كما ونوعا، فهي من جهة اضافت الى سوح الثورة الشعبية عشرات الالاف من الدماء الشابة التي تسعى الى ترسيخ القيم المدنية والديمقراطية في المجتمع العراقي، ومن جهة أخرى ساعدت على إزالة القشرة البغيضة التي غطت على دور المراة العراقية المشهود في السجالات الوطنية المختلفة، فتجدها طبيبة وممرضة معالجة في الخيم الطبية او في المناطق الخطرة التي تتعرض للقنابل المسيلة للدموع، او جامعة للنفايات او في طليعة المواكب التي تجوب الشوارع المؤدية الى سوح التحرير، وحفز هذا الوجود للطالبات قطاع النساء من خارج الوسط الطلابي للمساهمة الفاعلة في ميادين الاعتصام والتظاهر فقد اصبح وجود المراة من مختلف الشرائح الاجتماعية من طالبات وربات بيوت وموظفات وعاملات ظاهرة ملازمة لحركة الانتفاضة اليومية ومنحها فرصة ذهبية للانعتاق والتحرر من القيود الكثيرة التي كانت تكبل حركتها وتؤثر على موقعها الاجتماعي التنويري الحقيقي.

من اهم الميزات التي طبعت انتفاضة تشرين هي التاييد الشعبي الواسع لها من مختلف طبقات ومكونات الشعب العراقي. تجسد هذا التعاطف والتاييد باشكال متعددة مثل جمع التبرعات وشراء مواد طبية و غذائية ولوجستية أخرى وارسالها الى مواقع التظاهرات، و تطوع عدد من العوائل للإقامة في سوح الانتفاضة والمشاركة في طبخ وجبات الطعام لثوار الانتفاضة، وقيام العوائل بزيارات متكررة للتعبير عن حماستهم في التاييد والتعاطف، ولم يقتصر التاييد الشعبي في داخل العراق، وانما حظيت بتاييد ودعم واسع من قبل الجاليات العراقية في مختلف دول العالم واخذ هذا الدعم اشكالا ووسائل متنوعة من تبرعات وتجمعات وتظاهرات مناصرة للانتفاضة، وضغط على المنظمات الدولية لتلعب دورها في ادانة استخدام العنف مع المنتفضين وكسب التاييد الدولي للانتفاضة.

رغم اشتراك مئات الالاف من المنتفضين ذوي المستويات العمرية والتعليمية والطبقية المختلفة فان أجواء التسامح والاحترام والفرح الطاغي على الوجوه هو الذي ساد خلال ساعات طويلة من التظاهر، كما انعدمت وبشكل لافت حالات مثل التحرش او المناكفات او النزاعات الشخصية، وتم التعامل مع بعض حالات الاندساس من قبل اشخاص مدفوعين باجندات مختلفة بارقى أساليب التعامل اذ تم اخراج قسم منهم من التظاهرات، وتسليم اخرين الى الجهات الأمنية القريبة من التظاهرات.

تواجه الانتفاضة مصاعب عديدة أولها هي ان التحالف المهيمن على مقاليد السلطة السياسية في العراق يحول إبقاء النظام السياسي في العراق على نفس الأسس التي اعتمدها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، يساعده في هذا التوجه قوى إقليمية ودولية، لذلك لن يستسلم امام الهدف الأساس للانتفاضة وهو التغيير الجذري لاسس النظام السياسي في العراق، وليس غريبا ان تلجا السلطة الى اقسى الأساليب لضرب الانتفاضة او الالتفاف عليها. والعامل الاخر الذي يعرقل فعاليتها رغم التضحيات الجسيمة التي تقدمها هو عفويتها وعدم وجود قيادة توحد نشاطها واتجاهاتها الامر الذي يفرض عليها صناعة هذه القيادة من خلال نشاطها اليومي الغزير والمتنوع لكي تتوجه بقوة لتحقيق هدفها النبيل الذي تتعلق عيون العراقيين بحماسة وشوق الى ذلك اليوم المجيد.

  كتب بتأريخ :  السبت 09-11-2019     عدد القراء :  51       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced