وثبة الأمس .. إنتفاضة اليوم!
بقلم : د. إبراهيم إسماعيل
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

قبل 72 عاما، وبالتحديد في كانون الثاني من العام 1948، وقع صالح جبر رئيس وزراء العراق آنذاك معاهدة مع حكومة المملكة المتحدة، سميت معاهدة بورتسموث، والتي رأى فيها الشعب تكريساً لسيادة مزيّفة واستمراراً لاسترقاق البلاد وتشديداً لتبعيتها للمستعمر الإنكليزي، الذي لم تكن تغرب عن ممتلكاته الشمس. فانطلق حراك شعبي واسع لإسقاط المعاهدة وموقعّيها، حراك جابهته السلطة الملكية حينها بالقمع الدموي، الذي راح ضحيته عدد من الشهداء، كان في مقدمتهم جعفر الجواهري وقيس الألوسي وفتاة الجسر، التي كانت أول شهيدة يقتلها الملكيون، وعشرات الجرحى وحملات اعتقالات تعسفية شملت الكثيرين.

لكن الوثبة، سرعان ما تمكنت من تحقيق أهدافها الأولى، من خلال اتساع وهجها أفقياً وعمودياً ومن خلال وحدة المنتفضين وإصرارهم، فأسقطت المعاهدة وحكومة جبر، ومهدت لسلسلة من الإضرابات العمالية كإضراب عمال عين زالة، وعمال نسيج الأعظمية والكاظمية وفتاح باشا، وعمال ميناء الفاو وعمال الكهرباء والسكك، ولسلسلة من النشاطات الطلابية التي أثمرت عن انعقاد مؤتمر السباع وولادة أول اتحاد ديمقراطي حّر لطلبة العراق، ولانتزاع العديد من الحقوق الوطنية والاجتماعية.

قبل أربعة أشهر، وبالتحديد في الأول من تشرين الأول العام 2019، انطلق حراك شعبي مماثل. فبعد أن تيقن الناس من أن استمرار نظام المحاصصة والفساد يشكل تهديداً جدياً لاستقلال البلاد ووحدتها ونهباً منظماً لثرواتها، وإمتهاناً لكرامة أبنائها، وتخريباً شاملاً لحاضرهم ومستقبلهم، خرجوا يطالبون بالتغيير والإصلاح. ولعل من "الطبيعي" أن تجابه سلطة، اقتاتت على السحت الحرام وفرّطت بقيّم الأصالة العراقية الحراك بالقمع الدموي، الذي راح ضحيته مئات الشهداء والاف الجرحى، والذي شمل اعتقال واختطاف العشرات من المنتفضين، دون أن تتمكن من تحقيق شيء سوى المزيد من الخزي والإدانة محلياً ودولياً. فقد واصل الحراك صموده بوجه الاهاب والقمع، وتوسعت مدياته بشكل يفتح أكثر من كوة في عتمة الواقع، تبشر بغد جديد وضاء تتحقق فيه ثمار انتفاضة تشرين الباسلة، في الخلاص من نظام المحاصصة وبناء نظام ديمقراطي حقيقي، يحمي استقلال البلاد وكرامتها ويوفر الحرية والعدالة الاجتماعية لأبنائها.

إن قراءة عاجلة لحدثي وثبة الأمس وانتفاضة اليوم، ترينا عمق التقاليد الثورية لشعبنا وقدرة الأجيال على توريثها. وتعكس التناظر بين الحدثين، والحاجة الماسة لأن نتعلم من دروس التاريخ التي تتناغم مع الواقع المعاش. فالحدثان نتاج تراكم مثمر لسلسلة من النضالات التي خاضتها الأحزاب الوطنية والقوى الاجتماعية المختلفة. وفي الحدثين أشعل العمال والطلبة وشغيلة الفكر شرارة البداية المباركة، وتصّدروا مشهد الحراك واجترحوا مآثر متميزة في الصمود والتضحية، وكانوا الوقود الذي أبقى شعلة الحراك منيرة رغم كل أشكال القمع والتشويه والتخوين. وفي الحدثين، ما كان ليتحقق النصر بدون تبني الهوية الوطنية الجامعة، المنزهّة من أدران التعصب الطائفي والأثني والفكري، والتمسك بوحدة الإرادة والعمل في ظل احترام التنوع، ووضوح الرؤية والمطالب الحقة، التي كانت دوماً نتيج حقوقا أساسية استلبتها الطغمة المتنفذة.

كما تؤكد القراءة ضرورة التمعن في العوامل التي ساهمت في تحقيق الوثبة أهدافها الآنية والاستراتيجية، والتي كان أبرزها إغلاق كل الثغرات التي قد تتسرب منها عوامل الفرقة أو يتمكن الطغاة من النفاذ خلالها الى الحراك الشعبي، وتعزيز القدرة على ترتيب الأولويات والمهام النضالية، وإتقان فن سماع رفاق المسيرة وشركاء النضال الطويل، والجمع الدقيق بين الحكمة الثورية والحماس الثوري، وربط المطالب المرحلية كتغيير نظام المحاصصة ومكافحة الفساد وإجراء انتخابات ديمقراطية سليمة، بالمطالب الأساسية للناس المتعلقة بتوزيع أعدل للثروة الوطنية وتوفير الخدمات الأساسية وبناء مجتمع الحرية والرفاهية، بحيث يؤدي النضال الى تحقيق هذه الأهداف مجتمعة الى توسيع الحراك ورفده بجماهير ربما لم تجد حتى الآن في المطالب السياسية المباشرة محفزاً لمشاركتها. وتلعب مؤسسات المجتمع المدني والنقابات بشكل خاص دوراً مهماً في ديمومة هذا الحراك، بحيث يحقق كامل أهدافه في حلقات مترابطة ومتتالية، ولعل هذا الأمر كان من أبرز دروس وثبة كانون المجيدة، التي تبقى نجماً ساطعاً في تاريخ العراق المعاصر، نجماً يتوهج كل يوم بما تحققه انتفاضة تشرين من تقدم وظفر.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 27-01-2020     عدد القراء :  468       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced