شكّ العلماء ويقين السياسيين
بقلم : لطفية الدليمي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

نشر البروفسور جم الخليلي Jim Al-Khalili يوم الثلاثاء الموافق 21 أبريل (نيسان) 2020 مقالة في صحيفة الغارديان البريطانية المعروفة بعنوان (الشك أمر جوهري للعلماء ؛ لكنه للسياسيين علامة ضعف)

أقدّم أدناه ترجمة كاملة للمقالة المذكورة .

يعمل جم الخليلي - العراقي الأصل - بروفسوراً للفيزياء النظرية في جامعة سري البريطانية ، وهو أحد الفيزيائيين اللامعين على مستوى بريطانيا والعالم ، ومعروف عنه تقديمه للعديد من الوثائقيات العلمية الرائعة فضلاً عن تأليفه لعدد من الكتب المهمّة.

لطفية الدليمي

نظراً لكوني مستخدماً منتظماً للتويتر فقد إعتدتُ إختيار الناس والمنظّمات التي أتابعها ( أونلاين online ) بطريقة دقيقة ، وهنا تكمنُ معضلتي ! . نحنُ في وسائل التواصل الإجتماعي أكثر عرضةً لأن نتعامل مع المحتويات التي تتناغم مع رؤانا الشخصية ، وبالتالي فنحنُ نمنحها ثقتنا الكاملة ونغدو مع الزمن مشبّعين بالآراء التي نتّفق معها حسب . إنّ بعضاً من هذه الرؤى تقومُ على آيديولوجيات سياسية أو دينية ، والبعض الآخر منها تقوم على أكثر الشواهد خطلاً أو أكثرها وهناً وتوظيفاً لمعلومات غير مقبولة أو جديرة بأية درجة من الإعتمادية . في مقابل هذه الخلفية السائدة من الأفكار المتصارعة والرؤى العالمية المستقطبة المتنافرة فثمة من يطلبُ منّا أن نضع ثقتنا في العلم وحسب - والعلماء كذلك - وبكيفية لم نعهدها من قبلُ .

يبدو أنّ كلّاً منّا في أزمة الجائحة الكورونية السائدة هذه الأيّام ، وممّن له تواصل لحظي مفتوح المصدر ( أونلاين ) مع الشبكة العالمية ( الإنترنت ) ، بات له رأي ( علمي ) ما : أصبحنا كلّنا نناقشُ مفردات على شاكلة النمذجة (المحاكاة)، والمنحنيات الأسيّة Exponential ، ومعدّلات الإصابة ، واختبارات الأجسام المضادة . صرنا جميعاً وعلى نحو مفاجئ أخصائيين خبراء في علوم الأوبئة والمناعة والفايروسات . عندما يتناهى إلى سمع العامّة من الناس أنّ شاهدة علمية جديدة تسبّبت في تغيّر مفاجئ في السياسة الحكومية فسيكون الميل السائد لديهم هو الإنزلاق نحو الإستنتاج الحصري بأنّ العلماء لايعلمون ماهم فاعلون ، وبالتبعية لايعودون ( أي العلماء ) أناساً يمكن الوثوق بهم ، ولن يفيد كثيراً في هذا الشأن التأكيد على حقيقة أنّ السياسيين سيئون إلى أبعد الحدود في إشاعة المعلومات العلمية بطريقة واضحة وشفافة. الصحفيون من جانبهم معتادون ، وبطريقة لاتنقصها البراعة ، على تداول الأسئلة التي يعتمدها السياسيون لاالعلماء .

لم يكن يوماً ما ثمة ماهو أكثر أهمية من إشاعة الفهم الخاص بكيفية عمل العلم : في السياسة يُنظرُ إلى الإعتراف بارتكاب خطأ ما على أنّه شكل من أشكال الضعف والوهن ؛ في حين أنّ الأمر معاكسٌ لهذا تماماً في العلم حيث يكون إرتكاب الأخطاء حجر الزاوية في المعرفة . إنّ إستبدال النظريات والفرضيات القديمة بأخرى أكثر حداثة ودقّة هو أمرٌ يتيحُ لنا إكتساب فهمٍ أعمق للمادة العلمية موضوعة البحث ، وفي الوقت ذاته نحنُ ( أي العلماء ، المترجمة ) نطوّرُ نماذجنا الرياضياتية ونشكّلُ تخميناتنا تأسيساً على البيانات والشواهد المتوفّرة لنا . بقدر مايختصُّ الأمر بشيء جديد على شاكلة فايروس الجائحة الكورونية فقد شرعنا من خط بداية واطئ من المعرفة ، وكلما راكمنا المزيد من البيانات الجديدة فإنّ نماذجنا وتخميناتنا ستستمرُّ في التطوّر والتحسّن .

الخصيصة المهمّة الثانية بشأن الطريقة العلمية تكمن في تقدير الشك ووضعه في موضع أعلى من اليقين . إنّ موضوعة الشكّ هذه لهي واحدةٌ من الموضوعات التي تستحقٌّ أن نوليها مايستوجبُ من المساءلة والإستكشاف : نستطيعُ إقتفاء أصول مفهوم ( الشك ) في واحدة من الحركات الفكرية القروسطية ، وبخاصة لدى إثنين من المفكّرين هما العالمُ العربي ( إبن الهيثم ) والمفكّر الفارسي ( الرازي ) . دُعِيت هذه الحركة الفكرية في العربية بِـ ( المذهب الشكوكي ) الذي عمل على دحض الحكمة المتحصّلة من قدماء مفكّري الإغريق قبل أكثر من ألف سنة خلت ( من شيوع هذه الحركة الفكرية ، المترجمة ) وبخاصة في موضوعات مثل علم الفلك والطب . إبن الهيثم ، وهو أحد أوائل المنافحين عن الطريقة العلمية ، أبدى شكوكاً عميقة بشأن مؤلفات عالم الفلك الهيليني ( الإغريقي ) بطليموس ، ورأى ( إبن الهيثم ) ضرورة أن لايكتفي المرء بمساءلة المعرفة الراهنة بل أن يتجاوز هذا لمساءلة أفكاره الخاصة وأن يكون دوماً على جاهزية كاملة لتعديل تلك الأفكار أو الإطاحة بها تبعاً للشواهد المتناقضة ، ومعروف عن ( إبن الهيثم ) أنه أطاح بتلك الفكرة الألفية القديمة القائلة بأننا نرى الأشياء لأنّ عيوننا ترسلُ شعاعاً ضوئياً إلى الأشياء ، وفي المقابل قدّم التفسير الصحيح الأوّل للطريقة التي تحصل بها رؤية الأشياء .

لم تزل هذه المقاربة تدلّنا حتى في يومنا هذا على الكيفية التي ينبغي أن نمارس بها العلم ، والحقّ أنّ هذه المقاربة تمثّل إختلاف الطريقة العلمية عن موقف مُنظّري المؤامرة الذين سيجادلون دوماً ( وحالهم في هذا حال العلماء ) بأنّهم يعتمدون موقفاً شكوكياً ينطوي على مساءلة كلّ شيء وإعلاء شأن الشواهد العلمية الحاسمة ؛ لكنّ الأمر المختلف هو أننا في العلم ، وفي الوقت الذي نستطيع فيه أن نثق بأنّ نظرياتنا وتوصيفاتنا للعالم المادي هي صحيحة ، فليس بوسعنا - أبداً - أن نخلع على هذه النظريات والتوصيفات يقيناً كاملاً ؛ إذ في نهاية المطاف إذا ماتحصّلنا على ملاحظة أو شاهدة تجريبية جديدة تتخالفُ مع نظرية قائمة في الوقت الراهن فليس بمستطاعنا سوى إستبعاد مفترضاتنا المسبقة القديمة . إنّ منظّري المؤامرة ، وبمعنى بالغ الواقعية ، هم الطرف القطبي المضاد للعلماء لأنّهم ( أي الأدعياء المنظّرين لفكر المؤامرة ) يتمثّلون الشواهد التي تتقاطعُ مع معتقداتهم الجوهرية ، ومن ثمّ يجتهدون في تفسير هذه الشواهد بطريقة تثبتُ هذه المعتقدات بدلاً من أن تدحضها وتتنصّل منها ( كما يفعل العلماء في العادة ، المترجمة ) .

يحصلُ غالباً في حالة المعتقدات الآيديولوجية ونظيراتها من المعتقدات الأخرى أن نسمع ماأصطلِح عليه بِـتوصيف ( التناشز الإدراكي ) الذي يشعر معه المرء بانزعاج عقلي جوهري عندما يواجهُ شاهدة تتخالف مع الرؤية التي يحملها الشخص ، ويمكن أن يتسبّب هذا الإزعاج في تعزيز سطوة المعتقدات المسبّقة لدى هذا الشخص . جرّب أن تسأل أحد منظّري المؤامرة السؤال التالي : ماالذي يمكن أن يتسبّب في إحداث تعديل جوهري في عقلك ؟ سيكون الجواب على الأغلب ليس ثمة مايمكن أن يتسبّب في تعديل عقلي،لأنّ منظّري المؤامرة مخلصون عنيدون لرؤاهم الشخصية . الحالة مع العلم مختلفة تماماً : نحنُ نتعلّمُ في سياق الممارسة العلمية أن نعترف بأخطائنا ونعدّل رؤانا العقلية لكي تتناغم مع الشواهد الجديدة بشأن العالم .

تمثّلُ التفاصيل التي أوردتُها فيما سبق موضوعة حاسمة الأهمية في الجائحة الكورونية الراهنة. من الواضح أنّ العالَم لايستطيعُ الإنتظار لغاية أن يتعلّم كلّ شيء يخصُّ فايروس الكورونا ومن ثمّ يمضي في إتخاذ مايستلزم من قرارات فعالة ، وفي الوقت ذاته فإنّ التمسّك العنيد بستراتيجية محدّدة بالرغم من كلّ الشواهد المستجدة التي تناقض رؤانا وقناعاتنا السابقة لهو أمرٌ خطير قد يقود إلى مآلات كارثية . ينبغي أن نكون جاهزين دوماً لإحداث إنزياح جوهري في مقاربتنا كلّما تزايدت البيانات الجديدة المتراكمة لدينا وكلما غدت نماذج تخميناتنا الأولية أكثر دقة واعتمادية من ذي قبلُ . هذا الأمر ينبئ عن قوة وليس مورد وهنٍ في الطريقة العلمية .

أمضيتُ طيلة سنوات ممارستي لمهنتي العلمية وأنا أشدّدُ على أهمية أن يكون لدينا مجتمعٌ متنوّرٌ بالمعرفة العلمية ، وأنا هنا لستُ أعني أنّ كلاً منّا ينبغي أن يمتلك معرفة متمرّسة بالكونيات ( الكوسمولوجيا ) أو الفيزياء الكمومية ، أو أن يفهم الفروق الدقيقة بين RNA و DNA ؛ لكننا ينبغي أن نعرف جميعاً ، وبالتأكيد ، الفرق بين البكتريا والفايروسات . ثمة ماهو أكثلر أهمية من هذه المعرفة العلمية الأساسية : إذا كنّا نتطلّعُ بحقّ لتجاوز معضلة الجائحة الفايروسية الراهنة فيتوجّبُ علينا جميعاً أن نحوز فهماً أساسياً للكيفية التي يعمل بها العلم ، فضلاً عن إمتلاك القدرة على الإفصاح بأننا ( وفي خضمّ أزمة كبيرة مثل الجائحة الحالية ) إذا ماأبدينا شكوكنا ( إزاء نظرياتنا وسلوكياتنا العلمية الراهنة ، المترجمة ) عوضاً عن التظاهر باليقين فإنّ هذا الأمر هو مصدر قوة لنا .

  كتب بتأريخ :  السبت 25-04-2020     عدد القراء :  585       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced