الى انتفاضة تشرين . . و في الذكرى الاربعين لتغييب الشهيدة شذى البراك
بقلم : سوسن البراك
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

" لم نفترق ولكننا لن نلتقي ابدا!"

                        الشاعر الكبير محمود درويش

                                                                            

الشهداء لا يرحلون، يمكثون في الذاكرة عميقا، و يواصلون الحياة معنا، كلما نستعيد ذكراهم، يطلون علينا بقامات شامخة فنستعيد بهم الحلم بالحرية و التحدي العنيد من أجل حياة أفضل.....  استذكر شذى و استذكر معها نخبة من الشباب الجميل الواعد بمستقبل مشرق  ممن ضحوا بحياتهم في سوح النضال من أجل أن يعيش الانسان العراقي بكرامة و حرية و عدالة الاجتماعية.

شذى، اختي وصديقتي و رفيقتي  و لها فضل كبير في تكوين وعيي الاجتماعي الأول ... كانت تصطحبني معها أينما تذهب و نعود و نناقش ما كنا قد اختزناه من ذاكرة ذلك اليوم و تقوم بتوضيح ما يخفى عليّ من مفاهيم و من امور كانت تعتبر أسرار الكبار!.  كانت منفتحة في علاقاتها صريحة تحب الناس، ذكية، لمّاحة وجريئة في طروحاتها و كنت أجد في مرافقتها شعورا بالدفئ و الاطمئنان لما تتمتع به من طاقة و حيوية و حب للحياة و للمبادئ التي تحملها.

نشأت شذى في عائلة دفعت ثمنا باهضا لمواقفها الوطنية والانسانية. لقد زرعت فينا العائلة الحب و احترام ضعف الانسان و كره الظلم و القهر و الاستغلال. الأم و الأب ينتميان إلى الأسرة التعليمية، وفّرا لنا فرص الانفتاح على الحياة، حسب الامكانيات المتاحة، من خلال العلم و الثقافة و استغلال فرص التعلم و تنمية الفكر و اكتساب الخبر ...

عائلة منفتحه على محيطها تتمتع بعلاقات و صداقات واسعة مع الجميع من خلال احترامها للعادات و التقاليد و مشاركة الجميع  في مناسباتهم المختلفة. تعودت العائلة على النقاش بجميع المواضيع و اتخاذ القرارات بشكل مشترك و تحمل مسؤولية القرارات المتخذة، مما نمّا في داخلنا الشعور بالمسؤولية و الثقة بالنفس و احترام الرأي الأخر و المساواة، عدا الأعمال المنزلية فكانت حكرا على الأناث منهم فقط ! لم يلعب الدين الدور الاكبر في حياتنا بل كان الضمير و الشرف و الرادع الانساني و الاخلاقي هو المعيار الأساس في تعاملنا.

تميزت شذى بطبعها الاجتماعي  واهتمامها بالشؤون العامة، كانت تجد دائما لغة مشتركة مع الناس عبر بساطتها و دماثة خلقها، و كانت من الطالبات الناشطات في كلية الصيدلة علمياً و اجتماعياً، الى جانب نشاطها في اتحاد الطلبة العام في ظروف أمنية صعبة.

كانت تكره الظلم و الاستبداد و قمع الحريات و لها احساس مبكر بهموم الناس و معاناتهم، و خاصة معاناة النساء والأطفال، و ازداد احساسها بالمعاناة و تعمق وعيها باحوال المجتمع بعدما باشرت مهامها الوظيفية كصيدلانية في مستشفيات في مناطق شعبية، مما دفعها للانضمام للحزب الشيوعي العراقي للدفاع عن مصالح الفقراء و الكادحين وضمان حقهم بحياة حرة كريمة لهم و لاطفالهم، و من خلال عملها في رابطة المرأة العراقية ساهمت بشكل فعال في برامجها و حملاتها من أجل النهوض بالمرأة لممارسة دورها الفعال في المجتمع كتنظيم دورات توعية صحية و أسرية وشجعت النساء على الاشتراك في دورات محو الامية إضافة الى حملات التلقيح ضد الامراض المعدية في المناطق الشعبية . .

وساهمت مع فريق من الرابطيات في عام المرأة 1975 في عمل بحوث و استبيانات و دراسات للمشاكل و المعوقات التي تواجه المرأة وخاصة في المناطق الشعبية و وضع مقترحات و العمل على معالجتها. كانت فخورة بعملها رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها و الاجهاد الجسدي و الفكري، حيث كانت تعمل صباحا بالمستشفى، و مساءً في صيدلية يذهب الراتب الذي تحصل عليه منها لدعم العوائل الفقيرة.  اختارت لحياتها طريقا شاقا كانت تدرك صعىوبته و لكن ما تحمله من وعي و فكر ثوري شد من عزمها على مواصلة الخطوات الاولى لبناء مجتمع حضاري متقدم  يؤمن بالانسان و قدراته و يؤمن باحترام حقوق المرأة و مساواتها، في بلد تتوفر فيه كل الامكانيات للبناء و التطور ليصبح في مصاف الدول الحضارية المتقدمة، يتمتع مواطنيه سواسية بحياة حرة كريمة آمنة تضمن احترام حقوقهم و حرياتهم. في مجتمع يسوده السلام خال من العنف و الحروب

في نهاية السبعينات و مع ازدياد الهجمة الشرسة للنظام الديكتاتوري، ضد القوى الديمقراطية وكل من يعارضه الرأي، و توجيهه ضربات موجعة و قاسية جدا، وجهت انتهاكات شنيعة لحقوق الانسان و للحريات الشخصية،اعتقالات بالجملة و تعذيب وحشي و تصفيات جسدية و ملاحقات عصابات الأمن و الترهيب اليومي و اجبار الناس على دخول حزب البعث بالقوة، كانت  بداية لتدمير المجتمع و زرع الخوف داخله و تشويه كل ما هو جميل فيه!،  كنا نتابع الأخبار آنذاك بقلق عسى ان نلتقط بصيص أمل!, كنا ننتظر ونمنّي النفس بحملة تضامن عالمية تردع النظام عن الاستمرار بسياسته الوحشية. وهذا ما لم يحصل!!!.

كانت هي رغم التحذيرات من الناس القريبين من النظام بأن تكف عن العمل السياسي لأن الموضوع جدّي أو ان تغادر العراق. لم يكن في حساباتها أن تغادر الوطن الذي أحبته و نذرت نفسها من أجله. كانت تأمل أن علاقاتها الاجتماعية الطيبة مع جميع من تعاملت معهم و قدمت لهم يد المساعدة، و من ضمنهم البعثيين العاملين معها بالمستشفى، ممن حملوا  لها كل الود و الاحترام، أن يقفوا إلى جانبها، لأنها لا تحمل غير الحب و أحلام و طموحات لحياة أفضل! ... كنا نناقش هذه الأمور في وقتها يوميا و نعود دائما الى نقطة البداية لأننا لا نملك اي تصور لما هو آت!!!! كان تحديا شخصيا و اخلاقيا أن تبقى انت الأقوى امام الجلاد!!! في حال تعرضك للاعتقال!

في مساء يوم 10/حزيران/1980 تم اختطاف شذى من البيت إذ لم يكن هناك أمر باعتقالها! غُيّبت منذ ذلك التاريخ! و تمت تصفيتها لأنها لم ترضخ و لم تتنازل عن الافكار الانسانية  و عن ايمانها بقضيتها و عن كل المثل التي تحملها  وعن حقها بالحرية و التعبير عن الرأي.

و ها هي  اليوم انتفاضة اكتوبر الشعبية الباسلة، التي جاءت كصرخة عقل في زمن ضاع فيه العقل! و فاجئت الجميع بقوتها و سلميتها و حسن تنظيمها  و بالمشاركة الريادية للنساء فيها ، حيث كسرن القيود و القوالب التي حاولت السلطات المتعاقبة حصرهن بها تحت مسميات و لبوسات مختلفة، متحديات كل مظاهر العنف و الارهاب و التصفيات الجسدية  في نضال عنيد من أجل استعادة وطن!. تابعنا فرحين و قلقين بنفس الوقت اصرار المتظاهرين بالاستمرار حتى تحقيق المطالب! و كان يتراءى لي دوما طيفها و هو يشارك بكل نشاط و حيوية بالتظاهرات و وجهها الباسم ينشد مع الشابات  " هايه بناتك يا وطن هايه..."

جيل جديد من الشابات، براعم قد ازهرت أملأ و تفاؤل و طاقات خلاقة، لفتت أنظارالعالم كله!، بما يمتلكن من وعي و تصميم و آليات عمل و خبرات متراكمة و تجارب من سبقنهن في سوح النضال العنيد . مؤكدين ان جذوة النضال و التحدي من أجل حقوق الانسان و حقوق المرأة و حرية الفكر لا يمكن تخبو! و ها هي اليوم تسطع  في سماء العراق شموسا صغيرة سيشتد نورها مع الوقت لتضئ مستقبلا أفضل أكثر انسانية و تحضر و حرية. وها هي شذى تسير معهم حاملة شعار "المساواة للمرأة و السعادة للطفولة في وطن آمن".

ما علينا ألا ان نتقبل بشجاعة وصبر فقدانك أيتها الغالية و لكنك ما زلت بيننا  بثرائك الروحي و الانساني  و بقيمك النبيلة، التي لم يستيطعوا مساومتك عليها.  ستبقين شابة جميلة تهتمين باناقتك، تهمسين بحب للحياة و للحرية ... و هكذا مرت السنين و اصبح في العائلة شذاوتين شابتين رائعتين سمّيتا تيمنا بكِ، تخرجن طبيبات يواصلن مهنتهن في خدمة الناس كما كنتِ أنت يا شذى العمر

  كتب بتأريخ :  الإثنين 01-06-2020     عدد القراء :  129       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced