تأميم الجهاز الاداري للدولة العراقية
بقلم : د. اسامة شهاب حمد الجعفري
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

السلطة شرٌ مطلق , و لا تكبح السلطة الا السلطة , إذ إن تركيزها بيد شخص او مجموعة او هيئة اساس انتهاك حقوق المواطن الاوربي و قيام الدكتاتوريات المستبدة فيها ,

لذا واجه المفكر الفرنسي مونتسكيو هذا الواقع السياسي في اوربا آنذاك بهندسة سياسية جديدة للدولة من خلال تركيزه على مسألة السلطة في داخل جسد الدولة و العمل على اعادة تصميمها ببنية عقلية منضبطة من الاساس و الجذور بشكل يضمن عدم عودة الاستبداد و الظلم السياسي و الاجتماعي إذ عمدَ على تقسيم هذه السلطة التي لا غنى للدولة عنها على كل جسد الدولة و اعطى لكل هيئة جزءاً من السلطة ,

فاختص البرلمان بتشريع القوانين وفق مصالح المواطنين لان هذه القوانين تمثل الارادة العامة واختصت الحكومة بتنفيذ هذه القوانين و اختص القضاء بمعاقبة المعتدين على القوانين لان الاعتداء على القوانين يمثل اعتداء على الارادة العامة للشعب, فكان مبدأ الفصل بين السلطات الذي حمله للانسانية المفكر الفرنسي مونتسكيو يمثل – بحق -قيمة اخلاقية كبرى لترشيد اداء السلطة و انسنتها باتجاه قيام علاقة عقلية راسخة بين المواطن و الدولة فاصبحقاعدة قانونية مسلم بها في كل دساتير العالم و منها الدستور العراقي في المادة (47) منه.

و مبدأ الفصل بين السلطات لكي ينقل نقلاً سليماً من حيز النصوص الدستورية الى حيز التطبيق العملي له يحتاج الى اهم متطلب من متطلباته و هو ان تكون الطبقة السياسية الحاكمة بالغة سن الرشد لكي تُحسن تطبيقه باتجاه انشاء دولة القانون فهذا المبدأ للراشدين في الحكم . لذا و بسبب فقدان هذا المتطلب الجوهري لاغلب الطبقة السياسية الحاكمة في العراق فقد تعرض هذا المبدأ الاخلاقي القانوني " مبدأ الفصل بين السلطات " الى التحايل عليه و الالتفاف حوله من اجل اعادة تركيز السلطة بيد مجموعة معينة بصيغة جديدة , فقد انتجت الاحزاب السياسية الحاكمة في العراق واقعاً جديداً استبعد من خلاله هذا المبدأ عبر قيام هذه الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية بمد اذرعها لسيطرة و الهيمنة على السلطة التنفيذية التي يعمل بداخلها الجهاز الاداري للدولة من خلال توزيع مناصب السلطة الإدارية التنفيذية على افرادها من المناصرين و الموالين لها . فمن الناحية الظاهرية نرى ان الاحزاب السياسية قد احترمت مبدأ الفصل بين السلطات عبر تطبيق مفهوم الفصل الوظيفي للسلطات , فالنائب التابع لهذه الاحزاب لا يمارس وظيفة تنفيذية و يقتصر عمله على الوظيفة التشريعية, الا ان مفهوم الفصل الوظيفي لمبدأ الفصل بين السلطات لا يمكن ان يكون موضع ثقة في تحقيق توازن السلطات و ضمان الحريات لان الواقع العملي دحض هذه الثقة لاننا نرى ان الاحزاب السياسية في العراق انتهكت مبدأ الفصل بين السلطات عبر تسكين افرادها في المناصب الادارية التنفيذية فباتت السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية الادارية مقبوضاً عليها بيد واحدة و هي الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية و بذلك انتكس هذا المبدأ , و انتهك عملياً و وقعت السلطة التنفيذية تحت سيطرة السلطة التشريعية التي تتكون من الاحزاب السياسية . و بات مبدأ الفصل بين السلطات في العراق مجرد وهم لان التطبيق العملي انتج لنا حقيقة واحدة و هي ان السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية بيد الاحزاب السياسية و لا يوجد فصل حقيقي بين السلطات و اصبحت الاحزاب السياسية هي المرجعية الوحيدة للسلطتين التشريعية و التنفيذية تطبيقاً لنظرية "الغنيمة" التي تقضي بان يكون التعامل مع الوظيفة العامة كأنها غنيمة للاحزاب الفائزة . و اذا كنا نتسامح بشأن سيطرة الاحزاب السياسية على السلطة التشريعية انطلاقاً من ان هذه السلطة هي المكان الطبيعي الدستوري لممارسة نشاطها الا ان التسامح هذا غير موجود اذا ما حاولت هذه الاحزاب المكونة للسلطة التشريعية مد هيمنتها على السلطة التنفيذية التي هي بحقيقتها انما هي الجهاز الاداري للدولة التي تنفذ السياسات التي تضعها السلطة التشريعية كون ان السلطة الادارية التنفيذية ليست المكان الدستوري لعمل الاحزاب السياسية . فيجب اسقاط هذه النظرية وفق ثورة سياسية و اخلاقية و قانونية انطلاقاً من تقديم مفاهيم قانونية دستورية جديدة تصحح الواقع السياسي المنحرف عن غايته الاخلاقية لتحقيق استقلال و حياد الادارة العامة .

من هذا الواقع السياسي و القانوني و ماآل اليه مبدأ الفصل بين السلطات من انتكاسة و انتهاك بسبب اقتصار تطبيق مفهوم الفصل الوظيفي له باتت الضرورة قائمة الى تأميم الجهاز الاداري التنفيذي للدولة و اصلاحه من هيمنة الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية و ذلك من خلال التأسيس لمفهوم جديد لمبدأ الفصل بين السلطات الذي جاء به المفكر الفرنسي مونتسكيو و بشكل يحتاجه الواقع السياسي العراقيو هو الفصل العضوي للسلطات الى جانب المفهوم الكلاسيكي له و هو الفصل الوظيفي بان تمنع الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية من توزيع مناصب الجهاز الاداري التنفيذي على افرادها و التابعين لها بقانون يقضي بفصل الادارة عن السياسة و الزام الاحزاب السياسية بعدم تقاسم الجهاز الاداري للدولة لتحقيق مبدأ الاستقلال و الحياد و توازن السلطات . للحد من سلطاتهم و سيطرتهم على جميع مؤسسات الدولة لتكون الادارة مستقلة و حيادية عن السيطرة الحزبية شأنها شأن الجيش و القضاء و الاجهزة الامنية .

ان مفهوم الفصل العضوي لمبدأ الفصل بين السلطات يعني تحقيق الفصل الواقعي بين المجتمع السياسي" السلطة التشريعية" و بين المجتمع الاداري " السلطة التنفيذية" و يعني كذلك الفصل الواقعي بين سلطة الفعل " السلطة التنفيذية" و سلطة المراقبة " السلطة التشريعية " و بذلك تكون السلطات موزعة توزيعاً عادلاً و بشكل افقي لا عمودي يحكمها النص الدستوري لا قاعدة المصالح التي تدين بها الاحزاب السياسية . ان فصل الادارة عن السياسة وفق مفهوم الفصل العضوي لمبدأ الفصل بين السلطات يعطي للادارة في السلطة التنفيذية جرعة الكفاءة في تحقيق مصالح المواطنين لانه يكفل ان يكون طاقم قيادته لم يصل الى قمرة القيادة الا على اساس معيار وحيد و هو معيار الكفاءة و ليس الانتماء او الولاء الحزبي , فهذا معيار الاحزاب السياسية و ذاك معيار الدولة , كما ان فائدة هذا المفهوم لا يقتصر على السلطة التنفيذية و انما يتعدى الى تحقيق الفائدة العامة لصالح السلطة التشريعية نفسها من خلال إعادة الوظيفة المغيبة للسلطة التشريعية و هي وظيفة الرقابة , رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية , و وظيفة الرقابة لا تعني الهيمنة و السيطرة و انما تعني التقويم و الاصلاح نحو تكامل السلطة الادارية التنفيذية لتستطيع ان تحقق المصالح العامة بكل مجالاتها , إذ بسبب هيمنة الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية على المناصب الادارية للسلطة التنفيذية تكونت معادلة سياسية بين تلك الاحزاب داخل السلطة التشريعية تقضي بالاحترام المتبادل للحرم الاداري التنفيذي للعائد للاحزاب , فكل حزب يمتنع ذاتياً عن رقابة المؤسسات الادارية التنفيذية العائدة لاحد الاحزاب المشاركة في السلطة التشريعية حتى اصبحت السلطة التنفيذية بالكامل خارج نطاق الرقابة مما نتج من ذلك انحرافها عن غايتها الاخلاقية و هي المصلحة العامة للشعب و بذلك غابت الوظيفة الرقابية للسلطة التشريعية المنصوص عليها دستورياً كما هو واضح و ماثل امامنا من تفشي الفساد في كل زاوية من زوايا السلطة التنفيذية.

قد يقال ان تطبيق مفهوم الفصل العضوي لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يقود الى فصل الادارة عن السياسة يؤدي الى تحكم رئيس الجهاز الاداري التنفيذي للدولة و هو رئيس الوزراء بهذا الجهاز و تعيين افراد حزبه حصراً لشغل المناصب القيادية الادارية التنفيذية , و بذلك تكون ثغرة على هذا المفهوم .

ان هذه الاشكالية المطروحة كانت محلاً للتطبيق العملي فقد كان الرئيس في الولايات المتحدة الامريكية و بعض الانظمة الاوربية يغير الجهاز الاداري للسلطة التنفيذية بعد فوزه بالانتخابات بموظفين من حزبه , و ارتبطت الوظيفة العامة بنتائج الانتخابات و تداخل الاداري و السياسي حتى تم اغتيال الرئيس الامريكي James Garfield عام 1881 الرئيس العشرون للولايات المتحدة الامريكية من قبل المتضررين من هذا النظام اذ تم رفض طلبه في تولي احدى المناصب الادارية بسبب انتمائه الحزبي لانه ليس من حزب الرئيس, فكانت هذه الحادثة سبباً لاصلاح نظام الخدمة المدنية في الولايات المتحدة الامريكية و اوربا و فصل الادارة عن السياسة و تعالت اصوات المفكرين و الموظفين في انهاء هذا النظام بصدور قانون بندلتون Pendleton Actالامريكي و الغاء نظام الغنيمة حيث نص على فصل الادارة عن التوجهات السياسية و تحقيق الحيادية و الاستقلالية عن الاحزاب السياسية في السلطة التشريعية او في خارجها و نص كذلك على انشاء ديوان الخدمة المدنية

Civil Service Commission يتولى مهمة توزيع المناصب الادارية التنفيذية بناء على معيار الكفاءة و الجدارة و تحقيق مبدأ فصل الادارة العامة عن السياسة في كل الولايات الامريكية حتى وضع الرئيس الامريكي ودروو ويلسون Woodrow Wilson اسس هذا المبدأ في برنامجه الانتخابية و كان سبباً لفوزه ليكون الرئيس الثامن و العشرين للولايات المتحدة الامريكية عام 1913. و من هنا فان الدستور العراقي نص على اخراج تنظيم شؤون الوظيفة العامة الاتحادية من صلاحية رئيس الوزراء لتدخل في مهام مجلس الخدمة العامة الاتحادي في المادة (107) من الدستور باعتباره من الهيئات المستقلة في جسد الدولة العراقية ليقوم باختيار الطاقم القيادي للجهاز الاداري التنفيذي للدولة و يقوم رئيس الوزراء بعرضه على البرلمان . و بذلك لن يستطيع رئيس الوزراء الانفراد بتعيين الجهاز الاداري التنفيذي.

و خلاصة القول , ان مبدأ الفصل بين السلطات وفق مفهوم الفصل العضوي يحقق عدم سيطرة الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية على مناصب الجهاز الاداري للسلطة التنفيذية و لكن الامر يحتاج الى تشريع بنصوص صريحة يحقق تأميم الجهاز الاداري التنفيذي للدولة من الهيمنة الحزبية بفصل الادارة العامة عن السياسة من اجل عقلنة الاحزاب السياسية المكونة للسلطة التشريعية و ارجاعها الى وظائفها الدستورية الاساسية (تشريع- رقابة) و منعها من ان لا يكون نشاط هذه الاحزاب السياسية عبارة عن صيادوا مناصب و انما نواب للشعب , و كذلك ان اسناد مهمة اختيار القادة الاداريين للدولة الى مجلس الخدمة العامة الاتحادي يكفل منع رئيس الوزراء من تعيين افراد حزبه. و بذلك يتحقق مبدأ الفصل بين السلطات بفك الاشتباك بين السلطات الحاصل في الدولة العراقية مما نتج عن واقع سياسي و اجتماعي بائس على صورتين متناقضتين اخلاقياً : اولهما: شل كل السلطات بان تلبي مصالح الشعب العراقي الذي هو المالك الحقيقي للسلطات . ثانيهما: تسخير كل سلطات الدولة لخدمة الاحزاب السياسية التي هي عبارة عن وكيل للمالك الحقيقي.

  كتب بتأريخ :  الأحد 04-10-2020     عدد القراء :  123       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced