أين العراق من يوم الطفولة العالمي ؟
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في البدء لا أود أن أبدو متشائماً كلياً في قراءتي لما ينتظر مستقبل أطفال العراق في يومهم العالمي الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم ال20 من تشرين الثاني 1959 عند تبنيها الإعلان العالمي لحقوق الطفل وهو ذات اليوم للعام 1989 حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة "الميثاق العالمي لحقوق الطفل" وبات إحتفالاً مقرراً سنوياً منذ 1990 ،

ولكن الوقائع على الأرض مترجمة بإرقام إحصائية تنبأ عن مدى أهمية وحجم المخاطر الإنسانية التي سيتعرض لها أطفال العالم وأطفال العراق بخاصة . هم جميعاً ولاشك في محط أنظارنا وفي الصميم من قلوبنا وضمائرنا كونهم عماد مستقبل العراق . حقائق جلية عن حال الطفل العراقي ومستقبله البائس غير المتيقن منه تشكل تحديات وفرص إنسانية معاً لابد من العمل الجماعي لأقتناصها وخلق واقع جديد جميل يستحقه أطفالنا بحق.

جيل الطفولة في العراق تعرّض ويتعرض لمخاطر إنسانية كبرى ولا اتجاوز الحقيقة إن قلت أن معظم حكوماتنا العراقية وبغض النظر عن طبيعة الأنظمة السياسية التي تبنتها (ملكية أم جمهورية) لم تستطع أن توفر الحدود الدنيا من العيش الكريم لجيل الطفولة ماحرمه من الوصول لإنجازات تحميه وتنمي مواهبه وقدراته المستقبلية. من هنا، وبالنظر لخطورة الموضوع الذي بين يدينا يمكننا أن نؤكد بإن المآساة الإنسانية لطفولة العراق كبرى تغطي حقولاً وميادين ومجالات متعددة ولعل الكاتب طه العاني قد وفق في إختيار عنوان مقاله : "حرمان وعمالة وتعنيف ... هذا ما يواجه الطفل العراقي في يومه العالمي". في وقت يفترض أن يمثل يوم الاحتفال السنوي بادرة إيجابية لإطلاق الآمال الإيجابية بمستقبل زاهر مرفّه وجميل لأطفال العالم وأطفالنا الذين عانوا من البؤس والآلام المزمنة الشديدة من ضمنهم حيث نجد أن واقع جيل الطفولة يزداد خطورة يسلب أطفالنا حق البقاء والعيش الكريم بل ومن آمالهم وأحلامهم الجميلة إن تسنى لهم البقاء . ضمن هذا المضمار تؤكد منظمة "أنقذوا الاطفال" المختصة بالعناية بحقوق الأطفال أن العراق أضحى "من أخطر 10 دول لعيش الأطفال" نظراً لأن أطفالنا يعيشون حالات حرمان : فقر ، تعنيف ، نزوح ، عمالة في أعمال لاتناسب أعمارهم" ، هذا بالإضافة إلى جملة إنتهاكات تشمل المتاجرة والتجنيد في أعمال عسكرية تنتهي إلى حرمان الأطفال من تحقيق آمالهم بل وأحلامهم وطموحاتهم المشروعة. . مسألة يمكن تصور حصولها لدى فئة الشباب بين ال17 إلى 25 عاماً ما يفقدنا أجيالاً شابة منتجة مبدعة مستقبلاً ، ترتيباً على ذلك ، تؤكد رئيسة لجنة المرأة والطفل والأسرة في مجلس النواب العراقي السيدة انتصار الجبوري انه وبرغم توقيع العراق على اتفاقية حماية الطفولة والبروتوكلين الملحقين بها فإن معاناة أطفال العراق ودرجة حرمانهم الإنسانية كبيرة وتضيف أن قانون حماية الطفولة لازال في مجلس الدولة بأنتظار الإجراءات النهائية لأقراره. التوقع المثالي للتذكير بيوم الطفولة العالمي يستدعي لاطلاق حملة حيوية شاملة تختص بالدفاع عن حقوق الأطفال وتلبية مطالبهم الأساسية تعزيزاً لاحتفالهم بعيدهم السنوي الذي يجب أن يتجسد من خلال تفاهمات ، حوارات ونشاطات تؤدي إلى تحقق مستقبل أفضل .حالياً لايبدو لي أن تغييراً إيجابياً قد تحقق في مسار مستوى ونوعية حياة اطفالنا ، ولعل بعض الارقام الاحصائية توضح لنا حقيقة الواقع المؤلم إنسانياً ، منها ما أشارت إليه السيدة زينة عوض المتحدثة بأسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) في مجال تعليم الأطفال مقِرة ب"إن نحو 90 % من الأطفال العراقيين لاتحصل لهم فرصة الحصول على تعليم مبكر". مضيفة إنه "برغم زيادة معدل التحاق الاطفال بالتعليم الابتدائي عند مستوى 92% فإن إكمال المرحلة الابتدائية بين أطفال الاسر الفقيرة لايتجاوز 54%". ظاهرة تمثلت بتسرب سريع له جذور سابقة من مقاعد الدراسة تفاقمت مؤخراً مع إغلاق للمدارس بسبب تفاقم جائحة كورونا وعدم الاستبباب الأمني . مايعني بالضرورة أن مزيداً من الأطفال عقب فقدان أبائهم المعيلين لهم العمل المنتج نتيجة للجائحة لم يكن أمامهم سوى الانخراط في قطاع العمل توفيراً للدخل الأساس لعوائلهم وهم في عمر صغير جداً ما يؤثر بدوره سلباً على نمو صحتهم الجسدية والنفسية. تتضح الصورة من خلال تأكيد المتحدثة الرسمية بأسم اليونسيف UNCIEF"ان 7.3 % من الاطفال العراقيين الذين تتراوح اعمارهم بين 5 و17 عاما منخرطون في شكل من اشكال عمالة الاطفال، و16% من الاطفال العاملين الذين تتراوح اعمارهم بين 15 و17 عاما يعملون في ظروف خطرة". ضمن هذا التصور تناشد السيدة عوض أن يتبنى صناع القرار في العراق "ضرورة حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، أو أداء أي عمل يضر بصحة الطفل ونموه ". ضمن سياق كهذا تتضح لنا الصورة الأخرى المكملة والتي تعد الأكثر خطورة محورها مستقبل المسألة الصحية برمتها حيث يمكن ملاحظة عدة مؤشرات سلبية منها نتائج سوء التغذية لاطفالنا ، إذ ووفقاً لأقوال متحدثة اليونسيف : "2.9% من الأطفال دون الخامسة من العمر في العراق يعانون من نقص الوزن ، 2.5% منهم يعانون من الهزال، و9.9% منهم يعانون من التقزم". إحصائيات أخرى مرتبطة بتدهور الحالة الصحية لأطفالنا (يمكن تأكيدها بالارقام المتوفرة) إذ تشير إلى تفشي حالة الفقر التي عمت وتجذرت في عدة محافظات عراقية بحيث وصلت إلى معدلات عالية ما بين 30 – 50% من مجموع سكان تلك المحافظات. إحدى الإحصائيات أشارت إلى أنه "يوجد طفلان فقيران بين كل 5 أطفال" في العراق. هذا وتفادياً أو تخفيفاً لإستمرار حالة الفقر والفاقة ووصول الأسر الفقيرة لحد ما دون الفقر"الفقر المدقع" سيكون من الصعب حقيقة تجنب عدم إنخراط الأطفال في أعمال شاقة أو تعتبر "خطرة مستقبلاً" بإعداد أكبر. بإختصار وبالرغم من كون أعمارهم صغيرة إلا أن صراعهم للحصول على لقمة العيش تجعلهم "يشيبوا قبل وقتهم". يضاف إلى ذلك أن الحروب والنزاعات المسلحة في منطقتنا وفي العالم عموماً قد خلفت ما يقارب من 4 ملايين معاق "ذوي الاحتياجات الخاصة". هؤلاء بحاجة لرعاية واهتمام خاص من متخصصين لهم باع في تحويل التحديات الى فرص مثمرة ناجحة.

صور أخرى قد تضيف الى المشهد الدرامي عمقاً إنسانياً أكبر يرتبط ببيئة تفاعلية متغيرة سريعاً في داينمياتها للنظامين العالمي والاقليمي مع النظام الوطني ترينا أشكالاً من صور المعاناة المستدامة غير المتيقن كلياً من نتائجها السلبية والخطيرة سيواجهها الأطفال منها مثلاً تلك التي تخص الاتجار بالأطفال ( لاتتوفر وفقا لوزارة التخطيط العراقية ارقام محددة عنها) حيث يمكن أرجاع اسبابها لحالة الفقر المدقع (31.7 % معدل الفقر للشعب العراقي) وأمر أخر خطير مرتبط بماساة الأطفال يتركز حول انتشار الجريمة المنظمة التي تنتشر في ظل بيئة غير آمنة وليست مواتية لنمو الأطفال و لا حتى لتنمية قدراتهم كما هو الحال في الغالب الاعم من أقليم مينا – MENA – Middle East North Africa (الشرق الأوسط وشمالي افريقيا) الذي يتعرض باستمرار لخروقات أمنية داخلية وخارجية واسعة (بضمنها الإرهابية وعصابات المخرات وغيرها) تهدد وحدة وأمن وسلامة الاوطان بل وبقاء البشر ، تهديدات تردنا من قبل جماعات اللادولة أو المليشيات والعصابات المنظمة المسلحة تسليحا قد يفوق ما تمتلكه بعض الدول . إضافة لارتباطات سياسية داعمة لها في هذا الأقليم الواسع والمميز جيوستراتيجيا والذي يمتلك ثروات لو أحسن إدارتها لما واجهنا مشكلات وأزمات الفقر وما يصاحبها من إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وبالتبعية حقوق الأطفال. ضمن هذا السياق يمكن القول بإن الاطفال حتى وإن لم يشتركوا مباشرة بإعداد كبيرة في النزاعات المسلحة إلا أنهم ليسوا بعيدين عن تأثيراتها وتداعياتها الإنسانية مسالة ولاشك تنطبق على حال العراق الذي يجب تغييره جذرياً. إن إنتشار قوى السلاح المنفلت وتجذر الفكر والنهج العشائري – القبلي بعيدا عن الاستعانة بالفكر الوطني –المدني التنويري المنفتح على تلاقح حضاري عالمي لايسمح لبعض الدول ومنها العراق بالخروج من عنق الزجاجة لإن ما ينفق على تجارة شراء وبيع السلاح يفوق بدرجات كبيرة ما يمكن للدولة أن تنفقه مالياً – اقتصادياً "استثمارياً" على بناء الإنسان بناءً منتجاً مبدعاً وخلاقاً في مجال التنمية الإنسانية . صور أخرى تزيدنا حزناً يمكن الإشارة اليها منها معلومات تستند إلى إحصائيات مصدرها وزارة التخطيط العراقية تشير إلى أن أعداد الأطفال الايتام الذين هم نتاج وتداعيات الحروب وأزمات الانفلات الأمني وصلت إلى أكثر من مليون طفل وفقاً لدراسة اعدتها وزارة التخطيط صدرت في عام 2017. علما بإن دراسات أخرى غير مؤكدة تعطينا أرقاماً أعلى تقريبية نسبية تصل مابين 2 إلى 5 ملايين يتيم. هذا ولعل من المناسب الإشارة أيضاً إلى أن أوضاع اللاجئين الأطفال في معسكرات اللجوء أو النزوح ليست طبيعية وليست بالقطع سعيدة حيث يمكن ملاحظة تعرض بعضهم لإنتهاكات أو لعنف وتعنيف ولخروق إنسانية واضحة متنوعة متعددة الصور والاشكال لايمكن تقبلها مطلقا بل يجب محاسبة كل من يقوم بها حساباً عادلاً وفقاً لقواعد القانون الوطني أوالدولي في إطار بنود واضحة للعقوبات الجنائية وغيرها كي يكونوا عبرة لغيرهم ممن يسيرون على نهجهم غير الإنساني المدمر لبراءة الأطفال والمنتهك لحقوقهم المقرّة دولياً ووطنياً . وهنا ،يمكن القول إن اليونسيف أحسنت عندما ألغت رسمياً في ال20 من 2019 الاحتفالات الخاصة بمناسبة يوم الطفل العالمي في العراق "مؤكدة أن القرار جاء على خلفية قتل وجرح أطفال ومراهقين خلال التظاهرات التي تشهدها مدن البلاد منذ الاول من أوكتوبر الماضي". هذا وقد أصدرت المنظمة مناشدة مهمة جدا لكل الأطراف المعنية بحماية الاطفال تقول بضرورة "حماية الأطفال والشباب من العنف وصون حقهم في التعبير عن آرائهم وانفسهم بعيدا عن العنف والترهيب ، مشددة أن الأطفال والشباب هم الدعامة الاساسية لمستقبل العراق". صحيح أن الأرقام الدقيقة حول أعداد القتلى والمصابين من الاطفال والشباب المشاركين في الثورات أو الانتفاضات التشرينية لم يحدد بصورة دقيقة أو قاطعة ولكن تم مؤخراً تحديد الأعداد الكلية رسميا للقتلى "الشهداء" بحدود ال550 والجرحى وصلوا إلى ما يقارب ال25000- 30000 (ارقام بحاجة للتأكد منها أكثر مستقبلا).

أخيراً ، يمكننا القول بإن للموضوع تفصيلات وتعقيدات متنوعة تختص بإزمات جيل الطفولة المضيع والتي لابد من دراستها معمقا وحلها وهي ليست بالأمر السهل في ظل حكومة انتقالية مهمتها الأساسية التحضير لإنتخابات مبكرة . من النقاط التي أرى أهمية مناقشتها مستقبلاً:

أولاً: تأسيس صندوق سيادي للاستثمارات المجزية إقتصادياً – مجتمعياً يخصص جزء حيوي منه لحماية ، رعاية ومتابعة تنمية حقوق الأطفال في العراق .

ثانياً: ربط موضوع متابعة شؤون الأطفال والتحديات التي تجابههم من خلال مؤسسات حكومية ترتبط بالسلطة التنفيذية وحصراً برئيس الوزراء كي تتخذ قرارات سريعة فاعلة لإنقاذ أطفال العراق من المآسي الإنسانية التي تواجههم يومياً.

ثالثاً: تفعيل وتنشيط دورمنظمات المجتمع الدولي لتنشيط محيط الحركة الثقافية وتنمية الوعي العام بمعاناة الاطفال لمتابعة حسن تطبيق أحكام الاتفاقيات والمواثيق الخاصة بحماية الأطفال وعلى رأسها ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الطفل منعاً لأية إنتهاكات بحيث تتم المحاسبة الفاعلة في إطار محاكم قضائية مختصة وطنياً أو دولياً.

رابعاً: تعبئة كل الجهود الوطنية من أجل تقديم كل ما يمكن تقديمه من مشروعات تنموية وتعليمية وعلمية مستدامة هدفها تنطلق من جيل الطفولة الواجب حمايته ورعايته وتنميته مادياً ومعنويا دون قيود او شروط او بيروقراطية معرقلة لبناء الإنسان جوهر التنمية الإنسانية المستدامة كي يستعيد أطفالنا أحلامهم الجميلة.

  كتب بتأريخ :  السبت 28-11-2020     عدد القراء :  213       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced