توزيع الثروة وبناء الشخصية العراقية
بقلم : سلام حربة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

منذ أن خُلق الإنسان على الأرض وهو يناضل كي يحصل على متطلبات حياته اليومية من غذاء الى مال يقويه الى سكن يؤويه ويقيه من خشونة الطبيعة وتقلباتها ولذلك دخل في صراع قاس مع الواقع من أجل تغييره كي يلبي رغباته ويطور من نمط عيشه..

إن هذا الصراع الذي دخله مع قوى الطبيعة من جهة والآخرين في مجتمعه من جهة أخرى هو الذي دفعه الى السمو والرقي وبناء الحضارات وآخرها ما تمر به المجتمعات في الزمن الحديث من ثورة في العلوم والتكنولوجيا وفي أنماط العيش الجديدة والرغيدة..إن العراق بلد غني فهو يحتوي على أكبر احتياطي للنفط في العالم وفيه نهران عظيمان يغذيان الإنسان والتربة من أقصى شماله الى جنوبه..ما حصل عبر التاريخ أن الإنسان العراقي لم تتفجر طاقاته بالشكل الحقيقي من أجل بناء حياته المثالية فهو مكبل بشكل دائم بالأنظمة المجنونة المتعسفة والتي تشل الحركة لديه وبقيت طاقاته حبيسة ذاته وبقي المجتمع العراقي يراوح في مكانه لا بل إنه مر بمراحل تاريخية، منذ أكثر من خمسة عقود، زادته تخلفاَ رغم الإمكانيات العقلية الخاصة والقدرات الإبداعية التي يتميز بها المواطن العراقي والتي تشهد له بذلك كل الأجناس في العالم..لقد كان طموح العراقي أن يرى زمناً يستطيع فيه أن يحرر طاقاته المكبوتة ويبني المجتمع على مزاجه وقدراته وحساباته المنطقية بحيث يكون في مصاف البلدان المتقدمة وساهم بتضحياته الكبيرة وإمكانياته المادية المتواضعة مع القوى العالمية الجبارة على التخلص من أعتى سلطة دكتاتورية عرفها التاريخ في 9 / 4 / 2003 لكن الذي حصل أن طاقات العراقي لم تتحرر بل ازدادت تكبيلاً وتم تأسيس ، من قبل القوى السياسية الطائفية والعرقية التي حكمته ، بنى تحتية للخراب ..لقد ساهم الوضع الجديد في العراق على تحسين الوضع المعيشي للبعض من أفراد المجتمع من طبقة الموظفين والتجار والمقاولين ومن سياسيي الصدفة اللصوص الماسكين بالسلطة حتى أصبح دخل هؤلاء يفوق دخل راتب أي فرد في العالم وقد ربحوا من جراء ذلك توفر الغذاء الجيد والعيش الرغيد وركوب أحدث وسائط النقل من سيارات حديثة لا يحلم بركوبها حتى مخترعها في البلدان الأوروبية وازدحمت الشوارع والمدن بآخر صيحات الموضة في السياقة واللبس والاتصال ، أما البيوت فالان تشيد في العراق الفلل والقصور الملكية على أنقاض الخرائب والبيوت الطينية كما تم تقليص ساعات العمل لهم بحيث أن نصف أيام الشهر عطل رسمية والنصف الآخر يقضية الموظف متسكعاً في الغرف وممرات الدوائر، إنتاجية الموظف في اليوم سبع عشرة دقيقة هذا ما تؤكده منظمات العمل، والانشغال بالمناسبات الدينية والسياسية وما اكثرهما في الحياة العراقية وتعطيل النشاطات الأدبية والثقافية والفنية في البلد..إن تحسين أنماط العيش من مسكن الى مأكل ومشرب الى حاضر ومستقبل آمنين مطالب إنسانية لا غبار عليها لكن أن يحصل الإنسان على هذه الأمور دون جهد يذكر ودون صراع قيمي وأخلاقي مع الواقع والمجتمع ، من أجل تغييرهما نحو الأحسن ، سوف لن تكن نتائجهما سليمة بل مدمرة في القادم من الأيام..إن المجتمعات الأوروبية بإمكانها أن تغدق على أبنائها الثروات الطائلة كون اقتصادها من أرصن وأغنى الاقتصاديات في العالم لكن الناس هناك تعيش ضمن حدود الاكتفاء ولا يحصل الموظف أو العامل على راتبه إلا بعد أن يبذل الجهد القاسي ومطوعاً الماكنة والعلم في مجال عمله وكلنا قد سمعنا وشاهدنا أن ساعات العمل هناك مقدسة ولولا هذا التقديس للعمل والزمن لما كانت هذه الحضارة الأوروبية التي ترفل البشرية بنعيمها..إن الحصول على السكن الجيد من قبل الفرد هناك يحتاج منه أن يبذل كل طاقاته الجسدية والعقلية في عمله كي يكون متميزاً عن أقرانه ويخترع من الأجهزة والأفكار ما يدفع بالعملية الإنتاجية الى أمام وكذلك الحال بالنسبة للسيارة الحديثة والدخل المادي الجيد الذي يسمح له أن يتمتع بعطلة على شواطىء الراحة والاستجمام..يبدو أن قدر الكثير من العراقيين أن يكونوا غرائزيين لا يشبعون من المال ولا الجنس ولا الغذاء دون أن تعرق جباههم في العمل معتمدين على ما يمنحه لهم باطن الأرض من نفط وهذا ما سيدفع بهم في النهاية أن يجعل منهم كائنات متبلدة لا تعرف شيئاً ولا يهمها أمر ما وإن رأت أن بلدها يُخرب وأموال الشعب تُسرق والطبقات الجديدة من الشباب والخريجين يعيشون البطالة ولا يملكون أبسط مقومات العيش في هذا البلد ..هذا القصور بالوعي سببه إن البلد معطل والإنسان هناك لا ينتج شيئاً ولا يفقه شيئاً..العمل هو المحرر لطاقات الإنسان ومن لا يصنع شيئاً ويطور الواقع لا يستحق الحياة..إن شكل الحياة العراقية الآن تبدو عصرية من الخارج، لتوفر التقنية الحديثة من أجهزة اتصال متطورة من موبايل وكومبيوترات وسيارات حديثة وتزويق عمراني زائف، ولكنها مُخربة من الداخل وهذا ما أدى بمرور الوقت الى انحسار الوعي الفردي والاجتماعي وتآكل القيم الأخلاقية وفراغ الواقع من المرتكزات الحضارية والعلمية والصناعية وبالتالي شيوع الأوهام والخرافات وتسيّد ثقافة الماضي التي ترفل بها العقول وتعشعش في كل مفاصل الحياة..

ما يعانيه الفرد العراقي الكسول الذي يعاني من البطالة المقنعة هو الفراغ..هذا الفراغ الذي لم يمتلىء يوماً بالراحة بعد عناء ومراجعة الذات والقراءة والتأمل وفحص الواقع واشكالياته لقد قالها أحد فلاسفة الألمان يوماً ( إن الفراغ أثمن رأسمال ) وفيه يتم التدقيق وتصحيح الأخطاء وابتكار المنجزات العلمية لا قضائه باجترار الحكايات الخرافية والبطولات الوهمية وطعن الآخرين والتصيد بالماء العكر والتفنن في صنع الخراب وتلويث النفوس وحرق الوقت بالملذات الحسية وتجيير الانترنت والهاتف النقال ، اللذين لا يفقه منهما شيئاً ، سوى لتنشيط الغرائز الجسدية..

ما يحتاجه العراقي من السياسيين القائمين على مقدرات هذا البلد، وهذه أمنية لن تتحقق لأنهم جميعاً فاسدون، أن يجعلوا من اقتصاد البلد متعدد الجوانب وليس ريعياً ،وأن يضعوا نصب أعينهم الارتقاء برفاهية هذا البلد لكن ضمن الشروط العلمية وليس بقياسات الأمزجة المريضة والاهواء والمصالح السياسية ، ومراجعة قوانين العمل والقضاء على البطالة وتنشيط القطاعات كافة وحساب الرواتب والحوافز على قدر ما يقدمه الفرد من خدمة وابتكار للمجتمع وتفعيل القطاع الصناعي لأن التعامل مع الآلة هو وحده من يأخذ بيد الإنسان الى مصاف التحضّر والحياة وإدخال المكننة في الزراعة وأن يتم اشراك المواطن في صياغة قوانين الحياة لأننا بهذه الطريقة فقط نضمن الحصول على عراقي يحافظ على بلده وتاريخه وحاضره ومستقبله ولا أن نترك له الحبل على الغارب للتيه في غابة الغرائز الحسية المترامية وبلا آفاق والتي ستجعل منه في النهاية مسخاً سيعمد بيديه أن يمسح وجه الوطن بالجرائم والأباطيل..يجب مراجعة تجارب البلدان المتقدمة وكيف بَنوا الحضارات والإنسان على مر العصور لا أن ننظر الى ما يخرج من باطن الأرض من ثروات ينفقها البعض في أحسن المآكل والمشارب واللباس والسكن والسيارات وحرمان طبقات كثيرة من خيرات بلادهم، بهذه الفوضى واللاعلمية لا يبنى البلد وتتم خسارة أرواح وعقول وكينونة الأفراد ويقزم الوطن الذي سيتحول بمرور الأيام الى محميات بائسة للجهلة والقاصرين والشاذين عقلياً..يجب تأسيس بنى اجتماعية عقلية حقيقية قادرة أن ترتقي بالإنسان وبالوطن وأن تزيح بنى الخراب التي بدأ العراقي يلمس آثارها عليه ..ما يحصل من أزمة اقتصادية وعجز الدولة عن دفع رواتب الموظفين وتلبية احتياجات المواطنين من خدمات سببها سوء الإدارة المالية والاقتصادية وانعدام التوزيع العادل لثروة البلد واثبتت في الوقت نفسه أن سياسينا ليسوا برجال دولة بل طارئون عليها قذفهم قدر العراقيين الأسود كي يتسيدوا عليه ، وما ثورة تشرين عام 2019 والتي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا وكل الاحتجاجات العراقية منذ 2003 إلا رفض العراقيين لهذا النظام السياسي ولهذه الطبقة السياسية الموبوءة التي عمدت على تخريب الشخصية العراقية، وبكل الوسائل، من أجل سهولة السيطرة عليها وابقاء السلطة بأيديها أبد الدهر..

  كتب بتأريخ :  الإثنين 21-12-2020     عدد القراء :  294       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced