حلول لمعالجة العجز في الموازنة
بقلم : علي الشرع
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

قد تواجه كل البلدان حتى الثريّة منها عجزاً في الموازنة العامة. وتتجنب الحكومات الحصول على الإيرادات اللازمة لتغطية النفقات من خلال رفع معدل الضرائب كونها ستؤدي الى تخفيض الاستهلاك الذي يمثل الجزء الأكبر من الطلب الكلي الذي يقود في حال انخفاضه الى احتمال وقوع الاقتصاد في ركود سيظهر أثره سريعاً في هبوط الأسعار والإنتاج،

ومن ثم، رفع مستوى البطالة، ولهذا السبب فأن الخيار المتبقي أمامها هو اللجوء الى الدين العام. ولكن عجز الموازنة في العراق تحوّل الى أشبه بالعاهة المستديمة لا يمكن علاجه بسرعة وسهولة الى درجة جعل من وزير المالية العراقي يولول وينتحب في الإعلام وقد ينتهي به الحال الى أن يشق قميصه أمام الكاميرات لكون الحكومة غير قادرة على مواجهة أزمة عجز مزمنة في الموازنة قد "تذهب بالعراق الى المجهول" كما يقول مما أثار قلقاً وسط الناس من هكذا تصريحات، وعلى رئيس الحكومة الدائخ أصلاً أن يفكر جدياً بتنحية وزيره هذا كما فعل مع المتحدث باسمه. وأمام هذا الوزير بدلاً من الذعر أن يعالج موضوع العجز من خلال اللجوء الى خيار الدين العام الداخلي لا الخارجي، فالدين العام الداخلي -الذي يتأفف منه المستشار الاقتصادي المخضرم لرئيس الوزراء- ليس خطيراً ولا داع للخوف منه والتهويل بكبر حجمه مادامت البدائل الأخرى غير متاحة لحل مشكلة آنية من خلال الاقتراض بالعملة المحلية حتى اذا تمكنت الحكومة من الوصول الى ما يقرب من 30 ترليون دينار من الأموال المكتنزة في بيوت العراقيين لكن بشرط أن تخصص النسبة الأكبر منها لتنمية الاقتصاد وليس حجزها تحت تصرّف الحكومة حتى تنفق منها على تغطية الرواتب ومصروفات أخرى يغلب عليها طابع الرفاهية بحيث تتآكل كلها، حينها يصدق على العراق قول الوزير إنه ذاهب الى المجهول بسبب سوء إدارة الحكومة للاموال وليس بسبب نقصها.

وفعلاً قبل أيام أعلن وزير المالية إنه بصدد طرح سندات للجمهور بقيمة 5 تريليونات مقومة بالدولار وبالدينار العراقي. واتباع الحكومة هذا الخيار ليس بدون ثمن حيث إنها لابد أن تتخلى عن أي خطط يقترحها البعض لتخفيض سعر صرف الدينار العراقي الرسمي أو تقليل مبيعات مزاد العملة كما فعلوا سابقاً أو الامتناع عن الحفاظ على قيمته من خلال التدخل في السوق وتركه لظروف العرض والطلب، لأن الحكومة يجب أن تتمتع بالمصداقية أمام الجمهور حتى لا يندم من يشتري هذه السندات بالعملة المحلية خاصة حينما يستلم قيمتها الحقيقية عند السداد أقل من قيمتها عند الشراء إذا لم يُحافظ على مستوى مستقر للأسعار. مع أن هناك شك أن أحداً من الجمهور ماعدا المصارف أن يُقبل على شرائها لأسباب شتى منها دينية باعتبار أن بيع وشراء السندات معاملة غير جائزة، وسيفشل هذا الخيار. وإذا أرادت الحكومة فعلاً أن تعالج مشكلة تغطية الرواتب المزمنة فأن الحل البديل الذي يمكن أن يؤدي نفس الغرض ولو جزئياً يكمن في طرح سندات الادخار التي يُدفع عليها معدل فائدة معين. وبموجب هذا المقترح، تدفع الحكومة للموظف جزءاً من راتبه فيما زاد عن مليون ونصف دينار على شكل سندات إدخار. ويجب أن تكون هذه السندات بقيم صغيرة، ويمكن للموظف أن يبقيها في المصرف الذي يستلم منه راتبه أو يبيعها للمصارف بنفس قيمتها، أو أن يستعملها كرهن في البيع والشراء، أو شراء أسهم في مشروعات الحكومة المعوضة عن الاستيرادات ذات العائد السريع. وعندما تنتهي هذه الازمة واذا رغب الموظف باسترداد قيمة حصته من سندات الادخار يمكنه أن يستردها من الحكومة مع مبلغ إضافي هو معدل الفائدة. (ولا أظن أن هناك إشكالاً شرعياً في سندات الادخار لكون سندات الادخار لا تشبه السندات العادية من حيث إنها تفتقر الى ركن مهم وهو وجود البائع والمشتري فالموظف لم يستلم راتبه ليشتري به السند الادخاري بل أن الحكومة تعوضه عن جزء من راتبه الذي بذمة الحكومة ولم يستلمه على شكل سندات، ومع ذلك يبقى من الضروري اللجوء للفقهاء للاستعلام عن مدى جواز هذه المعاملة.(

لكن مقابل ذلك لا يمكن القبول بحل طرحته المالية النيابية القاضي بفرض ضريبة القيمة المضافة من أجل تعزيز الإيرادات، وهذه الضريبة تفرض على كل عملية بيع وشراء للسلعة حتى تصل ليد المستهلك، وقد يتضخم سعر السلعة مرّات ومرّات جراء ذلك، وهو ما يعني أن إيرادات كبيرة ستدخل خزينة الدولة. وكما هو معلوم، فأن ضريبة كهذه تُوصف للدول التي تعاني من ارتفاع مستوى التهرب الضريبي أو ان نظامها الضريبي غير كفوء، لكن -كما معلوم أيضاً- أن هذه الضريبة ما هي إلا لعنة ستصيب كل اقتصاد يطبقها، وأولى هذه اللعنات ستظهر في ارتفاع الأسعار الأمر الذي يجب أن تتجنبه الحكومة كما ذكرنا مادامت تريد إصدار سندات بالعملة المحلية وتعمل على تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية وتقلل من عدم اليقين في الاقتصاد. كما أن تطبيق هذه الضريبة في البلد ستدفع الى التصادم بين الحكومة وأصحاب الدكاكين الصغيرة المنتشرة على طول البلاد وعرضها، وسيرفضون الإقرار الضريبي عن حجم مبيعاتهم لاسيما أن معظمهم إن لم يكن كلهم ليس لديه حسابات في المصارف ولا يستخدمون الأجهزة الالكترونية في تسجيل عمليات البيع اليومي حتى يمكن ان تعرف الجهات الضريبية ارباحهم. ولا نستغرب أن تطرح اللجنة المالية النيابية مثل هكذا ضريبة فرئيسها مهندس ميكانيك ولا يوجد أحد من أعضائها كما يظهر من تصريحاتهم إنه متخصص في الاقتصاد، وإذا ما استندوا في ما طرحوه في ورقتهم (التي تحتوي على اقتراحات أخرى مكررة وغير عملية) التي قدموها للحكومة على مستشاريهم، فنكون نحن في أزمة تخطيط لا نقص أموال، فلا مستشارو رئيس الوزراء قادرون على تقديم الحلول ولا مستشاريهم، فكيف يمكن أن تصور أن يخرج الاقتصاد العراقي من عنق الزجاجة؟!

والغريب، وليس بغريب بل إنه أمر تعودنا عليه في فوضى عدم وجود جهة تخطيطية محددة لإدارة الاقتصاد، إنك تسمع ضجيجاً كبيراً يتعلق بالرواتب وكيفية تغطيتها ولم نسمع مع وسط هذا الضجيج أي حديث عن المشروعات التي ستنفذها الحكومة لتساهم في رفد الموازنة بايرادات غير نفطية لسد العجز، ولو أن الحكومة من بداية الاقتراض الأول قبل ستة شهور قامت بالشروع في تنفيذ مشروعات تنتج سلعاً معوضة عن الاستيرادات التي لا تحتاج لفترة زمنية طويلة في التنفيذ ولا لرأس مال كبير لبدأت تأتي أكلها ولظهر ضوء من الأمل في آخر النفق. وعليها التفكير بتنفيذها من اليوم ولكن على الحكومة أن تتولى ذلك في المرحلة الأولى ومن ثم تحويلها الى مشروعات مساهمة بعد نجاحها في مرحلة لاحقة حيث إنه لا يمكن الاعتماد على القطاع الخاص العراقي في إحداث التنمية؛ لأنه بطبيعته لا يحب المخاطرة ويبحث عن الربح السهل السريع.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 23-12-2020     عدد القراء :  285       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced