نقد الشخصية العامة حق يسمو على قانون الجرائم المعلوماتية
بقلم : د. اسامة شهاب حمد الجعفري
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لا يعي المجتمع ذاته إلا حين يعي كياناته السياسية المتمثلة في الدولة .. لأن الدولة ليس أكثر من مجتمع منظم تقوم في داخله سلطة سياسية ترعى شؤونه العامة على المستويين الوطني و الدولي ,

و هذه السلطة السياسية بطبيعة الحال يقودونها بشر مخولون من قبل ذلك المجتمع البشري المنظم لأداء وظائف الدولة نحو غايتها الوحيدة و المحددة سلفاً لهذا الطاقم القيادي للدولة و هي الوصول الى تحقيق المصلحة العامة و المتجسدة بمصلحة ذلك المجتمع الذي يعد المالك الشرعي لهذه الدولة , و من هنا ظهر مفهوم الشخصية العامة كواقع مادي ملموس قائم على الشأن العام و صانعاً للقرار العام و موجهاً لدفة الدولة نحو غرضها الأوحد المتجسد بمصلحة الجمهور , و الواقع العراقي يحدثنا عن نوعين للشخصية العامة :

أولهما: الشخصية العامة الرسمية بمعنى إنها تلك التي تتقلد مناصب رسمية في الدولة و تقود مؤسساتها الرسمية كرئيس الجمهورية و رئيس الوزراء و رئيس البرلمان و رئيس مجلس القضاء نزولاً الى الموظفين العموميين العاملين في هذه السلطات الثلاث و غيرها من المؤسسات الرسمية المستقلة عن هذه السلطات , و ثانيهما: الشخصية العامة الاجتماعية التي تملك قوة التأثير على الشأن العام الموجه للدولة و المجتمع من دون تسنمها مناصب رسمية في الدولة كالزعماء الاجتماعيين و السياسيين و رؤساء الأحزاب السياسية و المرشحين للانتخابات و مدراء الشركات الخاصة و منظمات المجتمع المدني و كل من يقوم بعمل- يهم الجمهور- ذي تأثير على الشأن العام و أن لم يكن في منصب رسمي. و العلاقة بين هاتين الشخصيتين و إن كانت مستقلة إلا أنها في الغالب تكون متبادلة و قائمة عندما تكون الشخصية العامة غير الرسمية الشخصية العميقة للشخصية العامة الرسمية فتكون الاخيرة مجرد ممر لقرارات الأولى بهدف الهروب عن تحمل المسؤولية القانونية إلا أن ذلك لا يعفيها عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع بشكل مباشر.

هذا الدور العام الأكثر حساسية و الأكثر أهمية و الأكثر خطورة التي تمارسه الشخصية العامة بنوعيها في حياة المجتمع و تقرير مستقبل أجياله القادمة يجب أن يكون منضبطاً نحو رعاية مصالح الجمهور لا غير , و من أجل انضباطه نحو تلك الغاية الأساسية لابد أن تخضع هذه الشخصية العامة للتقييم العام من خلال ايجاد مساحة واسعة للمواطنين لانتقاد عملها العام بمختلف وسائل النقد سواء كان عبر وسائل الإعلام أو الاجتماعات أو التجمعات أو الصور و الرسوم الكاريكاتورية لتكوين قوة ضغط مجتمعية نقدية على هذه الشخصية العامة لضبط سلوكها العام نحو الغاية المطلوبة إذا ما انحرفت عنها , أو ترشيد رؤيتها العامة إذا ما كانت قاصرة أو تلحق ضرراً عاماً بالمجتمع و الدولة , لتُدرك هذه الشخصية العامة إنها تعيش في مجتمع يقظ لا يغفل عن مصالحه الحقيقية و إنها ليست حرة بالمطلق في التصرف بشؤونه و إنما هي مقيدة بقيد المصلحة العامة . فيـأتي الحـديث عـن الحـق في نقـد الشخصية العامة وضرورة استعماله دائماً وعلى نحـو مـستمر وفعـال وهـادف كحاجـة و ضـرورة ملحـة يجب العمل عليها وترسيخها كثقافة وسلوك في كافـة الـشؤون العامـة التـي تـرتبط بـصميم حياة المواطن لتحديد من يصلح للقيام بشؤونه العامة و من لا يصلح .

و لكي يكون الحق في نقد الشخصية العامة هادفاً و مؤثراً و فعَّالاً ينبغي أن يكون” نقداً قانونياً « و يكون الحق في نقد الشخصية العامة قانونياً عندما يستند الى أساس قانوني رصين يُثبت وجوده أولاً و أن يُمارس وفق الكيفية القانونية ثانياً . و يجد هذا الحق مكانه في ثلاث أُسس قانونية : الأساس الاول: المادة 38 من الدستور العراقي التي تقرر كفالة حق التعبير عن الرأي بكل الوسائل بما لا يخل النظام العام و الآداب . الأساس الثاني: المادة 41 من قانون العقوبات العراقي التي نصت على أنه لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون. الأساس الثالث: الفقرة 2 من المادة 433 من قانون العقوبات التي تجيز الطعن في أعمال الموظف العام و كل شخص ذي صفة نيابية او مكلف بخدمة عامة و أي شخصية تتولى عملاً يتعلق بمصالح الجمهور بعد اثبات ما أسند إليهم من تجاوزات.

و بعد اثبات وجود الحق في نقد الشخصية العامة في القانون, فان هذا الحق عندما يمارسه المواطن يجب ان يكون «مشروعاً» بمعنى ان يمارس وفق الكيفية التي اشترطها القانون ليتموضع المواطن في المنطقة الآمنة التي تحرسه من أي ملاحقة قانونية من جراء استعمال هذا الحق خاصة و إن إمكانيات الشخصية العامة تفوق إمكانية المواطن العادي , و لكي يكون هذا الحق مشروعاً يجب أن تتوفر عند استعماله شروط قانونية , منها ما يتعلق بالواقعة محل النقد , و منها ما يتعلق بالعبارات المستعملة عند النقد .

أما الشروط القانونية الواجب توفرها في الواقعة محل النقد , فيجب أن تكون الواقعة عامة و ذات أهمية اجتماعية ثابتة الوقوع , فالمجتمع لا يهمه الوقائع التافهة التي لا قيمة اجتماعية لها , ولا مصلحة له في إذاعة واقعة مشكوك فيها, لان التركيز على هذه الوقائع يعد تضليل للرأي العام و محل الاستخفاف به . كما لا يجوز تحت ستار الحق في نقد الشخصية العامة أن يتعرض المواطن للحياة الخاصة لها إلا إذا ارتبطت الحياة الخاصة بالحياة العامة للشخصية العامة ارتباطاً وثيقاً لا تقبل الانفكاك إذا ما تعلق الأمر بحسن السيرة و السلوك الشخصي لهذه الشخصية في داخل المجتمع كأن يكون كاذباً مثلاً , أو يتعلق بالقدرة في تولي الشأن العام كأن يكون مريضاً مثلاً.

أما الشروط القانونية الواجب توفرها في استعمال العبارات أثناء النقد , فيجب ان تتصف العبارات بـ “الملائمة” بمعنى أن تكون العبارات المستعملة تتناسب و الأهمية الاجتماعية للواقعة محل النقد, و يجب أن تكون العبارات لها قوة التأثير في تقييم أداء الشخصية العامة , فربما النقد الهادئ و الرقيق لا يحقق الغرض من انتقاد الشخصية العامة إلا إذا كان الانتقاد جارحاً و قاسياً , فالمواطن إن كان جارحاً و قاسياً في انتقاده للشخصية العامة لتقييم أدائها إزاء واقعة ذات أهمية اجتماعية كبرى فلا يكون متعسفاً في استعمال حقه أو يرتب عليه مسؤولية جزائية أو مدنية , طالما أنه لا يستخدم عبارات الشتم و السب و الإهانة لكرامة الإنسان .

فان القضاء بهذه الحالة يقوم بموازنة بين مصلحة الشخصية العامة في طمس انحرافاتها و إخفاء ادلتها توقياً لخدش شرفها او التعريض بسمعتها و بين مصلحة أولى بالرعاية و أحق بالحماية و هي حق الجمهور أن يعرف الكيفية التي تُصرِّف بها الشخصية العامة الشؤون العامة , فالقرارات القضائية بهذا الشأن حسرت عن القائم بالعمل العام الرعاية التي يتطلبها صون اعتباره طالما كان الاسناد الانتقادي العلني واقعاً في حدود النقد المباح .

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 29-12-2020     عدد القراء :  276       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced