المثقف الاستبدادي
بقلم : د. نادية هناوي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

إن في الذات العربية بما فيها الذات المثقفة استبداداً خفياً، والمفارقة أنه متى ما صارت لها قوة أو سلطة انعكس الأمر فصار الاستبداد بادياً عليها ظاهرياً وغدا الاستعباد والتذلّل خفياً كتبعة استعمارية متأصلة فينا وعقدة نفسية بها تزدوج ذواتنا إسقاطاً وتعالياً.

وفي الغالب لا تظهر استبدادية المثقف إلا وهو مدعوم بمنصب حكومي أو موقع سيادي أو موال لمنظومة ما أو كيان رسمي سياسي أو مادي. أما المثقف الذي هو بلا انتماء ولا ولاء ولا دعم فمستبعد ومستعبد لا يملك الإمكانيات التي بها ينافس مثقف السلطة وحتى لو امتلك الإمكانيات فلن يكون مؤثراً في العوام الذين هم تحت رحمة السلطة وطوع بنانها على وفق الازدواجية التي ذكرناها.

فكيف بعد الدعم وإعلان الولاء يمكن لمثقف السلطة أن يكون واقفاً من أطروحة الاستبداد موقفاً محايداً، والأطروحة تنطبق أول ما تنطبق على الذين يدعمونه ويمنحونه القوة والإمكانية ؟ !!

وإذا كان للاستبداد أن يبيض ويفرخ؛ فإن له أيضاً طبائع شخَّصها الكواكبي في ( الاستبداد السياسي ) ووصفه بالداء المستعصي الذي لا يسلم منه عصر ولا جيل واليوم نجد أن هناك نوعاً من الاستبداد هو بمثابة استبداد مستحدث، وفيه يكون المستبِد في الأصل مستعبَدا لوجهة بعينها أو لمنظور معين، فلا يهمه إن هو زيف التاريخ أو شوه رموز الأمة وأعلامها. ولنمثل على ما تقدم بنموذجين، أحدهما عباس محمود العقاد وترجمته لسيرة الكواكبي كمصلح ديني وليس مفكراً صاحب نظرية، مُركزِاً على أدبية الأسلوب حسب، صارفاً أنظار القراء عن فلسفية المشروع الكواكبي محجّماً صورة الكواكبي في المصلح الديني؛ والنموذج الآخر علي حرب الذي حجّم فكر الكوكبي أيضاً في صورة الشيخ الداعية من خلال التعتيم على أطروحة الاستبداد بالبحث في تاريخيته أولا وبتجزئته ثانياً وبالتفريق ثالثاً بين الكواكبي المفكر المتنور والكواكبي الشيخ الداعية مع الاستعاضة عن البحث في نظرية الاستبداد بالبحث في حرية الكواكبي متوصّلاً إلى أن لا حرية فكرية عند الكواكبي الذي يسائل ويجادل وهو واقع أسير مسلمات عقائدية حتى أوصلته عقليته الأصولية الفقهية ـ كما يرى حرب ـ إلى "الوقوع في التكرار والخواء أو مسخ مآثر الماضيين وأعمالهم أو الخروج عليها وادعاء التطابق معها أو السطو على منجزات الغربيين ونسبتها إلى الإسلام" والمتحصل أن الكواكبي شيخ أوقعه دفاعه وتبريره لمرجعيته الدينية في فخ الاستبداد.

وحجة علي حرب في التحصيل أعلاه هو منهجيته التي تقوم على "مضاعفة نص الكواكبي بالتأويل والخرق والتجاوز" متصوراً أنه بهذه المنهجية يمارس دور الناقد الديني التفكيكي وهو الذي لم يمثل بنص ديني واحد للكواكبي يؤكد فيه صدق دعواه. والمفارقة الأدهى أن هذا التحصيل الذي لا يليق بمفكر تقام لفكره مئوية احتفائية من جهة ومن جهة أخرى يستبد بفكره استبداداً مستحدثاً حتى استكثر عليه حرب كما استكثر العقاد قبله وصفه بالفيلسوف أو المفكر.

ويبدو أن للاستظلال تحت غطاء دعوة رسمية أو سلطة مجتمعية دوراً في جعل المثقف متعملقاً، لا تجري على لسانه سوى أوصاف( التسليم والأصولية والتكرار والخواء والمسخ والسطو ).

والسؤال لماذا تجاهل علي حرب فكرة الاستبداد نفسها ولم يناقشها ؟ وكيف يكون الكواكبي خاضعا للأصول والفقه وهو الذي أرهقه وقض مضجعه التفكير في الاستبداد حتى وضع يده على عيوب الحكومات التي تتخذ من تأليه الآحاد ستارا به تستعبد العوام فاستنهض الهمم منوراً العقول، وهو القائل: " أن المستبِد فرد عاجز لا حول له ولا قوة إلا بالمتمجدين" وأن " الأمة ليس لها من يحك جلدها غير ظفرها ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والاهتداء والثبات" وأن:" المستبد.. خائن خائف محتاج لعصابة.. فهو ووزراؤه كزمرة لصوص" ؟

لا شك أن تضييع فكرة الاستبداد وتمييعها أمر متحصل للذي يريد" أن نصنع ما لم يصنع/ نعالج الاستبداد بطريقة مختلفة/ كل منا يستبد بقدر ما تستبد به رغباته ونزواته" / أن نتناول الاستبداد من حيث جذوره ومصادره / يفكر وفي عقله الباطن مشروع مستبد، شبح مستبد غيبي أو بشري ) والنتيجة عدم البناء على نظرية الاستبداد بما هو موجود في واقعنا الراهن من حاكمية مقيتة وشلل قدرات وتخلف وتراجع وإنما الانشغال بتتبع شواهد ذكرها الكواكبي تتعلق باليونان وفكرة التشريك وعصر الراشدين والحكومة المثالية مع تحاشي الخوض في سياقاتها بحسب ورودها في كتاب( طبائع الاستبداد ) وفي هذا تأكيد للارغبة في التصادم المباشر مع أطروحة الاستبداد نفسها التي ميّعها علي حرب وضيّعها مجزئاً أبعادها. وقصده إثبات تراجع الكواكبي عن استقلاليته وأنه كان متصرفاً بعقلية التسليم ليصل إلى المراد وهو النرجسية الثقافية المتمثلة ( بانزلاقه) مشتغلاً كداعية همه الدفاع عن إعجاز القران.

فلماذا عد حرب الدفاع عن الإسلام أصولية، والإسلام "قبل كل شيء دين وثقافة وكل من هذين مركب من عدة عناصر وأبعد ما يكون عن الكيان الصخري الجامد" وعلى أي أساس استند حرب في القول إن (المنطق الاصطفائي الاقصائي الاستبدادي) حمل الكواكبي "على الاعتقاد بأنه وحده من دون سواه يقبض على الحقيقة أو يملك مفاتيح الإيمان.. على هذا المستوى لا يأتي الاستبداد من الخارج بل ينبع من الداخل"

وكان حرياً بالناقد علي حرب أن يناقش موضوعة الاستبداد نفسها ليتوصل إلى محصلات أكثر دقة ومقبولية، وأن يتحرى الأسئلة التي بها يقف على تجاوب طبائع الاستبداد مع المتغيرات الحياتية وهل تتبدل صورها ؟ وما امداؤها وتفرعاتها ؟ وهل يمكننا ـ كما يقول هابرماس ـ "أن نتابع فهم أنفسنا كما لو كنا مَن يكتب..وأن نعترف بأنفسنا أشخاصاً يعملون بطريقة مستقلة" ؟

وإذا كان حرب قد اعتبر الكواكبي واقعاً بين فكي كماشة عقائدية؛ فإن في ذلك إسقاطاً نفسياً لحقيقة وقوعه هو بين فكي كماشة الاستبداد المستحدث متعالياً ثقافياً على القارئ ومتحاملاً نقدياً على المقروء. وشتان ما بين التفكيك والتغافل كمأزق قرائي يوصل المثقف إلى الاستبداد المستحدث الذي به يكمل افتقاده إلى مرجعيات لو توفرت لكان موضوعياً ثم أن التفكيك ليس هو الحرية السائبة والتهويمات القرائية، بها يستبد القارئ بالمقروء ناقماً عليه بلا مرجعيات بها يستنير متحريا الدقة بعيداً عن الازدواج والنرجسية.

وإذا ألحقنا بالعقاد وحرب نقاداً ومثقفين آخرين استبدوا بفكر الكواكبي؛ فان المتحصل أننا أمام فيلسوف ومفكر سياسي جنت أطروحة الاستبداد عليه قبل غيره. وما استبداد المثقفين السلطويين به سوى دليل مؤكد على صحة الأطروحة الكواكبية وأن الاستبداد يبيض ويفرخ ليكون استبدادات بأنواع شتى.

وكان القرن العشرون قد شهد أشكالاً شتى من الاستبداد؛ أما قرننا الحالي بعقديه الأولين فإنه يشهد صورا جديدة مستحدثة من الاستبداد. فالاستبداد الذي كان بالأمس البعيد ذو صور مقرونة بالحاكم وزبانيته أو محددة في الاستعمار وقوته أو مرهونة بالأنظمة السياسية دكتاتورية كانت أم ديمقراطية. هذا الاستبداد صار اليوم يتجلى بصورة مستحدثة ثقافية يمثلها المثقف السلطوي النخبوي الأحادي ناهيك عن صور أخرى تتجلى في الشعوب نفسها وكذلك الحكومات المتخاذلة والرجعية وأكبر صور الاستبداد وأوسعها يمثلها الاستبداد العالمي الامبريالي. ولعل نواعم القوة السبرانية ستجعل البشرية قطعاناً مستعبدة لربوتات التكنولوجيا الفائقة.

لاشك أن ممارسة المثقف السلطوي العربي لهذه الصورة من الاستبداد تحتمي بسجف المنظومة الثقافية الرسمية التي تبارك هذا التوجه وتدعمه. وهكذا تضيع الانتلجنسيا العربية وتتميع أهدافها وستراتيجياتها وتتهاوى مع القطعانية أو القطائعية بوجود آحاد المثقفين النخبويين السلطويين. وهو ما يحصل اليوم للأسف في مشهدنا الثقافي العربي.

ومن طبائع المثقف الاستبدادي ما يأتي :

ـ القبول بالتبعية والتسليم للضعف وعدم استنهاض الإرادة الحرة في امتلاك الحق بالكرامة الإنسانية.

ـ المثقف الاستبدادي عبد للمركز والسلطة، يستظل بظلهما متبركاً بهما لا غيرهما .

ـ المثقف الاستبدادي عادة ما يكون غاشماً نخبوياً متسلطاً تهويماً حالماً ناقماً على ما هو مستجد وحديث واقعاً في مأزق الصنمية الفكرية.

ـ المثقف الاستبدادي يتحرج دوما من الخوض في موضوعات تمس أول ما تمس المنظومة أو المؤسسة أو الكيان الذي يستظل بظله.

ـ التعملق بعقلية مؤدلجة وتهويمية لاسيما على عمالقة الفكر العربي أصحاب المشاريع الريادية والنظريات الانقلابية.

ـ الحداثة والاستنارة علماً وفلسفة ليست في أولويات المثقف السلطوي لا لخلو فكره من أي مشروع ثقافي حسب؛ بل لأن أخاه المثقف هو الأولوية التي عليه استبدادها ومناهضتها.

ـ استئثار المثقف الاستبدادي بالمنابر والهيمنة على المؤتمرات عوائق تحول دون أن يمارس المثقفون غير السلطويين أدوارهم الفكرية التي تتعثر وهي لا تجد طريقها للتعريف والإعلام والترويج.

ـ عرقلة إنتاج المعرفة عندنا هو أحد مبتغيات المثقف الاستبدادي أولا بنرجسية تكتله ونخبويته وثانياً بهواجس الولاء لجهة راعية تستخذله وتستعبده.

ـ الاصطفائية سمة الثقافة الاستبدادية التي تقف حجر عثرة أمام الاندماج والتعايش حائلة دون التحاور والتنوع والتفاعل، مشرذمة أي مشروع يراد له أن يتكامل.

ـ التسقيط الثقافي قربان أي استبداد مستحدث يجد النظام السياسي الذي يستظل بظله محارّباً بالثقافة ومرفوضاً من قبل الانتلجنسيا.

ـ مناهضة الطبيعة الإنسانية تجعل المثقف الاستبدادي بارداً فكرياً وهو يرى الواقع الاجتماعي منقسماً إلى حكام ومحكومين.

ـ حفظ الذاكرة التي تؤرخ لصور العنف والقسوة والخوف والاضطهاد والإبادة فقط كأحد مصادر القوة التي تمنح المثقف المستبد السلطة والمهيمنة.

ـ الوهم والتخريف والتزييف وسائل بيد المثقف الاستبدادي بها يؤكد تزييفاته وتخاريفه حتى يصبح من الصعب إزالتها. والهدف جعل العموم بعيدين عن التفكير، وماذا يبقى سوى إعفائهم من كل مشقة التفكير متحولين إلى قطيع من الحيوانات المرعوبة المكدودة، والحكومة فوقهم الراعي.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 30-12-2020     عدد القراء :  327       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced