قرار الحرب لم يعد أميركياً
بقلم : د. جاسم الصفار
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

نجحت المخابرات الإسرائيلية في تدبير عملية اغتيال رئيس مركز البحوث والاكتشافات بوزارة الدفاع، رئيس البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زادة، في 27 تشرين الثاني 2020. إثرها، وصفت السلطات الرسمية في جمهورية إيران الإسلامية الحادث بأنه عمل إرهابي يهدف إلى تقويض أسس الأمن القومي للبلاد، وألقت مسؤولية التخطيط له وتنفيذه على إسرائيل والولايات المتحدة الاميركية.

وهنا لابد من مراجعة جديدة لتداعيات هذا الحدث وتصور الآفاق المحتملة لما يمكن أن يحدث في المنطقة بعد وصول فريق جو بايدن الى البيت ألأبيض في يناير القادم. خاصة وأن الملف النووي الايراني، في فترة إدارة دونالد ترامب للبيت ألأبيض منذ 2016، شغل حيزاً مهماً من اهتمامات المجتمع الغربي باعتباره التهديد الرئيس، المحتمل، للسلام والأمن الدوليين.

وقد تعزز الاهتمام بهذا التهديد بعد أن تيقنت الدول الغربية من عجز أمريكا الواضح عن القضاء على الترسانة النووية التي تملكها كوريا الشمالية. وهذا ما جعل مسألة منع إيران من تطوير برنامجها النووي "مسألة مبدأ" بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية للحفاظ على مكانتها باعتبارها القوة المهيمنة ألأعظم على هذا الكوكب.

في الوقت نفسه، يعترف البيت الأبيض والبنتاغون ضمنياً بعدم القدرة على إجبار السلطات الإيرانية على الخضوع لإملاءات السياسة الأميركية اعتمادا على ما يمنحها تفوقها العسكري من امكانيات. فمن نتائج تحليل لجنة رؤساء الأركان في الولايات ألمتحدة للأميركية، يتبين أن حدود قدرات البنتاغون محصورة في خيار واحد لا غير، وإن كان واسع النطاق، ويتضمن قائمة من الأهداف، على الأراضي الإيرانية، يمكن أن تتعرض لضربة صاروخية لا تحمل رؤوسا نووية. وأميركا كما هو معروف تاريخياً، لا تقيد نفسها بأهداف عسكرية فقط.

ولكن هنالك رادع مهم، لابد وأن تأخذه الإدارة ألأمريكية بنظر الاعتبار، وهو أن المستوى الحالي للدفاع الجوي الذي حققه الإيرانيون لا يضمن احتمال عدم وقوع خسائر من جانب الطيران المتورط بدخول المجال الجوي الإيراني. ومثل هذه الخسائر غير مقبولة بشكل قاطع من وجهة نظر سياسية. في الوقت نفسه، على الرغم من أن احتمال إلحاق ضرر ملموس بإيران، وخاصة منشآتها النووية، يعتبر مرتفعًا بشكل عام، إلا أنه لا يزال هناك خطر تكرار فشل هجوم صاروخي أمريكي مماثل على سوريا في أبريل 2018. نتائجه الحقت ضرر كبير بسمعة الولايات المتحدة الأميركية وأدت إلى إضعاف الوزن الجيوسياسي لواشنطن بشكل ملحوظ، ليس فقط في المنطقة، ولكن أيضًا في الناتو.

وما دمت قد تطرقت لسوريا، فلا بأس في أن أشير الى أنه وفقا لما صرح به دبلوماسي وخبير أميركي في السياسة الخارجية، نقلت عنه الصحافة الروسية، قوله بأن الولايات المتحدة بذلت قصارى جهدها من أجل إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، لكنها فشلت في نهاية المطاف بسبب المواقف الحاسمة لروسيا والقدرات القتالية الديناميكية للقوات الإيرانية والمتحالفة معها، التي جندتها إيران في الدفاع عن النظام السوري.

كما أوضح فيليب جوردون، المستشار السابق للرئيس الأميركي ومنسق البيت الأبيض للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في مؤتمر عبر الفيديو مع إحدى مراكز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلية، أسباب إخفاقات الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة على النحو التالي: عندما غزونا العراق، لم يكن أحد منا يتوقع ما حصل فيما بعد هناك. فعلى خلاف ما خططنا له، تمكنت إيران من التحكم في مسار ألعملية السياسية في العراق، وخلقت وقائع على الأرض، أحبطت مخططاتنا وحجمت دورنا. أما في سوريا، أضاف جوردن، فمع الدور الحاسم الذي لعبته القوات الروسية هناك في مواجهة أمريكا وحلفائها، الا أن إيران لعبت هناك دوراً مفصلياً في تغيير معادلات الصراع. وأشار كذلك الى أن الإدارة الاميركية تعتمد، منذ زمن، على عقيدة تقوم على ثوابت خاطئة، ترى أنه من أجل تحقيق انتصار في المواجهة مع العدو، يكفي فقط تشديد العقوبات المفروضة عليه أو حتى ترتيب عملية عسكرية صغيرة ضده.

في ندوة حوارية، نشرت تفاصيلها كافيش مييديا، قالت الرئيسة السابقة لدائرة التقييم والتحليلات في الموساد، سيما شاين، في معرض اجابتها على سؤال حول ما إذا كانت هناك فرصة لتغيير النظام السياسي في إيران، أن من الأفضل الآن عدم الإجابة على هذا السؤال، فبدلاً من الاعتراف بأنه حتى الآن لم تؤد أي جهود لإسقاط النظام الحاكم في إيران إلى النجاح، يجب، في رأيها، الآن طرح سؤال آخر، ما هي الدروس التي يجب أن نتعلمها من الإخفاقات التي حلت بنا.

وأكدت سيما شاين، في الندوة ذاتها، على أنه "إذا ما تحدثنا عن السبل الممكنة لإسقاط النظام الحاكم في إيران، فعلينا أن نستخلص الاستنتاج التالي، وهو أن كل المقومات الضرورية لتغيير النظام السياسي هناك يجب أن تبزغ من داخل المجتمع الإيراني نفسه، ولن تكون دخيلة عليه من خارجه"، وأضافت، أن المعارضة في إيران، كما هي في سوريا، لا تحظى على تعاطف من أغلبية السكان لأنها مزروعة من الخارج.

ورداً على سؤال آخر - هل كانت المعارضة المناهضة للحكومة في إيران وسوريا فعالة، سواء كانت من أصل داخلي أو محلي أو تلك التي تتواجد في الخارج، أجابت، على وجه التحديد: "لا، لا يمكن الاعتراف بها على أنها فعالة بأي شكل من الأشكال، حتى وإن كانت من أصل محلي، ما دامت تحصل على دعم من خارج البلاد".

وتابعت شاين، في نفس السياق، قائلة، إذا تحدثنا عن إيران، فإن هناك معارضة موجودة خارج إيران منذ سنوات، ومن السهل جداً على السلطات الإيرانية إقناع الشعب الإيراني بأن تلك المعارضة لا تملك أي رصيد شعبي أو تأثير أو شرعية داخل البلاد. علاوة على ذلك، فإن بعض ممثلي هذه المعارضة لا يستحقون سوى كراهية الشعب الإيراني، بسبب الاحتجاجات التي حاولوا تنظيمها والتي أدت فقط إلى المذابح وتدمير البنية التحتية.

وفي معرض حديثها عن الوضع الاجتماعي في إيران، اعترفت سيما شاين بأن "الطبقة الوسطى" من الشعب الإيراني، وهي الأهم في المعادلات الاجتماعية والاقتصادية، ليست متحمسة بشكل خاص للإطاحة بالحكومة. مشيرة في نفس الوقت إلى أن الطبقة الوسطى في إيران ليست تماماً كما هي الطبقة الوسطى في الدول الأوروبية أو حتى في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. وشددت على أنه، رغم أن العديد من ممثلي ما يسمى بـ "الطبقة الوسطى" في إيران، حيث كان من الممكن أن تظهر براعم الليبرالية، لا يمكن وصفهم بأنهم معجبون بالنظام الحالي في البلاد، الا أنهم، وفقا للمحللة السياسية والخبيرة في الشؤون الاستخباراتية، سيما شاين، ما زالت ترعبهم التجربة المأساوية للمنطقة بأسرها، والسورية بصورة خاصة، ابان ما يسمى بالربيع العربي، عندما تخلت فئات مختلفة من المجتمع السوري، والليبي الى حد ما، عن الانظمة "الدكتاتورية" فيها، فكانت نتيجة تخليهم عن تلك الانظمة والالتحاق بركب المعارضة، حربًا أهلية طاحنة استمرت لسنوات عديدة، أدت الى انهيار اقتصادي وتحولات اجتماعية مفجعة "للطبقة الوسطى" ذاتها.

لذا فان الطبقة الوسطى الإيرانية ليست حريصة على الإطلاق على إيصال الأمور في إيران إلى الى ما وصلت اليه في سوريا والدول العربية الاخرى، التي امتدت اليها فوضى "الربيع المزعوم". كما أنها تدرك تماماً، بأن اندلاع الفوضى في إيران سوف لن يؤدي لا الى الانفتاح الاقتصادي ولا الى الديمقراطية، وستفقد "الطبقة الوسطى" الايرانية، بنتيجته، الحد الأدنى من الاستقرار الذي تمتلكه حاليا، والذي فقدته مثيلاتها في سوريا والدول العربية الأخرى. وهكذا، خلصت الرئيسة السابقة لدائرة التقييم والتحليل في الموساد إلى أن "الطبقة الوسطى" الإيرانية لا ترى أمامها سوى "نماذج" سيئة للغاية، لن تجازف بالاحتذاء بها. لذلك، لا يزال تغيير النظام في إيران بعيداً جداً.

في الختام، لابد من التأكيد على أن أي حرب تشنها أميركا على إيران ستكون مكلفة للغاية وغير مضمونة النتائج. خاصة إذا نفذت إيران تهديداتها بسد شريان النقل الرئيسي عبر مضيق هرمز. إضافة الى أن حلفاء أميركا في المنطقة، وعلى رأسهم، المملكة العربية السعودية ودولة الامارات كانتا قد أثبتتا عجزهما العسكري في حربهما ضد اليمن. أما إسرائيل، فرغم اهتمامها بجر أميركا الى عمل عسكري ضد إيران يستهدف مفاعلها النووي، الا أن خياراتها تبقى محدودة مازالت صواريخ حزب الله اللبناني جاهزة للانطلاق. في ظل هذه الظروف تفقد الأعمال العسكرية المباشرة ضد إيران مغزاها وترتفع في نفس الوقت وتائر الحرب الإعلامية عليها، مبررة للتطبيع ومتسترة على عملية القضم التدريجي للأراضي الفلسطينية.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-01-2021     عدد القراء :  282       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced