العراق بين متطلبات الحكم الرشيد واستحقاقات اليوم العالمي للخدمة العامة
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

إن قطف ثمار الحكم الرشيد في العراق عملية جنينية ينتظرها جهد ضخم مستقبلي محركها الأساسي نجده في طبيعة الحراك والتناغم المفترض بين القطاعين العام والخاص وصولاً إلى التنمية البشرية المستدامة في 2030..

ولكن تداعيات أزمة كورونا المستمرة عالمياً والأزمة المالية – الاقتصادية الحرجة إنسانياً في العراق هي مجرد عنوان لإزمة وطن يبحث ليس فقط عن هوية وطنية مستقلة بل وعن بلورة أداء إداري متميز – نوعي سيوفر إن طبق بشكل سليم وصحيح نتائج باهرة على صعيد تأسيس وتنمية نظام قويم للخدمة العامة . والتساؤل المنطقي : أين يقع دورالموظف العمومي العراقي من متطلبات الحكم الرشيد ومن مشروع التنمية الادارية –المستقلةالمستدامة في ظل الاحتفال السنوي لليوم العالمي للخدمة العامة؟

لاشك أن التنمية البشرية المستدامة للدول تفترض أن تحقق جزءاً يسيراً ولكنه مهم من سلسلة إستحقاقات متعددة متوقعة تتويجاً لليوم العالمي للخدمة العامة في ال23 من حزيران من كل عام (حتى الآن دون جدوى تذكر) . يوم أعلنته الأمم المتحدة إحتفاءً بالخدمة العامة للدول وبالذات إلى كل من يدير ويعمل في مؤسساتها ودوائرها متعددة الأغراض . يفترض بحق أن يكون يوماً مناسباً ليس ككل الأيام او المناسبات، كونه يمر في ظل تنامي جائحة كورونا بكل ما تحمله من تعقيدات وتداعيات خطيرة تهدف إلى عرقلة تلبية الأهداف الستراتيجية المقررة للتنمية المستدامة في 2030 حيث يتم حالياً "تحويل الموارد من الجهود المبذولة للتنمية إلى الجهود المبذولة للاستجابة للازمات". إستجابة ليست موفقة طالما وحسب لجنة مراجعة الأداء الحكومي فلم يصل هذا الأداء إلى ال 18% . يوم يقع في موقع "القلب من الجهود المبذولة لضمان الاستجابة الفعالة للازمة- الصحية- ، سواء بوصفه عاملا في الخطوط الامامية في مجال الرعاية الصحية أو كان أحد المعنيين بوضع ستراتيجيات والخطط الهادفة إلى التخفيف من تأثير الجائحة". لاشك أن حماة الصد الأول من الجائحة نقدر عالياً إيثارهم وتضحياتهم خاصة وهم يجابهون أخطاراً محدقة بحياتهم وحياة أسرهم وأصدقائهم في كل لحظة في سبيل توفير أفضل عناية ورعاية صحية - تنموية مستدامة. إنطلاقاً من ذلك ، تضحى أهمية تشكيل رؤية جيوسياسية- إقتصادية مشتركة "قابلة للتطبيق من خلال إجراءات عملية" تضع الإنسان على أعلى أولويات أجندة الدولة الوطنية . ما يستوجب أساساً الارتقاء بنوعية حياة السكان وعدم المساس بقوتهم اليومي من سلة غذاء متاحة ، متنوعة ومغذية صحياً لكل إنسان يقطن أرض العراق المعطاء بعيداً عن جور الزمن متمثلاً بإخفاق إداري يصاحبه فساد سياسي- إداري متغلغل في مفاصل الدولة العراقية. ضمن هذا التصور تأتي اهمية تحليل ومراجعة مايعرف بالحكم الرشيد Good Governance بكل سماته ، معاييره ونتائج أو تداعيات تطبيقاته الإيجابية. الباحث الدكتور عماد الشيخ داود أشار بوضوح في مقال له عنوانه : "الحكم الرشيد وسبل تعزيزه" إلى ما اسماه المثلث الافتراضي للحكم الرشيد قائماً على 3 زوايا : "الرأس – تتربع عليه السلطات السياسية المنتخبة- ، وقاعدة يشغل أحد رؤوسها (القطاع الخاص المتفهم والناضج) فيما يسكن الرأس الثالث (المجتمع المدني)". ضمن هذا السياق أوضح الباحث العناصر التالية لإسس الحكم الرشيد في إطار النظام الديمقراطي "الحقيقي" : (1) مشاركة الشعب في صنع القرار ، (2) تعزيز المساءلة العامة والمساءلة الداخلية والخارجية (3) حكم القانون، (4) حقوق الإنسان وأعمال الحريات العامة الناجمة عن توافق الأراء . يضاف لهما عنصران جوهريان في تقديري هما تبلور رؤية ستراتيجية شاملة تغطي تحليلات ومفاهيم وسياسات متجانسة وفاعلة للمعالجة مقترنة بالشفافية الكاملة في أداء الأعمال أو الادوار الحكومية أو غير الحكومية من خلال تفعيل لدور الإعلام النشط لكشف الحقائق بصورتها التفصيلية دون وجل أو تلكؤ . إن المعادلة الناجحة التي ينتظرها الشعب العراقي تتمثل في إمكانية بل ضرورة تحجيم او إحتواء مخاطر إساءة استخدام السلطة السياسية – الإدارية – القانونية التي تعظم من نيل المنافع والمصالح الخاصة على حساب المصلحة الوطنية ما يفقد نظام الحكم الوطني شرعيته وينعكس سلباً على مهنية نظام الخدمة الوظيفية. إن تطبيق نظام المحاصصة الطائفية – المذهبية – العرقية – الجهوية منذ 2003 في الاطار المؤسسي العراقي لن يجلب للبلاد سوى مزيدا من التأخر ، التخلف والكوارث الانسانية. ترتيبا على ذلك لابد من تصحيح مايعرف ب"مؤشر الانحراف" الذي تجسد في ظل : "إحتكار السلطة + تقلص البدائل المتاحة للمتعاملين مع حائزها + ضعف المساءلة. مسألة ليست هينة طالما يمر الزمن هباءً دون توجهات إصلاحية إدارية – سياسية حقيقية يفترض أن تواجه بشدة اعرافا وتقاليد عاف عليها الزمن قائمة على أسس بعيدة عن أية ممارسات ديمقراطية حقة أو بعيدة عن محاربة جادة للفساد بكل أشكاله ومضامينه المعنوية والمادية (أخلاقياً –قيمياً – سياسياً – إدارياً – مجتمعياً وإقتصادياً). وبحق فإن الحكم الرشيد إن طبق بصورته المثلى أو قريبا منها سيعزز الثقة المتبادلة بين الحكام والمحكومين ما ينعكس إيجاباً على ديمومة او إستدامة النظام السياسي – الإداري الذي يقدم خدمات جليلة ومفيدة ناجعة للشعب بكل شرائحه وفئاته وطبقاته الاجتماعية – الاقتصادية- لثقافية وطبقاته خاصة تلك التي تنتظر خدمات عاجلة أساسية لتنتشلها من وهدة الحاجة ، الفقر ، الجهل والمرض .

إن العلاقة المتبادلة بين النظامين السياسي والإداري في مواجهة الفساد مسألة حيوية لابد منها لإنجاح برنامج الاصلاحات بشقيها السياسي والإداري مع كل التداعيات والانعكاسات السياسية- المجتمعية – الثقافية – التقنية المتوقعة. من هنا يمكننا القول بإن صلابة الموقف العراقي الوطني سياسياً- إدارياً ستوفر مظلة ناجعة للحماية من أية تدخلات داخلية أو خارجية غير مرغوب بها تؤثر سلباً على قوة الدولة وتعزيز سيادتها الوطنية بعيداً عن التبعية الاقليمية والدولية في مقابل تنمية علائق إقتصادية – تقنية دولية توفر منافع ومتجزات علمية وعملية يحتاجها العراق في الآماد الستراتيجية المختلفة . إلا أنه ومن نافل القول إن إصلاحات حقيقية للنظام السياسي-الإداري في العراق تحتاج لتحضيرات مسبقة بعضاً من جذورها ترجع إلى مقتبل العهد الملكي في العراق(1921-1958) . من أبرز أمثلتها إقتراح إيجابي للملك فيصل الأول في تأسيس مدرسة لتخريج الموظفين على غرار ماسارت عليه عدد من دول العالم المتقدم في مرحلة زمنية مبكرة أو في مراحل لاحقة تعد أكثر تقدماً تقنياً تطلبت سمات جديدة تتكيف مع سمات عصر تقني جديد سريع الايقاع يستفيد من نواتج أو آثار العولمة ومنها أهمية التكييف مع تقنيات عصر الإبداعات التقنية الرقمية والسيابريةage Cyber –digital innovations. مقترح الملك فيصل الاول تناول عدة فوائد مرجوة تدفع بتأسيس معايير مشتركة لمدرسة تخريج موظفين أكفاء يمكنهم معالجة مختلف أنواع المشكلات والأزمات والتحديات وردت في المذكرة الملكية التي نشرها الأستاذ عبد الكريم الازري في كتابه "مشكلة الحكم في العراق"منها مايلي :

أولاً: بناء معايير علمية اساسية تستند إلى "روح واحدة وتعليم واحد".

ثانياً: الاعتراف المبكر بإن ليس كل خريجي المراحل الدراسية يمكن توظيفهم بل أن بعضهم يمكن أن يعدوا للقيام بالأعمال الحرة.

ثالثاً: إنهاء "عملية الشغب" التي تنطلق " من قبل طلاب الوظائف غير القديرين الذين يتذرعون بذريعة القومية والطائفية" لنيل "مقاصدهم الخسيسة ".

رابعاً: "جعل سكان العراق كافة مشتركين بنسبة واحدة في تحمل المسؤوليات واقتطاف الثمرات وإزالة كل التماس وتصاحب في التوظيف". ولعل العبارة الأخيرة تشير إلى أهمية مجابهة كل ما يدخل في الفساد الإداري – السياسي.

لعل من المناسب الإشارة أيضاً إلى أهمية أن يتشرب موظفي الدولة أو مأموري الادارة بتعليم متنوع متعدد أو مترابط التخصصات (كلما أمكن ذلك حسب إجتهادي) من خلال إهتمامهم ليس فقط بمعرفة القوانين الادارية والمالية ولكن ايضاً مبادئ علوم أخرى مهمة منها هندسة الطرق والإنشاءات والزراعة وغيرها. إن تلاقح العلوم والمعارف في ظل عولمة يفترض أن تقرب ليس فقط المسافات الكونية ولكن الأهم تغيير الذهنية نحو الانفتاح على الاخر المتقدم للاستفادة من مجزاته التي طالما افتقدها العراق عبر تاريخه السياسي الحديث إلا في حدودها الاستثنائية. الأمر الذي يفترض إصلاح جهاز الخدمة الوطنية وتبني أفضل التشريعات على أولوية أجندة البرامج للحكومات العراقية خاصة وأن عصر مابعد كورونا ليس كما قبله.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-01-2021     عدد القراء :  276       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced