كتاب رشيد الخيون.. «المجتمع العراقي تراث التسامح والتكاره»
بقلم : شميران مروكل
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

كتاب المجتمع العراقي للكاتب رشيد الخيون، صادر في 199 صفحة من القطع المتوسط في اربعة فصول والمقدمة اضافة الى عدد من الملاحق والنصوص الدستورية وفهرس الاعلام والاماكن.

في المقدمة يعرض الكاتب فكرة او ممارسة التعايش الديني والمذهبي العراقي التي تبدو مشدودة الى حد ما الى الخلفية التاريخية ذلك بما فيها من احداث مثقلة بالخصومة الدينية الطائفية والوئام على حد سواء، وبما فيها من نصوص دينية وفقهية وقومية لا تساعد في الغالب من الاحيان على سلاسة العيش والتضامن والتكافل الاجتماعي على اختلاف القوميات والاديان والمذاهب, والعراق ليس البلد الوحيد من بلدان المنطقة في تعدده وفي تاريخية اضطراباته لذا ليس من الصحيح تمييز العراق بتاريخ من العنف الدموي او العصيان. هناك معوقات للتعايش تشتد تأثيراتها بدوافع سياسية مثلما هو الحال اليوم والاضطراب الاجتماعي ليس ابن يومه بل ظهر عبر تراكم تخطى محطات عديدة من التسامح والوئام عبر التاريخ وحدث هذا بعد غياب تراث العمل العراقي المشترك الحزبي والسياسي في عهود الدولة السابقة ....

في الفصل الاول يقدم الكاتب موجزا عن الواقع الجغرافي والسكاني للعراق، مؤكدا ان العراق من البلدان القديمة بتعددها الديني والمذهبي مع اختلاف النسب من عصر الى آخر. ويكاد هذا التنوع السكاني بالنسبة للعراق يحاكي تنوعه الجغرافي او البيئي وتسميته بيث نهرين اي بيت النهرين القديمة مثلما هو الحال في السريانية والآرامية هي المعبرة الاعمق عن طبيعة تلك البلاد او انها بلاد الانهر. وهناك ما يشبع الفضول في ربط العراق بالماء حيث اقام به ونما الصابئة المندائيون وعبادتهم تعتمد على الماء, ماء الأنهر الحي. ومعلوم ان بيئة الماء تلد تسامحا وتواضعا وليونة في التعايش، بينما قد لا تلد الصحارى حيث يبس الحياة وجفوتها سوى الشدة والتعصب هذا مع عدم نفي ما لدى البدوي من ايثار وكرم تفرضه الصحراء نفسها ايضا، فلولا سجية الضيافة والمروءة لمات عابرو الصحارى عطشا وجوعا. ومهما تحدثوا عن خصوصية للعنف العراقي على مر العصور وبقية البلدان, فمن يبحث في غير الارض سيجد المتشابه بل الاكثر والاقسى عنفا وتبقى فسح التعايش بالمسامحة والسلام واضحة في تاريخ العراق وعالمه مثل العوالم الاخرى تبدو، وكأنها متوازنة مع دورات العنف والتكاره الاجتماعي ولها اسبابها، فالبلد كان مركزا لامبراطورية مترامية الاطراف وهو الوسط الدائم في الحروب بين جيوش المشرق والمغرب. ولولا تلك الفسح من المعايشة ما احتفظ اهل العراق بهذا العدد من الاديان والمذاهب والقوميات الى جانب بعضها البعض. يتعايش على ارض العراق خمسة اديان: الصابئة المندائية ، والايزيدية ، واليهودية ، والمسيحية بمختلف مذاهبها والاسلام بمختلف مذاهبه اضافة الى ما يتواجد من الكاكائية والبهائية وعدد قليل من الزرادشتية ويبقى تواجد هذه الجماعات حقائق تاريخية سواء قل عددها ام كثر.

في الفصل الثاني يستعرض الكاتب التعايش الديني لحقب زمنية تارة يجد العراقيين فيها انفسهم جنبا الى جنب على مختلف اديانهم وتارة الديانات الاخرى مطاردة ومنكفئة على نفسها, الا ان التجربة السابقة واللاحقة تؤكد ان ما جرى ويجري خارج الوئام والتعايش السلس لا يتصدره ويمارسه غير عصبة من تلك الطائفة وهذا الدين وليس بأبيضها واسودها مثلما يقال. ونجد عرضا لوجود تعايش الاديان غير المسلمة مع المحيط المسلم الواسع بمعنى ان بقاء هذا التعايش مريحا او بنفرة يعتمد بنسبة كبيرة على المسلمين وما ينطوي عليه فقههم وما تحمله كتبهم تجاه الآخر. والفصل الثالث يقدم شرحا مفصلا لنماذج من التسامح والتكاره بين الشيعة والسنة وهي متشابهة كثيرا على الرغم من اختلاف الازمنة فما حدث ايام الخلافة العباسية تجده تكرر في بداية القرن العشرين، وتكرر في القرن الحادي والعشرين، ولكن الاحداث شهدت فشل انقياد الطائفتين او المذهبين بمجملهما في تصادم شامل، ومعلوم ان عصب التعايش في المجتمع العراقي يعتمد اليوم اعتمادا كليا على حالات الوئام والنزاع بين الطائفتين ذلك من ناحية التمثيل السكاني ومظاهرها التي على بقية الاديان ملاحظة تبجيلها. نعم، هناك عدد كبير من محبطات في التعايش المذهبي الا ان في التاريخ والحاضر تجارب من وئام واجتماع بين الطوائف ولو تقصينا احداثه لوجدناها كثيرة ويعتد بها. وكانت فكرة التعايش حاضرة تاريخيا في ذهنية الساسة العراقيين ورجال الدين في العصر الحديث وهم يستعدون لتشكيل الدولة الحديثة والعيش بتجاور مريح حرصت كل الاطراف على المشاركة في الاعياد الدينية وتشكل المجلس التأسيسي العراقي العام 1924 على اساس التكاتف بين كل الاديان والمذاهب.

الفصل الرابع ضم ما يتعلق بالهاجس القومي من ناحية الزواج والمعاملة ولم يشهد التاريخ العراقي مواجهات شاملة جامعة بين الاديان والمذاهب والقوميات, فلن نعثر على حرب عربية كوردية او كوردية تركمانية شاملة او مواجهات شيعية سنية شاملة خارج سلطة امير او اغا، ولا يرتبط الامر بالمبالغة بتعفف العراقيين عن العنف او نأيهم عن ارتكاب الحماقات الطائفية او العنصرية الاخرى بقدر ما يتعلق بالمصلحة الاجتماعية وبتقدير الخسارة في حالة اندلاع حرب جماعات شاملة مثل التي حدثت في بلدان اخرى يضاف الى ذلك التداخل العشائري والاجتماعي بين فرقاء المجتمع العراقي والخلفية التاريخية الطويلة بين التجاور المريح وغير المريح ومع ذلك من المفروض الا يُطمأن الى تلك الكوابح، وتهمل اشاعة ثقافة التسامح وفي مقدمتها النظر في الخطاب الديني والمذهبي .

عكست روايات التسامح والتكاره في الكتاب طبيعة التعايش في المجتمع العراقي وتشابه الحوادث والمواقف بين العصور والسبب ان المجتمع ظل مأسورا لأحكام ووصايا فقهية لا يجد الفقيه السياسي او زعيم الجماعة صعوبة من استخدامها اداة في تحريك الاتباع وما يلخص من ذلك التشابه بين الحوادث والممارسات في محيطها الديني والمذهبي ان المجتمع العراقي عاش ويعيش في دوامة الماضي بين هبوط وصعود. وفي نظرة سريعة الى دساتير العراق وعلى وجه الخصوص الدستور الاخير 2005 تجد الماضي حاضرا بدءا من الديباجة وانتهاء بالاحكام الخاصة بالنساء.

الا ان مع كل هذا التعلق بالماضي السلبي في معظمه يبرز الماضي الايجابي مؤثرا ايضا فلطالما شحذت ممارسات ومقالات الاجيال السابقة واستعملت ضد الحاضر بقوة فليس من حيلة لدى الداعين الى الانفتاح والتسامح بمفهوم التساهل والتغاضي سوى استعمال السلاح نفسه والتذكير بمحاولات الأولين ايضا للتعايش وما يكبح التكاره فيه فما يبدو اننا امة لا تغادر تاريخها بسهولة ولا بد من الاستفادة من ارث لا يخلو من فسحة .وبناء على ذلك التقابل التاريخي في التعايش بين الدعوة الى التسامح والتحريض على التكاره لم يدخل اليأس الى نفوس الساعين الى مجتمع تصالحي وليس بالضرورة ان ينتصر العنف والتشدد على صوت الحكمة بين العراقيين فالصورة رغم قتامتها هناك كوة تبعث بنور قادم ربما من الماضي اذا كنا لا نقوى على مغادرته تحاول حماية الدين والمذهب من جبروت السياسة ولعبة السلطة والعودة الى قاعدة الشراكة في الارض . ويطرح الكاتب فكرة ان التسامح وتفهم اختلافات الآخر ينبغي ان يسودا في الحياة الاجتماعية رغم الفوارق في المبادرات والمعتقدات وان ذلك لا يزال ممكنا لو تم التمييز بين الاختلافات في الدين والتقارب الذي يفرضه العيش المشترك داخل مجتمع واحد وهذا يعني ان تنوع الاديان والمذاهب لا يتسبب في فرقة المجتمع بل يساهم في اثرائه وتعزيز الصلات الاجتماعية والثقافية بين مجموعاته وافراده.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 06-12-2021     عدد القراء :  645       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced