الفساد المالي والإداري .... ابتلاع الموازنات ووضع البلد في مهب الريح
بقلم : فرحان قاسم
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

                               المفهوم

اجمع الباحثون على ان الفساد المالي والإداري هو " الخروج عن القوانين والأنظمة او استغلال غيابهما من اجل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية مالية وتجارية واجتماعية لصالح جماعة معينة ومصالح شخصية معها " . او هو " سوء استخدام المنصب العام لتحقيق منفعة شخصية ذاتية بنفسه او جماعته" . يتخذ الفساد المالي والإداري اشكالا متعددة مثل الرشوة ونهب أموال الدولة والمحاباة والمحسوبية والتهرب الضريبي وتبييض الأموال وتزوير الانتخابات. وتخفيض الضرائب وتنظيم العقود ، والحصول على التراخيص الحكومية ، سرقة المال العام من قبل الموظفين ، تزوير الشهادات ، وضع اشخاص في مواقع لا يستحقونها .

                  تاريخ الفساد في الدولة العراقية

تمتد جذور الفساد في بلادنا الى الاحتلال العثماني، اذ كانت المهمة الأولى للولاة العثمانيين في العراق هو فرض وجباية الضرائب من الولايات الثلاث بغداد، البصرة والموصل، ولم تكن المبالغ المستحصلة باشد أساليب العنف والاستبداد سواء في المدن ام الأرياف ترسل بكاملها الى السلطان العثماني في إسطنبول، اذ تتحول الى حصص تبدأ بجامعي الضرائب المباشرين وتنتهي بحصة الوالي ، قبل ارسال الأموال المتبقية الى الباب العالي . واخذ الفساد مديات ابعد في زمن الاحتلال البريطاني ، فقد شمل جميع مؤسسات الدولة العراقية التي شكلها الانجليز على مقاسات معاهدة سايكس بيكو التي تكرس تبعية بلدان الأطراف لبلدان المركز الرأسمالي . وافضل من وصف الفساد في النظام الملكي هو التقرير الذي القاه الرفيق فهد امام الكونفرنس الأول في عام 1944عن فساد الجهاز الحكومي الذي جاء فيه  " ان الجهاز الحكومي الحالي بيروقراطي متفسخ من القمة حتى الأسفل، جهاز لم يفكر أعضاؤه يوما من الأيام بانهم وجدوا لخدمة الشعب الذي يعيلهم بالضرائب التي يدفعها لمرتباتهم ، بل حسبوا انفسهم أصحاب حق مشروع في ابتزاز أموال الشعب ، بشكل ضرائب وسرقات ورشوات ، واذلال مواطنيهم . فمن يريد دفتر نفوس عليه ان يدفع رشوة ( 250 -500 ) فلس ومن يريد التوظيف عليه ان يدفع راتب شهر او اكثر ، وحتى دخول بعض المعاهد العلمية العالية ، كالطب ، يقتضي دفع عشرات ومئات الدنانير ، هذا في العاصمة ، اما في الأرياف و في النواحي ، فحدث ولا حرج ، فالتموين ، السكر وغيره ، لا يصل الناس نصفه واحيانا كله ، ويكفي لشخص يتوظف كمتصرف ( محافظ ) او مدير تموين لمدة سنة ، ان يصبح له قصر والاف الدنانير ، وان تكون له أراض وما اشبه "

ومن اللافت للانتباه ان الرفيق فهد في تقريره ربط بين تعمق ظاهرة الفساد في الجهاز الحكومي وبين الاحتلال البريطاني واذنابه، جاء في التقرير " وهل في مصلحة الاستعمار ان يكون موظفونا على غير ما هم عليه من فساد، ليتسنى للاستعمار تمشية مصالحه وادامتها، ففساد نظامنا الحكومي ورجاله نتيجة لوجود الاستعمار في بلادنا".

تشكل الحرب العراقية الإيرانية 1980 نقطة تحول كبرى في استشراء الفساد المالي والإداري، فهي فاتحة لحروب عبثية عديدة خاضها بلدنا، فتم من خلالها تدمير موارد العراق البشرية والطبيعية عن طريق ابرام عقود سرية في الأسواق السوداء وغيرها وما رافقها من فساد لتجهيز القوات المسلحة العراقية بالطائرات والدبابات وغيرها من التجهيزات العسكرية من مختلف المناشئ .

                   الفساد المالي والإداري بعد 2003

لم يعد الفساد بعد 2003 ظاهرة تتعلق بضعف المنظومة الأخلاقية لبعض موظفي الدولة كبارا او صغارا، وانما أصبحت ظاهرة متلازمة مع مشروع الاحتلال الأمريكي الاقتصادي والسياسي لأنها تحقق مجموعة اهداف اعتمدها المحتلون لإدامة احتلالهم وتحقيق أهدافه الانية والبعيدة ، واهمها خلق طبقات وشرائح وفئات اجتماعية داعمة لهذا المشروع ، واستخدم المحتلون أساليب متعددة لتحقيق هذا الهدف ؛ فالأسلوب الأول انهم جلبوا معهم مجموعة من العراقيين العملاء للولايات المتحدة الامريكية والمدربين في بلدان أوروبية عديدة ، صنعوا منهم مقاولين كبارا وأصحاب مصارف وتجارا وسماسرة في الاسوق الدولية وقادة عسكريين ومستشارين واعلاميين الخ مستفيدين من مبلغ ( 18 ) مليار دولار جلبها المحتلون معهم لتحقيق مآربهم ، وقد تسلل هؤلاء الى الكتل والأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي وفق المخطط الأمريكي . والتف الكثير من العراقيين حول هؤلاء بسبب الوضع البائس الذي خلفه الدكتاتور فاصبحوا كتلة اجتماعية تؤثر بشكل فعال على المشهد الاقتصادي والسياسي في عراق ما بعد 2003 . واستخدم المحتلون أسلوبا ثانيا اكثر قذارة من اسلوبهم الأول حيث فتحوا مصارف البلد ومؤسساته العامة والخاصة أحيانا ، امام " الحواسم " تحت مرأى القوات الامريكية المحتلة ، فتحول الكثير من هؤلاء السراق الى شركاء في تأسيس المصارف الجديدة ، و مكاتب استشارية وشركات للمقاولات ، وتجار كبار يتعاملون بقوة مع الأسواق الدولية ، وبالطريقة نفسها استطاع هؤلاء التسرب الى مراكز القرار السياسي ، فسيطروا على قطاع المقاولات والعقود مع الوزارات العراقية . والأسلوب الثالث الذي اجهز على ما تبقى من الدولة العراقية وهو اختيار قيادات لهذه الدولة تتميز في غالبيتها بانعدام الكفاءة ، والأمانة ، والشعور بالمسؤولية الوطنية ، فتأسست النواة الأولى لاستشراء الفساد المالي والإداري في جميع المؤسسات وشملت الغالبية العظمى من الوظائف الا من تحصن بشعوره وحرصه الوطني وتربيته الشخصية والعائلية والمبدئية وهم نفر قليل من الموظفين تعرضوا الى شتى أنواع التهميش والظلم والافتراء .

ان الفساد المالي والإداري يستخدم أيضا " لسد الطريق امام عمليات التراكم” بسبب تسرب الفائض النقدي المتحقق الى جيوب الفاسدين وليس الى صناديق التنمية ، وهو بذلك يشكل عاملا أساسيا من عوامل تكريس التخلف الاقتصادي والاجتماعي في بلدنا لان الفساد تحول الى آفة ابتلعت الموازنات الكبرى . ويلعب القطاع الخاص أحيانا دورا سلبيا للتأثير على السياسات الحكومية بواسطة دفع الرشى الى موظفي القطاع العام مقابل إعفاءات او سلف واعانات من قبل القطاع العام.

                    أرقام وإحصاءات عن الفساد

الموازنات الحكومية السنوية:

ارتفع حجم الموازنات الحكومية السنوية بشقيها الاستثماري والتشغيلي، وعند حسابها ومطابقتها مع المشاريع المنفذة  يلاحظ إن  25% منها فقط ما تم صرفه والباقي أهدر بشكل كامل. وتذكر البيانات والإحصائيات التي تم الحصول عليها أن حجم الفساد منذ العام 2003 قد تجاوز 400 مليار دولار.

اعلن عادل عبد المهدي حينما كان وزيرا للنفط " أن الموازنة العراقية منذ 2003 ولغاية 2015 بلغت 850 مليار دولار وأن الفساد في العراق أهدر 450 ملیار دولار. وإن استغلال المناصب من جانب المسؤولين لمصالح خاصة كلف الدولة 25 ملیار دولار" .

                           الأموال المهربة الى خارج العراق

قدرت لحنة النزاهة النيابية ان حجم الأموال المهربة بلغت حوالي 350 مليار دولار ، أي ما يعادل 32%من إيرادات العراق خلال 17 عاما . وهناك تقديرات اعلى من هذا الرقم. وقد قدرت الأموال المغسولة في الفترة 2006-2014   ب 360 مليار دولار. في كانون الأول 2016، باع البنك المركزي العراقي نحو 312 ملیار دولار في مزاد العملة وأن 80% من هذا المبلغ ذهب إلى خارج العراق. وفي 25 أكتوبر 2017 أعلنت لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي، أن حجم تهريب النفط والمنتجات النفطية خلال خمس سنوات بلغ 90 ملیار دولار. و أن أحد المسؤولين يمتلك 600 مليون دولار في دولة مجاورة. و إن الأموال المهربة تقدر بين 300-350 مليار دولار، في الأعوام التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، وذلك عدا الأموال التي هرّبت قبل ذلك.

تتجاوز الواردات المالية للعراق منذ الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق، في نيسان/إبريل 2003، 1000 مليار دولار، ذهب نصفها إلى الموازنة الاستثمارية ووفق لجنة النزاهة النيابية. خسر العراق، أكثر من 350 مليار دولار من خلال تهريب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاريع الوهمية والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة.

                                             العقود الوهمية

إن هناك أكثر من خمسة آلاف عقد وهمي، وتسلمت شركات وهمية نسبة تتراوح بين 30 إلى 60 بالمئة من الأموال استنادا إلى هذه العقود. أهدرت ما بلغ 228 مليار دولار في مشاريع بناء وبنى تحتية، على الورق فقط، وهي قيمة تفوق بثلاث مرات الموازنة الوطنية وإجمالي الناتج المحلي.

                                       المشاريع المتوقفة والمتلكئة

أشارت موازنة العام 2014 إلى أنه تم إنفاق 190 مليار دولار على ستة آلاف مشروع غير مكتمل أو متوقف أو وهمي، وفي هذا الإطار كان حجم الهدر منذ العام 2003 يقدر بنحو 300 مليار دولار

في القطاع الصناعي، هناك خمسون ألف مشروع صناعي في القطاع الخاص،  85% منها متوقف، هذا إضافة إلى وجود 250 مصنعاً تابعاً لوزارة الصناعة اما متوقف او ذي انتاج ضئيل .

وصل اجمالي مبالغ الفساد المرصودة من قبل هيئة النزاهة ومكتب المفتش العام في وزارة المالية ( 6689,215 مليار دولار )

                                          مشاريع فاسدة

في عام 2007 تم استيراد 600 جهاز كشف المتفجرات ب200 مليون دولار ، واتورد العراق في عام 2008 ست طائرات كندية ب38 مليون دولار ، وفي عام 2008 تولت شركة إيرانية انشاء 200 مدرسة من هياكل حديدية، بتكلفة تبلغ 280 مليار دينار (232.7 مليون دولار)، إلا أنه لم يتم تنفيذ المشروع. مجموع مبالغ العقود التي أبرمها العراق لشراء أسلحة حتى 2016 بلغ 150 مليار دولار. لكن هناك شبهات فساد كثيرة تحوم حول تلك الصفقات. في أيلول 2014، أعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك، حيدر العبادي، عن وجود خمسين ألف موظف وجندي "فضائي" في وزارة الدفاع العراقية وحدها. تلف سبعة مليارات دينار، وقال العلاق إن تلف هذا المبلغ كان بسبب خلل في خزنة بنك الرافدين وتسرب مياه الأمطار إليها. خسر العراق مليارات الدولارات جراء صفقات تسليح مع روسيا وأمريكا بلغت قيمتها 150 مليار دولار. تورط عشرات المسؤولين في صفقات طباعة المناهج خارج العراق. استولت شخصيات سياسية ومسؤولون وأحزاب، على أراض ومقار وبنايات تعود ملكيتها إلى الدولة، في أغلب مناطق العاصمة، يقدر ثمن البناية الواحد بأكثر من مليون دولار. بلغ عدد حمايات المسؤولين الكبار في الدولة 25 ألف عنصر، يتقاضى الواحد منهم نحو 1500 دولار.

                                       عمل هيئة النزاهة

في عام 2018 فقط حققت هيئة النزاهة في 12398 قضية انجزمنها 8938 قضية. وقامن بإحالة 3070 منها بقضايا فساد على القضاء. كما تم توجيه الاتهام ل31 وزيرا وصدور احكام بحق 4 منهم . أن المبالغ المخصصة ضمن الموازنة الاستثمارية لوزارة الكهرباء والتي أنفقت بين العامين 2006 و2017 على قطاع الكهرباء هي 29 مليار دولار، في حين أنها أدت إلى إنتاج نصف الطاقة الكهربائية المخطط لها، حيث بلغ الإنتاج 16010 ميغاواط بينما كانت الخطة تقضي بإنتاج 33595 ميغاواط.

صدرت أوامر ضبط بحق 32 وزيرا او بدرجة وزير ، سجلت بحقهم 44 دعوى قضائية . واصدر القضاء العراقي امر قبض في حق وزراء عن 30 قضية فساد اداري ومالي . وبلغ عدد المستقدمين من الدرجات الخاصة 226 متهما صدر في حقهم 333 امرا قضائيا .

بلغ عدد المتهمين في القضايا الجزائية 9328 متهما وجهت اليهم 11666 تهمة بينهم 31 وزيرا و 56 تهمة ل385 متهما من ذوي الدرجات الخاصة والمديرين العامين. صدرت 7 بحق 4 وزراء و49 حكما بحق 41 من ذوي الدرجات الخاصة.

أصدر القضاء 2020 امر قبض نفذ منها 976 وبلغ عدد الوزراء ممن صدر بحقهم امر قبض 10 وزراء.

كشفت هيئة النزاهة عقدا سريا لشراء أسلحة من صربيا بقيمة 833 مليون دينار عراقي ، تولى انجاز هذا العقد وفد يضم 22 مسؤولا عراقيا كبيرا وجرى انفاق المبلغ وتبين لاحقا ان القيمة الاصلية للسلاح هي 236 مليون دولار فقط .

المصادر

م.م محمد غالي راهي جامعة الكوفة / كلية القانون الفساد المالي في العراق

مؤسسة فريدريش ايبرت مكتب الأردن والعراق  الفساد المالي والمساءلة في العراق

شركاء من اجل الشفافية

مؤلفات الرفيق فهد من وثائق الحزب الشيوعي العراقي مطبعة الاديب 1974

الفساد هو التحدي الأخطر على الاقتصاد العراقي

ويكيبيديا الفساد في العراق

رووداو أربيل تقارير منظمة الشفافية الدولية

 

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-07-2022     عدد القراء :  180       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced