غباء السياسيين
بقلم : د. صادق إطيمش
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لا اتحدث هنا عن ساستنا في العراق بشكل خاص، فهم ليسوا اغبياء بقدر ما هم لصوص باحتراف وقدرة عالية في التفنن باللصوصية، حتى انهم ابتكروا طرقاً ووسائل لا تخطر على البال حينما افتوا مثلاً، وهم اهل دين وورع كما يعلم اهل العراق !!!، بأن أموال الدولة وكل ما يعود لها من عقارات وموارد ارضية، كالنفط مثلاً، تعتبر شرعا مجهولة المالك، لذلك يحق للرعية المؤمنة المتدينة الورعة فقط، وهم هذه الرعية، الاستحواذ عليها، وليس كائن من كان من غير اهل الدين واحزابهم.

لا لم اقصد ساسة العراق اليوم، الذين برعوا بابتكار طرق اللصوصية، كما برع نظام البعثفاشية المقيتة بابتكار طرق الجريمة والتعذيب الوحشي وكل وساءل التغييب لمعارضيه، بل اعني بمفردة الغباء هذه جملة سياسيي الإتحاد الأوربي الذين يوجهون سياسة هذا الإتحاد وبالتالي مردودها على شعوبهم.

لم يدر بخلدي يوماً ما ان من يوجه السياسة الاوربية وما يرافقها من تطور اقتصادي وموقع سياسي عالمي، ساسة اغبياء كساسة اليوم.

الغباء الذي تبلورت عنه سياسة الإتحاد الاوربي بارتمائها بأحضان السياسة الامريكية وتنفيذها لمخططات لم تجن من ورائها غير تحطيم اقتصادها وانحسار تأثيرها على السياسة العالمية لا يمكن تفسيره إلا بلوثة غباء تجتاح عقول الساسة الأوربيين وتعمي بصائرهم عن النتائج الوخيمة التي تنتظر شعوبهم جراء انجرارهم وراء تنفيذ مخططات امريكية هدفها انقاذ الاقتصاد الامريكي الذي بدأ يعاني تبعات انحسار تصدير الاسلحة  ومن انهيار سمعة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية على النطاق العالمي وما تكنه الشعوب، حتى شعوب بعض حلفاءها ، لهذه السياسة من بغض ورفض، اضافة الى الدور المتعدد الاوجه الذي تبديه امريكا تجاه المشاكل العالمية الملحة التي لها تأثير على تأجيجها وإشعال الحروب هنا وهناك بسببها. على العكس من ذلك بدأ الإتحاد الأوربي، خاصة بعد توحيد العملة، على ان يبرز الى العالم كقوة اقتصادية فعالة عالمياً الى جانب القوى الأخرى، ودور سياسي متميز ومؤثر على الساحة السياسية الدولية. لقد ادركت اوربا بعض الحقائق التي ساهمت في خلق هذا الإتحاد منها:

ان اوربا لم تعد بحاجة الى القوة العسكرية التي كانت الدول ترصد المبالغ الطائلة لها. فالحروب التقليدية القديمة بين دول اوربا الكبرى لم تعد ممكنة في الوقت الحاضر وسوف لن تكون ممكنة في المستقبل بين دول هذا الإتحاد. وقد تجلى ذلك واضحاً حينما راجعت الدول الأوربية وضع جيوشها بعد انطلاق الحرب في اوكرانيا فوجدتها في حالة بائسة وتعاني من النواقص في شتى المجالات مما اضطر بعضها، كألمانيا مثلاً، الى تخصيص مبالغ اضافية طائلة لإعادة تسليحها وإكمال ما تعاني منه من نواقص مادية وبشرية. بينما جرى الاهتمام طيلة السنين الماضية بتوظيف الأموال الى التطور الاقتصادي والجانب الخدمي.

ومما ساعد على ذلك ايضاً يتجلى في ان دول الإتحاد الأوربي لم تعش منذ اكثر من سبعين عاماً حروباً على نطاق واسع اجبرتها على ان تسخر مواردها المادية والبشرية لها. لذلك كان التوجه نحو ترسيخ سياسة السلام فيما بينها هو الذي جعلها ذات ثقل دولي يمكنه ان يلعب دوراً مؤثراً على الساحة السياسية العالمية، كما شكل ذلك عاملاً من عوامل الثقة العالمية باقتصادها وسياستها ايضاً.

وهذا هو الدور الذي كان يجب ان تقوم به اوربا تجاه النزاع القائم بين روسيا وامريكا والوقوف بوجه السياسة الامريكية الرامية الى جعل اوربا ساحة حربها مع روسيا.

في العام 1962 حينما ارادت كوبا وضع صواريخ روسية على اراضيها نشأت آنذاك ازمة ما يسمى ازمة الصواريخ في كوبا والتي هددت فيها الولايات المتحدة الأمريكية العالم بقيام حرب عالمية اذا ما تم نصب هذه الصواريخ على ارض كوبا. لقد عللت السياسة الامريكية تهديدها هذا آنذاك بانها لن تسمح بوجود قواعد عسكرية روسية على القرب من حدودها بالنظر لما يمكن ان يشكل ذلك من تهديد لأمن امريكا.

ألم يفكر ساسة الإتحاد الأوربي بهذا الامر حينما رضخوا للسياسة الامريكية التي ارادت وضع قواعد عسكرية لحلف الناتو العدو الأول لروسيا على الأراضي الاوكرانية وبالضبط على الحدود الشرقية الملاصقة لروسيا؟ المسافة بين اقرب حدود بين كوبا وامريكا تصل الى 200 كم تقريباً، ومع ذلك اعتبرت امريكا وجود الصواريخ على ارض كوبا يشكل تهديداً على امنها القومي. فكيف تنتظر امريكا ومعها ذيلها الإتحاد الأوربي ان توافق روسيا على نصب قواعد عسكرية لحلف الناتو، كألد اعداء روسيا، على حدودها مباشرة دون ان يبدو منها اي رد فعل على هذا التهديد؟ هل هو الكيل بمكيالين مرة اخرى وعلى نمط الكيل فيما يتعلق بحقوق الإنسان؟؟؟

لقد سعت السياسة الامريكية، وبكل خبث، الى ان تحد من تطور وتنامي الإتحاد الاوربي كقوة اقتصادية وسياسية لها اثرها الفعال على السوق العالمي وعلى السياسة الدولية لقد ظلت السياسة الامريكية تعاني من منافسة روسيا والصين واليابان واستيلاء اقتصاد هذه الدول على الاسواق العالمية سواءً على نطاق الإنتاج السلعي او فيما يتعلق بمصادر الطاقة والمواد الغذائية. لذلك شكل الإتحاد الاوربي مصدر خطر آخر. إلا ان هذا الخطر يمكنها الحد من تطوره، بالعكس مما هو عليه الحال مع الصين وروسيا واليابان، فعمدت الى اللعب بورقة الناتو، هذا الحلف الذي لم يعد هناك مبرر لوجوده بعد انهيار حلف وارشو الذي كان يشكل جبهة العدو بالنسبة للسياسة الغربية على العموم في وقت ما ولى وانتهى. الم يتبادر الى اذهان الساسة الأوربيين سؤالا ولو بسيطاً عن مدى حاجة اوربا الى حلف عسكري على اراضيها وبهذه الكثافة التي تخطط لها الولايات المتحدة الأمريكية؟ وحتى لو فرضنا ان دول الإتحاد الأوربي مقتنعة بوجودها ضمن حلف الناتو، الم يسأل الساسة الأوربيون انفسهم عن سر وفائدة ومغزى ان تكون قواعد حلف الناتو على الحدود الروسية مباشرة، دون ان يكون هناك رد فعل موازي من روسيا؟ انه الغباء السياسي ولا غيره الذي عبر عنه الخنوع الأوربي للسياسة الأمريكية، دون ان يفكر ساسة اوربا بما سيجلبه هذا الخنوع من ويلات على شعوبهم؟ وهذا ما يحدث اليوم وما سيتبعه من مآسي تنتظر دول الإتحاد الأوربي.

المصيبة الأولى تتجلى بالتفكير بالمصير المجهول لتداعيات المشاركة في الحرب التي كان من الممكن إبعاد اوربا عنها لو فكر الساسة الأوربيون بلعب دور الوسيط بين روسيا وامريكا، لاسيما وإن لبعض دول اوربا علاقات جيدة مع الإثنين قبل قيام هذه الحرب المجنونة. المصير المجهول للحياة في اوربا في الشتاء القادم وربما ما يليه من السنين القادمة بسبب انقطاع مصادر الطاقة الروسية وانقطاع بعض المنتجات الزراعية وتأثيرها اليومي الآن على حياة الفلاحين وطبيعة عملهم سواءً في المجال الزراعي او في مجالات تربية الحيوانات واستغلال منتجاتها.

تزايد معدلات انتشار الفقر بسبب الغلاء الذي رافق صعود الاسعار مع تزايد الشحة في مصادر الطاقة والوقود. وتشير آخر الإحصائيات في المانيا الى ان 70 بالمئة من الشعب الألماني يعاني الآن من تبعات الغلاء وارتفاع الأسعار امام قلة الموارد المالية لكثير من السكان. ولا يوجد من يستطيع من هؤلاء الساسة الأغبياء ان يخطط لمستقبل خال من تزايد هذه الأزمات ومن ازدياد التقشف والاقتصاد في استعمالات مصادر الطاقة. وقد بدت منذ الأشهر الاولى للحرب نداءات بعض وزراء الطاقة في اوربا بالتهيؤ لشتاء قاس ومطالبتهم الناس بتوقع شحة مصادر الطاقة الى حدود قد تشكل ارهاقاً مادياً ونفسياً لكثير من الناس.

ما يصرح به مسؤولون كبار من توقعات بانهيار الاقتصاد الأوربي وتناقص وتائر الإنتاج وبالتالي فقدان العملة الأوربية لقيمتها في الأسواق العالمية.

وقد حدث هذا بالفعل الآن حينما اصبح التعامل بالأيرو بقيمة مساوية للدولار بعد ان كانت العملة الأوربية بالأويرو تعادل ما يقارب ضعف قيمة الدولار الأمريكي. لقد اصبح التعامل بالأويرو غير مأمون الجانب في الاسواق العالمية التي عادت لتفضل التعامل بالدولار. ان سبب انهيار الأويرو ليس ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي فقط، كما يحاول البعض تبرير ذلك، بل بسبب المشاركة في الحرب الأوكرانية ضد روسيا ايضاً، وتبني سياسة اقتصاد الحرب التي تسير بدول الإتحاد الاوربي نحو المجهول.

إن غباء الساسة الذين يوجهون سياسة اوربا جعلهم يتخبطون في افكارهم التي لم تعد تتفق والمنهج العلمي في التحليل السياسي. فاغلبهم مقتنعون بان بوتين ذو نزعة دكتاتورية في حكمه، وقد يكون هذا صحيحاً، إلا انهم لم يفقهوا بان هذه النزعة الدكتاتورية ما هي إلا وسيلة من وسائل تثبيت اركان الحكم الذي يريد استمراره في روسيا ويكون له الدور المتميز فيه. النزعة الدكتاتورية لبوتين لم تبد كنزعة استعمارية او ذو تأثير خارج نطاق روسيا وانها سياسة يمكن التعامل معها من خلال الحوار، وقد بدى ذلك واضحاً في ازمة شبه جزيرة القرم. بالإضافة الى ذلك كان على الساسة الاوربيين ان يعوا مفردات التاريخ الذي يتحدث عن الحروب مع روسيا، من اية جهة كانت، بانها حروب لا يمكن الانتصار فيها على بلد كروسيا بإمكانياته الجبارة التي تطورت بمرور الزمن لتجعل من هذا البلد قوة عالمية عظمى.

الولايات المتحدة الأمريكية التي دفعت بأوربا الى هذا المأزق الخطر الذي ادخل شعوب اوربا في مآزق سياسية واجتماعية واقتصادية مجهولة النتائج، ظلت توجه هذا الصراع من خلال الأموال التي تدفعها لتعود اليها من خلال شراء اسلحتها، في الوقت الذي يعاني فيه العالم من مجاعة بحاجة ماسة الى مثل هذه الأموال لمكافحتها. وتشير آخر الإحصائيات العالمية الى وجود 811 مليون انسان يعانون من الجوع.  

تأبى السياسة الأمريكية إلا ان تعمل على تأجيج الوضع بحيث بدى الساسة الأوربيون يتسابقون في ترديدهم لمصطلحات الحرب والأسلحة الثقيلة واقتصاد الحرب، بعد ان كانت شعارات السلام والتعايش والانسجام بين الشعوب الاوربية هي الغالبة على سياسة هذه الدول.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 15-07-2022     عدد القراء :  165       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced