المراجِع الدينية بين الجباية والهداية
بقلم : د. صادق إطيمش
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

بالرغم من عدم استطاعتنا الحديث عن مرجعية دينية سنية كتلك التي يمارسها الشيعة بكل تفاصيلها، إلا ان هناك مرجعيات سنية  تحضى بالتقدير والإحترام، بل حتى بالإمتثال لقراراتها  من قبل اتباع المذهب، كالأزهر مثلاً، او الوقف السني، او المؤتمر الإسلامي، وما شابه.

وما يُشاع عن المتدينين من اتباع المذهبين السني والشيعي، خاصة في العراق، بانهم يلتزمون بتعاليم مرجعياتهم ويحاولون تطبيقها في حياتهم اليومية. فهم يلزمون انفسهم مثلاً بالوقوف الى جانب مرجعياتهم في تنفيذ مشاريعها التي تريد لها صبغة اجتماعية او منفعة عامة، كالمراكز الدينية، او المراكز الصحية، او المؤسسات الخيرية للمساعدات الإجتماعية المختلفة، وغيرها.

بالمقابل من ذلك يُناط بالمرجعية الدينية واجب التوجيه والإرشاد لما فيه خير التابعين ومن ثم خير المجتمع برمته. فالأموال التي يجبيها الوقفان الشيعي والسني في العراق مثلاً، سواءً من الدولة او من التابعين، او مما يحصل عليه هذان الوقفان من التبرعات والنذور والإلتزامات الشرعية الأخرى كالخمس والزكاة والصدقات ومردود المراقد المقدسة، تشكل اموالاً طائلة قد تصل الى ميزانيات بعض دول اسيا او افريقيا، ومن المنطق، وحسب المفهوم الشرعي لواجبات هذين الوقفين، يجب ان تصرف هذه الأموال لقضاء حاجات الناس، خاصة المعدمين منهم، وتسييرها لمنفعة المؤسسات التي تعني بالتوجيه الديني وتربية التابعين بالمثل العليا التي يعتقدون انها من صميم تعايم دينهم. وبعبارة اخرى يمكن القول ان المرجعيات الدينية ليس لها ولا لتابعيها اية مصلحة شرعية بالتوجه لإستعمال ما تجبيه من اموال سواءً من تابعيها او حتى من قبل الدولة للدخول في مشاريع تجارية ذات مردود ربحي، كالمولات والجامعات والشركات التجارية وغيرها، مما يجعل كثيراً من هذه الاموال تُصرف لغير الغرض الذي جُبيت من اجله.وبمعنى آخر فإن واجب التوجيه والإرشاد يظل هو العمل الأساسي الذي تقوم به المراجع الدينية.

إلا اننا نرى، ومع الاسف الشديد، ان مثل هذه المؤسسات المرجعية جعلت الجباية قبل الهداية في مجمل عملها القيادي في المجال الديني. ومما يؤكد ذلك ازدياد نشاط  بعض القوى المنتمية الى هذين الوقفين بإثارة المشاكل الإجتماعية التي تؤجج لصراعات تهدد السلم الإجتماعي وتفرق المجتمع العراقي، وقد تقود الى اسوأ من ذلك بكثير، كالنعرات الطائفية التي برزت اليوم وكانها تريد ان تعيد مآسيها لأعوام الصراعات الطائفية التي تسببت في كثير من الجرائم في وطننا.

كثيرة هي الأمثال التي تتناول تقييم سلوكية وشخصية الإنسان من خلال ما يقوله او ما يتحدث به في المجتمع الذي يعيش فيه او بين جلاسه ومعارفه. فالمثل الذي ينص على ان لسان الإنسان حصانه يهينه ويصينه، او تجنب الكلام حينما يكون السكوت من ذهب، او الدعوة إلى مضغ الكلام قبل إطلاقه على السامعين، وغير ذلك الكثير من هذه الأمثلة التي تشير حقيقة إلى تربية الشخص البيتية والمدرسية والإجتماعية التي تخوله لأن يكون صاحب حديث محترم وقول مقبول امام مستمعيه او قارئيه. هذه هي المبادئ العامة التي يحرص على الإهتمام بها كل انسان يملك شيئأ من الإحترام لنفسه ولمجتمعه وحتى لتاريخه العائلي او المدرسي . إلا اننا نجد وخاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه وسائل توسيخ المجتمعات بافكار واقوال تعافها المزابل اصلاً، والصادرة من بعض مَن سلكوا طريق الدين ليجعلوا من قذاراتهم الطائفية وتقيؤاتهم المذهبية وخزعبلاتهم واكاذيبهم الدينية حديثاً يخرجون به على الناس بكل ما يحتويه هذا الحديث من ابتذال خُلقي وأدب اجتماعي.

لا فرق هنا بين مذهب وآخر من مذاهب الطائفيين الذين اتخذوا من الدين الإسلامي ومن المجتمعات العربية الإسلامية مواقع ينشرون من خلال ما يتوفر لهم فيها من وسائل النشر والإعلام المرئي والمسموع والمقروء كل ما تحويه عقولهم وافكارهم المتخلفة وشخصياتهم المهزوزة من سموم لا يقوى على تحملها كل من يحمل ولو بقايا عقل او يمتلك ولو مساحة ضئيلة من الفكر الذي يعي ما حوله ويعيش تاريخه بزمانه ومكانه، وليس باحلام فقهاء السلاطين وتجار الدين من رواد الإسلام السياسي الذي اصبح إرهابه الدامي وتصرفات اتباعه المشينة تشكل سمة العصر الذي تعيشه البشرية جمعاء اليوم وليس المجتمعات العربية الإسلامية فقط.

يعتقد بعض هؤلاء الطائفيين بانهم حينما يعتلون المنبر الحسيني مثلاً، فإن قداسة هذا المنبر لدى الكثيرين من افراد مذهبهم ستعصمهم من مواجهة الآخرين الرافضين لمنطقهم الطائفي حتى وإن تحدثوا بلغة لا تنسجم مفرداتها مع الأخلاق والآداب العامة او مع الذوق الإنساني السليم. وهم في نفس الوقت يكشفون عن مدى تخلفهم حينما يتجاوزون على هذه القدسية للمنبر الذي يعتلونه ، ولا تفسير لديهم بمدى إنسجام البذيئ من القول الذي يتحدثون به من على هذا المنبر مع قدسيته. ففي الوقت الذي يبدأون به احاديثهم وخطبهم الدينية بكل ما يدعو إلى الورع والتقوى والمثل العليا، تجدهم ينقلبون مباشرة، وبدون مقدمات، للتفتيش في مخازن افكارهم البدائية حينما يجرهم الحديث إلى الآخر المخالف لهم في المذهب والذي لا يختلف عنهم مطلقاً فيما يسمونه ثوابت دينهم الواحد.

ولا يختلف الأمر هنا لدى الجانب المذهبي الطائفي الآخر حينما يتناول خطباؤه رموز وافكار، ولنقل دين الآخرين، المختلفين معهم في فرعيات دينهم الإسلامي المشترك وليس في اصوله. فقاموس هؤلاء المشايخ واتباعهم الذين طالما يتشدقون باقوال " السلف الصالح " من شيوخهم وأئمتهم ويستشهدون بها لينعتوا مخالفيهم في المذهب بمختلف النعوت والأوصاف التي لا يمكن ان تشكل لغة حوا ر او خطاب في مواقع يطلقون عليها بيوت الله او في مجالس يصنفونها ضمن التوعية الدينية. إن قاموس هؤلاء مليئ ايضاً بكل ما يعافه الذوق الإنساني ويأباه الخُلُق الرفيع.

فماذا نسمي هؤلاء ناشرو الحقد والكراهية والبغضاء ببذيئ الكلام ونشاز التصرفات ؟ هل نسميهم بناقصي الأخلاق وسيئي الأدب الذين لم تعلمهم مدراسهم الدينية التي تخرجوا منها او عوائلهم التي تربوا بين احضانها او مجتمعاتهم التي شبوا وترعرعوا فيها اية قيمة اخلاقية يمكنهم الإحتفاظ بها او توظيفها في المجتمعات والمواقع التي يتحدثون فيها ومن خلالها ؟ فإن كانوا عديمي الأخلاق هكذا، حيث ان الكلام البذيئ الغير اخلاقي لا ينسجم والثوابت الدينية التي يتقولون بها على الناس من ان الدين يعني مكارم الأخلاق، فإنهم والحالة هذه عديمي الدين ايضاً وما على مراجعهم التي تسمح لهم بلعب هذا الدور المُقزز والساكتة عن تهورهم هذا إلا ان تبادر بتنظيف الدين الذي ترعاه من هذه الأفكار التي لا تسيئ إلا إلى الدين اولاً واخيراً.

او انهم ذو شخصيات مزدوجة تعاني من الإنفصام ليس في الدين الذي تتبناه فحسب، بل في التصرفات اليومية التي ترافق مسيرة حياتهم. فهم سادة الخطاب حينما يتعلق الأمر بالدعوة إلى التدين واجتناب المنكرات ، في الوقت الذي يرتكبون هم فيه اعتى المنكرات من خلال تحريض الناس على بعضهم البعض مستخدمين الوسائل المختلفة في تأجيج هذا التحريض، بما في ذلك التدني الخلقي والإنحطاط الأدبي.

في الحقيقة كثيرة هي الأوصاف التي يمكن ان تلتصق بشخصية كل من هؤلاء المهرجين، دعاة الفتنة،متخلفي الفكر، فاقدي المنطق والأخلاق الإنسانية. إلا ان المؤلم حقاً هو ان تجد مثل هذه النماذج البائسة مَن يستمع إليها ويردد وراءها صيحات التكبير استجابة لتفاهاتها واكاذيبها وخزعبلاتها.

إنها مهمة كل مَن يحرص على بناء مجتمع يتسع لجميع الإختلافات الدينية والسياسية والثقافية، ساعياً إلى جعل الإختلاف طريقاً للقاء والحوار والتفاهم والسلم الإجتماعي، ان لا يسكت عن فضح واستنكار والتأليب على مقاطعة مثل هؤلاء الذين يسلكون هذا الطريق الإجرامي بحق الإنسانية بمجملها، وليس بحق المجتمعات العربية والإسلامية فقط. وهذا كله يقع في مقدمة مهمات المراجع الدينية اشخاصاً ومؤسسات لكي تردع تابعيها الساعين لزعزعة السلام الإجتماعي في وطننا.

المراجع التي تنشط في الجباية عليها ان توظف مثل هذا النشاط او اكثر منه للهداية.

  كتب بتأريخ :  السبت 17-09-2022     عدد القراء :  156       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced