اللا عنف منذ الطفولة
بقلم : ناهده محمد علي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

إن السلوك اللاعنفي مُكتسب ويتشربه الطفل رويداً رويداً منذ نشأته ويترسخ فيه في مراهقته ويصبح عادة مستديمة حين بلوغه، وهو أثناء هذه المراحل كالإسفنج تعتصره الحياة فيفرغ محتوياته حول من حوله من إخوة وأصدقاء وزوجة وأبناء.

إن خُلق اللاعُنف قد يتسم به فلاح بسيط أو بائع متجول وهو لا يعتمد كلياً على المستوى الثقافي والعلمي بل يتأثر بهذا المستوى ولكنه ليس بالضرورة قطعياً، لقد اطلعت على قضايا عُنف حاد وحالات قتل لأساتذة أكاديميين أو أطباء متخصصين لأن حالة العُنف الحاد وببساطة تتكون أساساً منذ الطفولة وتعتمد على طريقة التربية وتعامل الأبوين والصداقات المدرسية ونوعية مناطق السكن وهناك مناطق سكن مشهورة بالعنف حيث يتجمع الكثير من اللصوص والقتلة وممارسي العنف في هذه المناطق الفقيرة في كل أنحاء العالم، فنجد هذه المناطق في أمريكا أو في مصر أو في العراق وغيرها من الدول، وليس بالضرورة أن يكون كل سكان هذه المناطق من المجرمين ولكن العُنف يُكتسب من خلال المُعايشة في الشارع والمدرسة والبيت .

إن التربية الأُسرية السلمية والتي تقدم ما يكفي للأولاد من الحنان والعطف والتفهم والمرونة ينتج منها غالباً أولاد مسالمون ومحبون يبثون السلام أينما تواجدوا سواء في الشارع أو المدرسة ويقدمون للمجتمع ما تعلموه في البيت ولا يعتمد هذا فقط على سبل التعامل مع الأبوين بل على كل ما يقرأه أو يراه الطفل على شاشة التلفاز، لأن عدة ساعات من الجلوس أمام التلفاز أو ( Play Station ) ومراقبة أفلام الآكشن والعُنف يجعل من الطفل ممتصاً ومتقمصاً تدريجياً لحالات الأطفال العُنفية وهو إن أعجبه سلوك البطل يُقلده في البيت والشارع ويلغي ما رآه وما تعلمه من أبويه أو في المدرسة ويعتمد هذا على مدى قوة تأثير الأبوين أو المدرسين وعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام أبطال الشاشة حتى يصبح أبطال الشاشة العُنفيين هم أبطال الحياة، ويتوقفون عن التصور من أن الأبوين أو المدرسين هم أبطاله في الحياة المُقتدى بهم، كما أن نوع الموسيقي إذا كانت صاخبة أو هادئة تؤثر وتحفز الدوافع وتجعل المراهق الذي يستمع دائماً للموسيقى الصاخبة حاد المزاج سريع ردود الأفعال، وتؤثر أيضاً نوع أفلام ( الكارتون ) التي تُرى منذ الطفولة ونوع القصص التي تُقرأ على مزاج الطفل وسلوكه العُنفي .

إن إحاطة الطفل بالمعلومات والثقافة السلمية اللاعُنفية منذ الطفولة تجعله يتشربها شيئا فشيئا وتصبح لديه أشبه بالقواعد في الحياة وأُسلوب لا يستطيع تغييره، لأن حياة اللاعُنف هي أسهل بكثير وأكثر إحساساً بالأمان والسعادة، فلا إحساس بالسعادة لدى مُمارسي العُنف بل تفريغ آني لشحنات غضب وقتية والتي هي مُجمع لتجارب كثيرة مُحزنة في الذاكرة، ويعمل عقل المُمارس للعُنف ككمبيوتر سريع لاستخراجها وتفجيرها وتأتي كصور متلاحقة كضرب الأبوين، بطل الشاشة المُنتقم، استهزاء الزملاء واحتقارهم له، المقارنة ما بين حالته الفقيرة المُعدمة، وحالة زميله الغني.

لو أخذنا حالتين الأُولى لولد تربى على العُنف والثانية لولد تربى على اللاعُنف، فهو لم يُضرب في طفولته ولم يُراقب أُمه تُضرب بقسوة ولم يختلط مع جيران أو أصدقاء ممارسين للعُنف ولم يتعود على متابعة الفن الهابط أو الموسيقى الصاخبة، نلاحظ أن هذا الولد يتصرف بشكل هادئ ويحل مشاكله المدرسية والبيتية بأسلوب الحوار والنقاش الهادئ، أما الولد الأول فتكون ردود أفعاله سريعة وعدائية تجاه أفراد عائلته أو زملائه عند حدوث أي مشكلة حتى ولو كانت بسيطة.

إن الأسلوب العُنفي يستمر عادة في كل مراحل الحياة ويتطور حتى يصبح أُسلوبا للحياة يُمارس في البيت والعمل ويصبح الفرد مُدمناً للعُنف ويدخل في دوامة لا يخرج منها حتى الموت ويكون هذا الفرد شقياً وغاضباً على الدوام على عائلته وعلى مجتمعه، وهو يرى نفسه مظلوماً دائماً لا ظالماً، ويضع الآخرين في نقطة الضوء وهو أيضاً غير قادر على إدانة نفسه لأنه يتوقع من الآخرين كل شيء وهو غير قادر على إعطاء أي شيء.

إن مُمارس العنف يجعل من الآخرين أعداءً له، فالآخرون هم من ظلمه برأيه والآخرون من يتوقع منهم السوء وهم من يراقبونه ويدينونه ظلماً، وهو دائماً لم ولن يأخذ موقعه الذي يستحقه في الحياة، ولذا يجب أن ينتقم وينتقم. ويكون مثل هذا الشخص عادة كسول ورغم مزاجه الحاد غير منتج في الغالب لأن الإحباط الذي لديه من الآخرين وأحياناً من نفسه يُقيده ويجعله في الفترات التي يُمارس فيها العُنف مختبأ في بيته ويشعر بالخوف وعدم الثقة بالآخرين، لذا فهو يُقوي نفسه بالغضب لكي يستطيع المواجهة دائماً.

قد يتمتع العُنفيون بذكاء حاد لكنهم في الغالب لا يستفيدون منه وإذا ما تقدموا دراسياً فهم في الغالب أشقياء لا يتمتعون بسعادة النجاح ويُمارسون مهنهم بدون قناعة.

إن مُمارسي العُنف لا يقتصرون على عنصر محدد بل هي للأسف ظاهرة منتشرة انتشارا كبيراً في العالم وهي بين أوساط المثقفين والأُميين وليس بالضرورة أن يلد المجرمون أطفالاً عنيفين بل يكتسبون هذه الصفة تدريجياً من خلال التعايش اليومي، فالآباء لا يُوَرّثون العًنف إلا المصابين بالأمراض العقلية والعصبية والتي قد يتوارثها الأولاد، أما الأبوان المصابان بالأمراض النفسية فكثيراً ما يتلذذون بالسلوك العُنفي مع أبنائهم وبعدها يكون الحصاد شباباً عنيفين وبدرجات مختلفة، وكثيراً ما نقرأ عن أطفال يُحبسون في الظلام أو يُتركون بدون طعام أو تُطفأ أعقاب السكائر على جلودهم، وقد يصل أحياناً العُنف الأُسري إلى حد القتل الفردي أو الجماعي للعائلة، وتقف القوانين الأُوربية ضد هذه المُمارسات وبشدة، لكن القوانين العربية تتساهل كثيراً في موضوع العُنف الأُسري ولا تضع لهذا حداً خاصة ضد الأطفال والنساء.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 13-10-2023     عدد القراء :  822       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced