مرت عشر سنوات على رحيل الأبنودي، لكنه ما زال يحضر بيننا كلما استدعينا رائعته "مسألة مبدأ ". هناك، حيث يتحدث عن الصدق كقيمة لا تساوم، وكجسر يعبر عليه الإنسان مهما ضاقت الدنيا أمامه.
قصيدته ليست غناء للجراح ولا لحنا للوجدان فقط، بل بيان أخلاقي يقول ان الثبات على المبدأ في زمن الفوضى أصعب… لكنه الأصدق.
وعندما يتحول الكذب السياسي الى حقيقة تعاد تدويرها وتنتشر عبر الولاءات الضيقة، يصبح الخطاب المدني ضعيفا، لا لأنه خاطئ، بل لأنه لا يجيد الصناعة التي يتقنها الاخرون وهي صناعة الوهم.
هذا تماما ما عاشته القوى المدنية في الانتخابات العراقية الاخيرة.
بينما كان المشهد غارقا في الفوضى، والمال السياسي، واستغلال حاجة الناس وشراء اصواتهم، خاضت القوى المدنية وبقدرات متواضعة معركتها وهي تعرف ان الطريق مليء بالأشواك، وان الفوز غير مضمون… وربما غير ممكن.
ومع ذلك، اختارت الا تبيع الصدق بالاكاذيب، والا تنخرط في تزييف الوعي أو تلميع واقع هش لا يستند إلى مشروع دولة.
حين نقول إن القوى المدنية خسرت، فنحن نصف المشهد، لا جوهر القضية.
فالخسارة جرح… لكنه جرح قابل للعلاج.
والعلاج يبدأ باعادة تقييم التجربة بشفافية، وفهم مزاج الشارع، والبحث عن وسائل جديدة للوصول إلى الناس.
فالسقوط ليس عيبا، لكن العيب عندما يفقد المرء مبدأه.
وسقوط المدنيين في هذه الانتخابات كان سقوطا في مضمار غير عادل أصلا.
أما النهوض فهو واجب، ليس من أجل مقاعد البرلمان، بل من أجل ترسيخ قيم المواطنة، لأن مشروع الدولة المدنية لا يختزل في أصوات انتخابية عابرة، بل في وعي يتراكم ويكبر.
التجارب عبر التاريخ تخبرنا ان التيارات المدنية كانت دائما الأكثر إصرارا على حمل الحقيقة في زمن يصنع فيه الوهم.
وبقاء المدنيين على مواقفهم، ورفضهم المساومة على مبادئهم، هو شكل من أشكال الانتصار البطيء… لكنه الانتصار الذي يؤسس لفجر سياسي مختلف، فجر يشرق مهما طال ليل العراق.