أثار التنمر الذي تعرضت له طبيبة أسنان خريجة ( الطب اسنان جامعة كركوك ) بسبب مظهرها وملبسها جدلاً واسعاً كشف عن أزمة أعمق تتعلق بالصراع بين الحرية الفردية والوصاية الاجتماعية. فبدلاً من تقييم الكفاءات العلمية على أساس الإنجاز والمعرفة، يجري أحياناً اختزال قيمة الإنسان في مظهره الخارجي، متجاهلين سنوات الدراسة والجهد المهني وأخلاقيات المهنة.
ولا تكمن المشكلة في حملات التنمر الإلكتروني وحدها، بل في استجابة بعض المؤسسات الأكاديمية لها. فالجامعة، التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة وحامية للحريات الأكاديمية، تجد نفسها أحياناً خاضعة لضغوط الرأي العام ومنصات التواصل الاجتماعي، فتتراجع عن دورها التنويري في حماية التنوع واحترام الاختلاف.
إن الانصياع لما يمكن وصفه بـ«إرهاب الترند» يمنح حملات التشهير شرعية غير مباشرة، ويحول الجامعة من مؤسسة تقود الوعي إلى مؤسسة تتأثر بالأحكام المسبقة السائدة. والخسارة هنا لا تقتصر على الإساءة إلى شخص بعينه، بل تمتد إلى مكانة الجامعة نفسها واستقلاليتها الفكرية.
ولا تبدو هذه الظاهرة معزولة عن سياق تاريخي عرفه العراق في مراحل سابقة، و كل من عاش في العراق في سنوات السبعينات من القرن الماضي و الحملة الذي شنها (خيرالله طلفاح ) خال الدكتاتور عندما سعى مع بعض الجهات إلى فرض أنماط سلوكية ومظاهر محددة على المجتمع تحت ذرائع أخلاقية أو أيديولوجية. لكن ما يثير القلق اليوم ليس عودة هذا الفكر الوصائي بأدوات جديدة كحملات التشهير والتنمر الإلكتروني فحسب، بل تجاوب بعض المؤسسات الأكاديمية معه بدلاً من التصدي له.
إن الدفاع عن الكفاءات العلمية، بغض النظر عن المظهر أو الخيارات الشخصية، هو دفاع عن قيم التعليم وعن حق المجتمع في أن يُقاس الإنسان بعلمه وإنجازه لا بالأحكام المسبقة. كما أن بناء بيئة أكاديمية آمنة وعادلة يبقى شرطاً أساسياً للحفاظ على رسالة الجامعة ودورها في صناعة المعرفة وبناء الإنسان.