كبار السن في العراق بين تراجع دور الأسرة وغياب الحماية الاجتماعية
بقلم : خيرية الخالدي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

من الظواهر المقلقة التي بدأت تفرض نفسها على المجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة تزايد حالات إهمال كبار السن، بمن فيهم المصابون بالخرف والأمراض المزمنة، وتراجع قدرة بعض الأسر على توفير الرعاية اللازمة لهم. وهي ظاهرة لم تكن مألوفة بهذا الحجم في مجتمع عُرف تاريخياً بقوة الروابط الأسرية واحترام الوالدين ورعايتهما.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة من زاوية أخلاقية فقط، أو اختزالها في تخلي الأبناء عن مسؤولياتهم تجاه آبائهم وأمهاتهم، رغم وجود حالات مؤلمة وصلت إلى حد ترك كبار السن دون رعاية أو حتى التخلي عنهم في الأماكن العامة. فالمشكلة أعمق وأكثر تعقيداً، وترتبط بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت على مدى سنوات طويلة.

فالفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة تضع ضغوطاً هائلة على الأسر، خاصة في الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل. وعندما يجد الابن أو الابنة نفسه مسؤولاً عن إعالة أطفاله وتأمين متطلبات الحياة الأساسية في ظل ظروف اقتصادية قاسية، تصبح رعاية أحد الوالدين المصابين بالخرف أو الإعاقة أو الأمراض المزمنة عبئاً يفوق أحياناً قدرته المادية والنفسية.

كما أن عقوداً من الحروب والأزمات وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي تركت آثاراً عميقة على بنية المجتمع والعلاقات الأسرية، وأضعفت شبكات التضامن الاجتماعي التي كانت توفر الحماية لكبار السن في السابق.

غير أن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولياتها. فالرعاية الاجتماعية لكبار السن ليست شأناً عائلياً فقط، بل هي مسؤولية وطنية ومؤسسية. وفي العديد من الدول الأوروبية، لا تقتصر الرعاية على الخدمات الطبية، بل تشمل منظومة متكاملة من الدعم الاجتماعي والقانوني والاقتصادي. هناك مؤسسات تتابع أوضاع كبار السن بشكل دوري، وتراقب احتياجاتهم، وتوفر خدمات الرعاية المنزلية والمراكز النهارية والدعم النفسي والاجتماعي، فضلاً عن حماية قانونية تمنع الإهمال وسوء المعاملة.

وفي المقابل، يعاني العراق من نقص واضح في المؤسسات المتخصصة بمتابعة أوضاع كبار السن، وغياب برامج الدعم المنزلي والرعاية المجتمعية، فضلاً عن محدودية دور الرعاية والخدمات التأهيلية. كما لا توجد سياسات شاملة لدعم الأسر التي تتحمل عبء رعاية كبار السن أو المصابين بالخرف.

ولو توفرت برامج حكومية تقدم مساعدات مالية أو خدمات دعم للأسر التي ترعى كبار السن في منازلها، لكان من الممكن تخفيف جزء كبير من الأعباء المادية والنفسية عنها، ولتمكن عدد أكبر من المسنين من البقاء داخل أسرهم وفي بيئتهم الطبيعية بكرامة وأمان.

إن المجتمع الذي لا يوفر الحماية لكبار السن يفقد جزءاً من إنسانيته. فهؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في بناء أسرهم وخدمة مجتمعهم يستحقون في سنواتهم الأخيرة الرعاية والاحترام والشعور بالأمان، لا العزلة والإهمال. ومن هنا فإن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً بين الدولة والمؤسسات المدنية والقطاع الصحي والأسرة، لبناء منظومة متكاملة تضمن لكبار السن حياة كريمة تليق بما قدموه لوطنهم ومجتمعهم.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 20-07-2026     عدد القراء :  348       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

المهرجان العربي الكلداني
 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced