في أربعينية فقيدتنا الغالية الدكتورة نزيهة الدليمي
بقلم : عادل حبه
العودة الى صفحة المقالات

الحضور الكريم

تحيات عطرة

لا يسعني وبدقائق معدودات أن أتصفح مجلداً ضخماً عنوانه فقيدتنا العزيزة الدكتورة نزيهة الدليمي. لقد كتب العديد من الأفاضل، في رثاء فقيدتنا، كلمات تحكي عن ميزات هذه الشخصية البارزة في تاريخ العراق السياسي والإجتماعي. وسيأتي اليوم الذي سيكتب المزيد عنها، بل وعن مرحلة تاريخية عاصفة ونيرة في آن واحد، وعن رموز نسوية كثيرة عاشت مرحلة تتحدد سماتها في سعي العراقيات والعراقيين للدخول في مرحلة الحداثة والتنوير والخروج من جب الظلامية والرجعية، ومعالجة مظاهر التخلف، وفي القلب منها معضلة تحرير المرأة، وتحويلهن فعلاً لا لفظاً الى مدرسة تربي شعباً طيب الأعراق، وخروجهن من موضة "اللفافات والأكفان السوداء" المفروضة عليهن والتي إنتعشت الآن للأسف وبشكل مثير ومحيّر.

إنه مجلد يفصح أيضاً عن رجال متنورين رفضوا فتاوى دينية مزورة، وأهملوا دعوات بائسة في حرمان المرأة العراقية من العلم والثقافة والمساهمة في الحركات السياسية والإجتماعية، رجال عراقيون قارعوا قوى الظلام ووقفوا ضد تهميش نصفنا الجميل الآخر، ومنهم والد الفقيدة العزيزة الجليل المرحوم جودت الدليمي والمئات من رجال التنوير العراقي من شعراء بارزين وأدباء وسياسيين ديمقراطيين وحتى رجال دين متنوريين. لقد دعم المرحوم والد فقيدتنا، شأنه شأن آباء وأجداد لنا، طموحها المشروع في التزود بالعلم وقد برعت الفقيدة في ذلك. ولم يقف هذا الرجل الجليل حجرة عثرة أمام مشاركتها في الدفاع عن حقوق المرأة العراقية وتحررها وحتى إنخراطها في النشاط الوطني والسياسي.

إذن نحن أمام ملف يزداد أهميته الآن وبشكل إستثنائي في ظل ما نشهده، ليس في العراق وحده، بل في عموم البلدان العربية والأسلامية، من طغيان "دين جديد" لا يعرف الرحمة، سداه ولحمته القسوة العنف والقتل وتشكيل طوابير سفك الدماء وبنوك إسلامية مريبة وغسيل الأموال فيها وتجار ترويج سموم المخدرات، إضافة إلى موجة عارمة مدمرة لإلغاء نصف المجتمع ووأده، أي المراة، وبما يعني ذلك من تجميد قدراته على تربية فلذات أكبادنا ونشر المعرفة بينهم ومساهمته في إنتشال شعوبنا من العوز والفاقة والمرض. وللأسف وللدهشة ينحني فريق من النساء لهذه الموجة المضللة ويذعن للعبودية والتهميش أماً خوفاً أو نفاقاً أوتزلفاً.

إن الدكتورة الفقيدة هي من نمط تلك النساء العراقيات اللاتي "اقتحمن أزيز الرصاص" في وثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة برتسموث، وكانت فتاة الجسر مثلاً بارزاً على هذا النمط منهن، واللاتي لم يترددن في الوقوف موقف الند إلى جانب أخيها الرجل في المطالبة بالإستحقاقات الوطنية والإجتماعية. إن هذا الدور هو ما تميزت به المرأة العراقية، والشيوعية خصوصاً، وتعرضت بسببه إلى التعذيب وولوج زنزانات السجن السياسي في العراق، وتحملت الأحكام الثقيلة في سابقة فريدة. إنه دور لم نشهده قبلئذ لا في العراق ولا في البلدان العربية. إنه لمعدن صاف هذا الذي يصوغ نساء عراقيات بارزات، ومنهن دكتورتنا الفقيدة، اللاتي حققن المساواة مع الرجل في تعرضهن للإضطهاد والسجن والتعذيب إلى حد المس بشرفهن وعفتهن على مدى عقود مديدة منذ العهد الملكي ومروراً بنكبة 8 شباط 1963 وتجبر البعث في إنقلابه المشؤوم، وإلى "صرعة" المقابر الجماعية في المرحلة الثانية من حكم البعث والإنتهاكات غير المعقولة والمآسي والحرمان أثناء عهد صدام المشين وحروبه العبثية. و لا تزال المرأة العراقية تعاني وتقتل وتغتصب وإلى الآن على يد أشرار التكفير والظلامية و"الدولة الإسلامية الطالبانية" والميليشيات الطائشة التي إستفحلت شرورها بعد سقوط نظام العبث، وفي ظل إنتقال وطغيان الجوانب السلبية المتخلفة الذكورية، بدلاً من القيم الإيجابية من الثقافة السائدة في الريف والبادية، على الحواضر المدنية وعلى العاصمة بغداد بالذات، والتي يصادف هذا اليوم تاريخ تشييدها.

إن ما يميز شخصية الدكتورة نزيهة الدليمي هي مهارتها المهنية. فقد درست علم الطب في واحدة من أرقى كليات الطب في الشرق الأوسط آنذاك وهي الكلية الطبية في بغداد، وأنهت دراستها بإمتياز. وحققت خلال ممارستها لهذه المهنة الإنسانية، التي تتلائم مع طبيعتها السمحة، الكثير من الخدمات لأبناء وبنات الرافدين سواء في بغداد أو كربلاء والسليمانية والشاكرية وغيرها من مدن العراق وأزقتها. فالتشخيص الطبي للدكتورة وعلاجها تميز بالدقة والمهنية العالية مما دفع العديد من العراقيين إلى التوجه لها لثقتهم بمهارتها الطبية. وبقيت متابعتها المهنية مستمرة حتى وهي تمارس النشاط السياسي والإجتماعي أو تختبأ في الملاجئ السرية في سنوات البطش والملاحقات. وراحت تتابع أحدث ما أفرزته قرائح علماء الطب من جديد في هذا الميدان المهني الإنساني حتى آخر لحظات يقظتها وقبل أن نفقدها أخيراً وترقد في مثواها في الثرى المدمى لبغداد الحبيبة. ولربما كانت مهارتها في مهنتها الطبية الإنسانية وراء قدرتها الفائقة في التعامل مع الناس ومن مستويات ومنحدرات متفاوتة، وهي ميزة بارزة في شخصية الفقيدة. فهي تجد لغة مشتركة وبسرعة مع عجوز من مدينة الثورة وتتفاهم مع مواطن من مدينة السليمانية، بقدر ما إتقنته من اللغة الكردية أثناء خدمتها في تلك الديار، إلى جانب ما تجده من لغة مشتركة مع مثقفين وفنانين وسياسيين عراقيين بارزين وشخصيات عربية ودولية مرموقة مثل الشخصية الإسطورية الإسبانية دولوريس إيباروري وأخريات بارزات.

وإنعكست جديتها وحبها للعمل عندما تسلمت ولفترة محدودة مسؤولية وزارة البلديات، بعد إستيزارها كممثلة عن الحزب الشيوعي العراقي وعن المرأة العراقية على حد سواء في سابقة فريدة من تاريخ العراق والعالم العربي. فقد إستطاعت وبالإعتماد على طاقم عراقي مهني نزيه أن تمد شبكات للري وإيصال المياه إلى مناطق محرومة منه، إضافة إلى مشاركتها في علاج وجه محزن ومهين في حاشية بغداد، أي حي الشاكرية، الذي تحول إلى مدينة الثورة المعروفة الآن.

وإنطلاقاً من قناعتها الراسخة بإن حقوق المرأة تمثل جزءاً عضوياً لا ينفصل عن المجرى العام لدمقرطة النظام السياسي والإجتماعي في البلاد، بادرت وهي على رأس منظمة رابطة المرأة العراقية وبتعاون مع شقيقات لها على دعم والمشاركة في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي بعد إنتصار ثورة تموز، والذي يعد أرقى قانون للأحوال الشخصية صدر في عالمنا العربي وإلى الآن، حيث نص على المساواة بين الجنسين وتوفير الفرص لممارسة المرأة لحقوقها، وبالتالي تأثير ذلك على ترسيخ قواعد الديمقراطية في البلاد. فبدون تأمين هذه الحقوق للمرأة لا يمكن الحديث عن ديمقراطية راسخة في المجتمعات الحديثة.

ولا تقل الثقافة العامة لفقيدتنا عن مهارتها المهنية في الطب. إن تربيتها البيتية الأولى والمحيط الذي عاشته في فترة إنتشار أفكارالتنوير، ونشاطها في صفوف الحزب الشيوعي العراقي وإحتكاكها مع الوسط العراقي والإقليمي والدولي، إلى جانب حيازتها للغتين عالميتين هي اللغة الأنجليزية والروسية إضافة إلى لغتنا العربية الجميلة، كل ذلك مكّنها من التعرف علىمنابع متنوعة من المعرفة والثقافة العربية والعالمية. وكانت هذه المعرفة في خلفية قدرتها على المحاججة وليس التلقي، والحوار الجاد الى حد التشكيك عوضاً عن القبول بدون قيد أو شرط بأية فكرة أو مشروع. كانت للفقيدة طبيعة مميزة تتسم بقدرة الإصغاء والسماع دون تجاهل الآخر. ولكن كل ذلك كان يتم عبر المحاججة والنقاش الجدي والمثمر. وهكذا تلمست هذه الميزات عندما عايشتها في أكاديمية العلوم الإجتماعية في موسكو في بداية الستينيات، عندما درسنا وتناقشنا في بطون الفلسفة والتاريخ وعلوم الإجتماع والسياسة، أوعندما كنا نكلف سوية في صياغة وثائق ذات طبيعة حساسة وخطيرة من وثائق الحزب مثل تقييم تجربة الحزب أثناء إعلان الجبهة مع حزب البعث في أواسط السبعينيات من القرن الماضي أو التحضير لوثائق المؤتمر الرابع للحزب بعد إنهيار تجربة الحزب الشيوعي مع حزب البعث، أو أية وثائق أخرى.

إنها شذرات تلك التي أشير إليها آنفاً، وهي غيث من فيض بما يتعلق بفقيدتنا الغالية. ولكن ستبقى هذه الشخصية والفترة التي عاشتها موضع دراسة الباحثين كي يغنوا تاريخنا الزاخر بالحركات العقلانية ورموزها، ويلقوا الضوء على الصراع الحاد بين الحكمة والعقلنة والتحديث وبين الظلامية والقهر والعبودية وإلغاء الآخر.

وأخيراً لك يافقيدتنا العزيزة الود كلّه، ولذكراك العطرة كل آيات الخلود والمجد.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 17-02-2009     عدد القراء :  2155       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced