فصام العقل وآلية النقد السياسي
بقلم : د.عامر صالح
العودة الى صفحة المقالات

"أخالفك في الرأي ولكنني أدافع عن حقك في إبداء الرأي"
فولتير
أن من ابرز المعضلات التي يعاني منها المسرح السياسي العراقي الان تنعكس في ظاهرة التطرف في حوار ومحاكاة الاخر"المعارض",وهو مؤشر خطير لأنعدام ثقافة النقد,التي اصبحت مظهرا مميزا للساحة السياسية العراقية,أفرادا وجماعات واحزاب,حيث لازالت مشاعر وسلوكيات الغاء الاخر وأزاحته اوتسقيطه منهجا في الممارسة اليومية,وكثيرا مايأخذ هذا الاقصاء شكلا دمويا وطابع التصفيات الجسدية, وقد راح ضحيته مئات الالوف من المواطنين الابرياء ومئات من المناظلين الابرار.ويعكس ذلك أرثا ثقيلا نتيجة لعملية تراكم طويلة الامد انعدمت فيها التربية الذهنية والمعرفية والاجتماعية المواتية للأصغاء الى الاخر بوسائل سلمية وحضارية,ومن جانب آخر ترتبط بالأزمة العامة التي تعيشها الديمقراطية في البلاد,والتي تعتبر من أبرز النحديات التي تواجهها.

ويتشكل النقد في مستوى التجربة الفردية من شعور الفرد بالاحباط عندما يخفق في تحقيق هدف من أهدافه.وأرتباطا بحالة الوعي التي ترافق عملية الاخفاق,فقد يلجأ الفرد الى ما يسمى بالأسقاط في علم النفس,وهو ان ينسب الفرد ما في نفسه من عيوب وصفات غير مرغوبة وأخفاقات الى غيره من الناس ويلصقها بهم,وبالتالي يحمل أناس آخرين مسؤولية أخفاقه ولايحملها لنفسه,على الرغم من أن ذلك أعترافا لاشعوريا على النفس أكثر منه إتهاما للغير,أو اللجوء الى آليات أخرى كالعدوان أو التبرير المشوه.ولكن بأمكان التربية والتنشئة الأجتماعية الملائمة أن تنتح لنا أناس قادرين على ممارسة النقد الذاتي البناء,ألا أنها في محتمعنا لاتزال امكانيات شحيحة جدا بفعل التقاليد" العريقة" في قمع حرية التعبير.

أما النقد في المستوى السياسي من قبل احزابا لسياستها,وأن كان في بعض الأحيان يستمد مسحته العامه من ذات البيئة التي يعمل فيها الحزب أو السياسي المنتمى له, ألا أنه في الاحزاب العريقة وذات التأريخ فأن النقد يفترض ان يستند الى معايير عملية تتعلق بتقويم ونقد الأفعال والخطط السياسية ونتائجها(على سبيل المثال,هناك خطة سياسية موضوعة لمرحلة ما وبسقف زمني للأنجاز,تعقبها عملية تنفيذ,ثم تقويم,ثم خطة جديده تستفيد من نجاحات وأخفاقات الخطة التي سبقتها,وهكذا).وهناك أيضا معايير أخلاقية,أي منظومة أخلاقية محددة ذات طبيعة تربوية تحدد آلية النقد,وهذه المعايير الأخلاقية في النقد تعني ان يبنى النقد على معايير غير ذاتية,تجعله قابلا للتقويم.أما النقد غير الموضوعي فهو على العكس ,ينبني على معايير متغيرة وفقا للمصلحة الذاتية وللأمزجة الشخصية,بحيث لايكون النقد منسجما ولامنضبطا في أطار في أطار يجعلنا نستطيع الحكم عليه بالصواب والخطأ.وهذا النوع الاخير من النقد والمنفلت خارج أطار السياق الاخلاقي والتربوي هو الذي يتعرض له اليوم الحزب الشيوعي العراقي,ويستغرب المرء من شراسته,وكأن الديمقراطية وحرية الرأي وجدت اليوم فقط لشن الهجومات عليه.والأسوء من ذلك ان نرى" النقد" من أناس كانوا في صفوفه وكأنهم يقومون بالتكفير عن الانتماء السابق له والتخلص من "عقدة الذنب" التي تلاحقهم...وهؤلاء تربوا طويلا في صفوفه ومحيت أميتهم الأبجديه والحضارية فيه, وتعرفوا على قيمة الكتاب من خلاله ,وتسلحوا بأنماط سلوكيه أيجابية,كانت محط انظار وأعجاب وأحترام البيئة المحيطة بهم.وهؤلاء من الذين كان دفاعهم بالامس عن الحزب يثير الدهشة والاستغراب!!!,بل ويثير السخرية أحيانا!!!. ألا ان ظاهرة النكوص والتقهقر والردة الى مستوى غير ناضج من السلوك تبدو ممكنة وخاصة عندما يتعرض الفرد الى موقف محبط!!!.

أن حرية الفكر والانتماء تسبح اليوم في فضاء لاحدود له(وخاصة في العراق)ويستطيع الفرد أن ينتمي الى أي فكر يشاء والى أي عقيدة يرغب بعيدا عن التشبث وحملات التشهير وأخذ الثأر,وبالأمكان حتى تأسيس أحزابا ,وهي فرصة ذهبية لحالات" التفريغ الأنفعالي" للمكنونات والمكبوتات اللاشعورية, كما يقول فرويد,وأرضاء للذات على نسق ما يكتب صاحبه في الصحافة...ويبقى الانسان حافظا للعهد بهذا القدر أو ذاك ...وهي أفضل بكثير من حالة أستخدام العتاد المعرفي الذي حصل عليه المعني من الحزب وأستخدامه للهجوم عليه.أن المعارف الفكرية والعقلية يجب أن تطابق صيرورة الممارسة والا ماهو الفارق بين سلامة العقل وفصامه ,سواء أن الاخير يعيش في عالمه الخاص منعزلا بأوهامه وخيالاته المريضة,مقطوع الصلة بعالم الواقع,لايرى غير عالم من صنعه مليئ بمختلف الهلاوس والهذاءات,والاضطرابات في التفكير ومحتواه,وأن تحدث صاحبه فيتحدث "بسلاطة الكلام",غارقا بأحلام اليقضة وسوء التوافق مع الأخر.أنها حالات من بارانويا هزيمة العقل.

ومن جانب آخريمكن القول هنا أن القلق من النقد السياسي البناء هو قلق غير مشروع جملة وتفصيلا,أذ تبدو أهمية النقد الذاتي في كونه احد الاسباب الرئيسية لتقدم الاداء السياسي.وأن تشخيص الأخطاء وتقويمها هو مطلب ضروري لأصلاح فعالية الأداء السياسي,وليست السلطات الحكومية وحدها من تحتاج الى ممارسة النقد البناء,وأنما كل مؤسسة وشخصية وحزبا لايستقيم امرها ألا عبر تفعيل آلية النقد والمحاسبة,ثم التقويم,ومن قناعة اساسها أن النقد دافعا ومحفزا وليس مانعا للعمل.

وأن فكرة الحزب"الأب" أو "الالهة"هي فكرة يجب اجتثاثها لأنها مصدر اساسي لتجذير الهيمنة والأستحواذ داخل الكيانات السياسية,عدا ذلك كونها تتعارض مع الطبيعة الأنسانية التي تمارس النقد وهو جزء من مكونها الأساسي. وعندما تقمع هذه الالية فأنها لايعني قد صفيت,بل قد تدخل في أطار مايسمى بعلم النفس بتحوير الدافع,وقد تعود الى الظهور بشدة مرة ثانية وقد تكون ناقلة ليست للنقد البناء بل للتشويهات والتخريب والمبالغات,وهي وسائل فصامية في التعبير عن النقد.وهذا ما نراه اليوم من حملات اعلامية ضد الحزب الشيوعي العراقي وهي غير مبررة بقدر عدم انسجامها مع اداب وأخلاق ادارة الصراع الفكري والسياسي,ولكنها تعبر في أحد وجوهها عن أفرازات بعيدة المدى لحالات مجيئ النقد الذاتي البناء في بعض الأحيان متأخرا من قبل الحزب.

أن الحزب هو فلسفة"عقل" وفكر ثم ممارسة سياسية,وبالتالي لايخاف على الحزب من حالات الضعف والتصدع احيانا,لأنه يمتلك "عقل" ممكن أن يقود الى العمل السياسي بأتجاهات مختلفة ومنفتحة تنسجم مع ظروف الحياة المتغيرة ومع امكانياته الواقعية,فليست لديه القدرة أو القناعة السياسية على الأستعانة بقوة من خارج ميدان السياسة كمرجعية حاسمة في الازمات ,كما هو في حالات اللجوء الى المرجعيات الدينية من قبل احزاب الاسلام السياسي للأستعانة بها عندالهزائم ,او الى أية قوى أخرى تمتلك التأثير على الناس لشراء ذممها وأرتهان قوتها اليومي,والعبث بصدق عواطفها ورموزها الدينية والضغط عليها لمبايعة ذوي العمائم الصفراء وأنتزاع الأعترافات والتزكيات المسبقة منها,أوأستخدام المناسبات الدينية وغير الدينية في الجوامع والمساجد والدوائر الرسمية للهجوم على الحزب الشيوعي.وفي هذه الأجواء التي لاصلة لها بالديمقراطية تمارس عمليات" النقد" التي في الواقع ليست نقدا,بل هي استراتيجيات حصار وعزل وأقصاء وتفكيك,وهي ترتقى الى مستوى السباب والشتائم أكثر منه الى الحد الادنى من النقد وحتى غير البناء,وهي في أحسن الاحوال تنتمي الى هذاءات مرضية ذات صبغة سياسية,تعبر عن حالات غير معلنة من الافلاس السياسي وتدني الهيبة الاجتماعيةوالتى تقوم على خلفية التدهور القيمى ـ الشخصي والضعف المتواصل للمكانة الروحية والدينية لمن لايريد الى العراق واهله خيرا.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 21-04-2009     عدد القراء :  2534       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced