من أجل تصحيح مسار العملية السياسية
بقلم : تحسين المنذري
العودة الى صفحة المقالات

تشكل الاختراقات الامنية التي حدثت وتحدث في العراق الان،  المجهر الذي يكشف عمق أزمة العملية السياسية  والتي رافقتها مذ إنبثاقها بُعيد إنهيار الدكتاتورية وإعلان العراق كدولة مُحتلة .
وينسحب هذا على التهدئة الامنية التي إستبشر بها العراقيون منذ أكثر من عام من الان ، فقد أظهرت التفجيرات إن توافق العملية السياسية يقف على أسنة الحراب وليس على أُسسٍ من الديمقراطية ، ذلك أن عمليات التفجير والاحزمة الناسفة لايمكن لها أن تنفَـذ ، إلا عبر إختراقات أمنية كبيرة تمتلك قواعدا لها داخل أجهزة الامن ، تستطيع معها تنسيق العمل وتحديد الاهداف التي  يتمكن المجرمون عبرها من إيقاع أكبر الخسائر ذات المدلولات السياسية قبل كل شئ ، أو إن الاجهزة الامنية هشة، ضعيفة السيطرة ، لا تستطيع تثبيت ماتحقق من إستقرار نسبي  . وفي كلتي الحالتين فإن ذلك يدلل على الطبيعة الخاطئة لعملية بناء تلك الاجهزة والاسس التي اعتمدت في إختيار قيادات وعناصر تلك الاجهزة ، حيث إنها قامت بالاساس على نفس المحاصصة الطائفية التي سارت عليها العملية السياسية منذ إنبثاقها  . ولم يجر إعتماد الكفاءة والنزاهة والوطنية في إختيار القيادات والعناصر ، بل إنها خضعت لإعتبارات الولاءات الحزبية الضيقة أو بأحسن حال الولااءات الطائفية وتقاسم المناصب ؛، بحثا عن توازن شكلي لا يستمد ديمومته من إعتبارات الولاء للوطن أولا ، وتحمل مسؤولية الواجب أمام الضمير الانساني قبل الاجهزة الرقابية والتي بدورها خضعت لنفس إعتبارات المحاصصة المقيتة .
لقد رافق سوء العملية السياسية ورداءة الاسس التي إعتُمدت ، تردي مريع في الخدمات ، وتراجع في النمو الاقتصادي و إزدياد في البطالة ، وانحسار الثقافة الوطنية ، لحساب ثقافات الاحتلال والطوائف والاثنيات . وكان طبيعيا أن تقنون قوى المحاصصات كل أفعالها وممارساتها عبر دستور أعرج ، وسلة قوانين لم يستفد منها المواطن العراقي قدر إستفادة المتنفذين في السلطة ، والمدعومين بجملة من أوكار وممارسات الفساد الاداري والمالي والذي شل كل شئ ، بدءا من الرقابة وصولا الى التنمية الاقتصادية والبشرية . وجرى في ثنايا كل هذا وذاك هدر هائل لعشرات المليارات من أموال الشعب العراقي المغلوب على أمره ، مما أضعف قدرة القلة القليلة التي اشتركت في مجمل العملية السياسية وحاولت أن تقدم أي شئ يخدم المواطن ، ويثبت صدق نواياها وتوجهاتها .
إن كل ماحدث يضعف ثقة المواطن بقياداته ، وبتوجهات العملية السياسية ، ويجعل عملية العزوف عن الاشتراك والتفاعل في بعض مفاصل العملية السياسية كالانتخابات ،شئ طبيعي ،  والنسبة المتدنية للمقترعين في انتخابات مجالس المحافظات يثبت صحة ما ذهبنا اليه . وإن تكن عجلة الزمن قد مشت ، ولاقدرة لإحد على إعادتها ، فإن إصلاح ماحدث ، وتغيير إتجاهات العملية السياسية ، شئ ممكن الحدوث ، لو توفرت الارادات الوطنية الصادقة ، وتكاتفت القوى السياسية التي لها مشروعا وطنيا وليس نخبويا بأي إتجاه كان .
لعل الجميع يتذكر الدعوات التي إنبثقت في عام 2003 بعد إنهيار الدكتاتورية مباشرة لعقد مؤتمر وطني شامل لكل القوى السياسية العراقية من أجل تحديد مسارات المستقبل ، والتي تم وأدها بدون اي تبرير ظاهر ، أتصور إن تلك الدعوة كانت مفصلا هاما لو جرى تبنيه ، لأخذت الامور منحىً اخر غيرالذي هو عليه الان . لكن مازال في الوقت بقية ، فإن مؤتمرا وطنيا شاملا ، تُدعى إليه كل القوى السياسية والتي أثبتت التجربة إنها تحمل فعلا، همّا ومشروعا وطنيا للتغيير ، من شأنه أن يبحث في إعادة الاعتبار لمسار العملية السياسية بعيدا عن المحاصصات المقيتة ، يُستبعد منه كل القوى التي لها امتدادات ميلشيوية ، أو ولاءات خارجية ، أو إنها ذات مشاريع غير وطنية مهما حملت من نوايا حسنة لطوائفها وأثنياتها ، على أن تمتلك كل القوى المشتركة فيه حق التكافوء مع غيرها بغض النظر عن ما حصلت عليه عبر كل الانتخابات التي جرت والتي لم يكن أي منها في ظرف طبيعي ، سواءا من ناحية الامن أو النزاهة ، أو إتهامات التزوير ، أو أي شئ اخر رافق تلك الانتخابات المستعجلة والتي كرست نفوذ قوى طائفية بعينها ، إنحرف مسار البلد تحت قيادتها الى إتجاهات لا تؤدي الى التطور النوعي المنشود .
إن مؤتمرا كهذا لو جرى تبنيه من قبل القوى السياسية العراقية من شأنه أن يبحث في تغييرات هامة تتم على العملية السياسية لعل أولها وأهمها هو تغيير الدستور بما يضمن تكوين دستورا ديمقراطيا بحق، بعيدا عن إرادات القوى الطائفية والتي قادت البلد الى خراب شامل ودمار حقيقي ، وايضا من شأنه أن يقر الاسس التي تُعتمد لاحقا في اصدار القوانين ، كقانون الاحزاب والجمعيات ،وأن يضع تصورات إعادة بناء الاقتصاد الوطني ، وتفعيل الثقافة الوطنية الحقة ، وتنشيط العلم كعامل حاسم في أي تغيير منشود .كما إن مؤتمرا كهذا من شأنه ان يضع التصورات المستقبلية لما بعد انسحاب القوى المحتلة في عام 2011 وفقا للاتفاقية الامنية الموقعة بين حكومة العراق والولايات المتحدة الاميركية ، لذلك فأنه لابد أن يعقد هذا المؤتمر بعيدا عن وصاية أي قوى دولية بما فيها الولايات المتحدة الاميركية نفسها . كما يمكن للمؤتمر أن يبحث كل احتمالات التغيير والتطورات اللاحقة بعيدا عن روح الانقلابات والتدخلات الخارجية وكل مايسئ لمسار الديمقراطية المنشودة .

  كتب بتأريخ :  السبت 25-04-2009     عدد القراء :  2493       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced