مُنشِدات أغنية التنوير !
بقلم : رضا الظاهر
العودة الى صفحة المقالات

ما الذي يحدث في هذه البلاد التي يصفونها بأنها "مهد الحضارة" !؟
بين قصة الضحية دعاء والطبيبة ثناء قصص لا تنتهي عن العنف ضد النساء. فلماذا يحدث كل هذا العنف ضد أولئك اللواتي قال رسول هذه الأمة الكريم إنهن "شقائق الرجال"، ووضع الجنة تحت أقدام الأمهات منهن !؟
دعونا نتذكر، أولاً، قصتي الضحيتين دعاء وثناء.

فدعاء خليل، كما تعرفون، هي تلك الفتاة البالغة السابعة عشرة من العمر، وقد قتلها أهلها رجماً، في السابع من نيسان عام 2007، حتى يغسلوا "العار" الذي زعموا أنها ألحقته بهم، وما علموا أنهم بذلك قتلوا النفس التي حرّم الله قتلها.

أما ثناء حكميتار، فهي الجرّاحة في مستشفى القديس روفائيل ببغداد، التي عادت الى الوطن قبل خمس سنوات. وكانت هذه الطبيبة المسيحية قد تلقت التهديد بالموت مرتين: الأولى عبر رسالة مكتوبة تطالبها بالتحول الى الاسلام، وإلا فان القتل سيكون مصيرها، والثانية تأمرها بارتداء الحجاب، وقد وضعت في المظروف "رصاصة" تعبيراً عن أن مصيرها سيكون القتل أيضاً، إذا ما ظلت "حاسرة الرأس".

وكانت الدكتورة ثناء قد قالت لوكالة انتربرس سيرفيس، مؤخراً، إن "ثمة مجموعات سياسية كبيرة في العراق يريد رجالها لنا أن نبقى في بيوتنا". أما الفتاة المسكينة دعاء فلم تتوفر لها حتى فرصة الكلام، سواء للصحافة أو ربما حتى للأقربين. والله وحده يعلم أي رعب كان يستبد بها وهي تواجه الموت رجماً !
وسط هذه الأجواء المروعة والمصاعب التي لا تحصى تواصل منظمات معنية بشؤون النساء نشاطها دفاعاً عن حياة المرأة وحقوقها، وفضحاً لما تتعرض له من عنف. وفي هذه المعركة الاجتماعية تجترح ناشطات نسويات المآثر في عملهن الجريء والدؤوب.

أما العنف، الذي ترتبط أسبابه بالثقافة البطرياركية السائدة، وتأبيد راهن التمييز ضد النساء، فتتنوع أشكاله في بلادنا. فهي تمتد من القتل، والاغتصاب، والتهديد، والاختطاف، وإرغام فتيات على الدعارة، مروراً بعمليات غسل العار، والسعي الى فرض الحجاب، وتحريم "التبرج"، وممارسة العنف المنزلي، وإشاعة النظرة الدونية للمرأة باعتبارها "عورة" و"ناقصة عقل ودين"، وما الى ذلك من "فتاوى" ظلامية تشيع ثقافة الترهيب والتجهيل وغسل الأدمغة. ولا ينتهي أمر العنف عند حالات انتحار النساء حرقاً أو خنقاً، وقتل أخريات في حوادث غامضة تقيَّد، عادة، ضد مجهول. ومما يبعث على الترويع والاشمئزاز ما تتناقله الأنباء عن ختان الأناث في بعض قرى كردستان. ويثير السخط أن يزعم المدافعون عن هذه الجريمة البشعة بأن هدف هذه "العادة" جعل الفتاة طاهرة روحياً كي يتمكن الآخرون من تناول وجبات الطعام التي تعدّها !

وإذا كان المنطق النظري يقول إنه من المفترض أن تصبح الحياة أفضل بالنسبة للنساء بعد الاطاحة بنظام مهندس المقابر الجماعية، الذي اقترف من الجرائم البشعة ضد النساء ما ندر نظيره عبر حروبه واستبداده وحملاته "الايمانية"، فان الواقع الفعلي يقول عكس ذلك. ولا يحتاج فهم هذه المفارقة (والعراق "الجديد" مليء بالمفارقات بفضل "بركات المحررين") الى كثير عناء. فقد نشأت، بسبب سياسات "المحررين" وإجراءاتهم المتخبطة التي اشاعت الفوضى والانفلات، ومنهجية "المقررين" ومحاصصاتهم وصراعات امتيازاتهم، أجواء "نموذجية" للمزيد من تدهور أوضاع النساء.

ويبدو الأمر، أحياناً، كما لو أن هناك تواطؤاً بين مختلف القوى على الصمت تجاه ما يرتكب من عنف ضد النصف الأعظم من المجتمع. ويشمل هذا التواطؤ من يتحكمون بالمصائر في ظل توازن المحاصصات، ناهيكم عن تلك القوى الاجتماعية المحافظة، وسائر الظلاميين ممن يخشون حرية المرأة وجرأتها في رفع صوتها !
* * *
بوسعنا أن نذكّر بأنه بعد أقل من عام على "التحرير"، وفي الرابع عشر من آذار 2004، قال جورج دبليو بوش إن "التقدم في مجال حقوق المرأة والتقدم في مجال التحرير مسألتان غير قابلتين للانفصال".
أما حقائق الواقع فأقسى وأكثر مرارة من هذا الضحك على الذقون. فمعضلات نساء العراق أعقد من أن يحلها "محررون" عجزوا عن فهم واقع وثقافة هذه البلاد، ومحن ملايين المجلّلات بالسواد، وهي تبدو بلا نهاية، تحت سماء ستظل قاتمة مادامت الأغلبية صامتة، و"المعنيون" محصّنين ضد الاصغاء الى نداءات واحتجاجات ومطالب الملايين من بنات الرافدين المعذّبات.

يريد سَدَنة الثقافة البطرياركية إحكام طوق الحصار على النساء، ودفعهن الى الهستيريا أو الخنوع .. يريدون إسكات أصواتهن خشية أن ترتفع هذه الأصوات، فتؤدي الى ما لا تحمد عقباه، مما يهدد امتيازاتهم !
وليس أمام نساء العراق من خيار سوى أن ينهضن متحديات الثقافة السائدة، وخائضات الصراع بعيداً عن الآيديولوجيا و"التسييس"، وبأساليب فعالة، متجددة، وسط حشود النساء، وبتضامن الملايين من أنصار التنوير في معركة اجتماعية كبرى، في البلاد التي ما مرّ على غيرها من البلدان مثيل نكباتها.

نساء هذه البلاد، التي كتَبَت فيها امرأة أول قصيدة في التاريخ، جديرات بالنور، وهن يُنشِدن، رافعات القناديل والرايات، بأرق الأصوات وأعذب الألحان، أغنية الأمل السائر الى الغد الوضّاء !

  كتب بتأريخ :  الإثنين 02-03-2009     عدد القراء :  2132       عدد التعليقات : 0

 
   
 

 
 

 
في صباح الالف الثالث
الأحد 23-10-2016
 
يـا ســاحة التحرير..ألحان وغنـاء : جعفـر حسـن
الجمعة 11-09-2015
 
الشاعر أنيس شوشان / قصيدة
الأربعاء 26-08-2015
 
نشيد الحرية تحية للاحتجاجات السلمية للعراقيين العراق المدني ينتصر
الثلاثاء 25-08-2015
^ أعلى الصفحة
كلنا للعراق
This text will be replaced
كلنا للعراق
This text will be replaced